يرى محللان إسرائيليان أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يجري بعيدا عن الأضواء، في مراجعة عميقة لموقع بلاده في خريطة التحالفات الإقليمية، في خطوة لا تندرج ضمن مناورة تكتيكية عابرة، بل تعكس – وفق تقديرهما – رهانا استراتيجيا محفوفا بالمخاطر، يقوم على افتراض استمرارية النظام الإيراني وبقاء توازنات الشرق الأوسط دون تحولات جذرية مفاجئة.



وبحسب تحليل نشره٬ ليرون روز٬ وأميت شابي٬ في صحيفة “جيروزاليم بوست”، فإن هذا التوجه الجديد يضع السعودية أمام معادلة دقيقة٬ مكاسب مرونة قصيرة الأجل مقابل احتمالات خسارة نفوذ استراتيجي طويل المدى.

الاستفادة من اتفاقيات أبراهام
يشير روز وشابي إلى أن السعودية، على مدى سنوات، نجحت في الاستفادة من اتفاقيات أبراهام دون أن تكون طرفا رسميا فيها. فقد تشكل محور أمني واستخباراتي ضم إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، أسهم في كبح النفوذ الإيراني وإعادة رسم معادلات الردع في المنطقة.

وبحسب التحليل، حافظت الرياض على موقع قريب من هذا المحور، منخرطة في تعاون غير معلن، تحصد مكاسب أمنية ملموسة، مع الاحتفاظ بهامش سياسي يجنبها الكلفة العلنية للتطبيع. غير أن هذا الموقع الرمادي، كما يرى الكاتبان، بدأ يفقد صلاحيته تدريجيا.

تبلور كتلة استراتيجية دون السعودية
ويلفت الكاتبان إلى أن العلاقة بين تل أبيب والرياض وأبو ظبي لم تعد ترتيبات ظرفية، بل تحولت إلى كتلة استراتيجية متماسكة، تتوسع مجالات تعاونها لتشمل الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والتكنولوجيا العسكرية، إضافة إلى التكامل الاقتصادي.

ويرى التحليل أن أبوظبي رسخت مكانتها بوصفها الشريك العربي الأكثر موثوقية لواشنطن، في حين أصبحت إسرائيل ركيزة أساسية في البنية الأمنية الإقليمية، مع ملاحظة لافتة مفادها أن هذا التوطيد المتسارع يجري من دون أن تكون السعودية في مركزه.


التحوط عبر أنقرة والدوحة
أمام هذا التحول، يقول روز وشابي إن ولي العهد السعودي اختار مسار “التحوط الخارجي” بدل الاندماج الكامل في المحور القائم. ففي هذا السياق، أعادت الرياض النظر في علاقاتها مع تركيا وقطر، رغم أنهما كانتا تعدان سابقا منافستين مباشرتين للزعامة السعودية في العالم السني.

ويضيف الكاتبان أن تركيا توفر ثقلا عسكريا وطموحا إقليميا متناميا، بينما تتيح قطر نفوذا ماليا وإعلاميا وقدرة على التأثير في شبكات الإسلام السياسي، ما يمنح الرياض بدائل استراتيجية في مرحلة لم تعد فيها الهيمنة السعودية أمرا مضمونا.

قراءة خاطئة لاحتمالات التصعيد
ويربط التحليل هذا التوجه بقراءة معيّنة للتاريخ القريب، تشكلت – بحسب الكاتبين – تحت تأثير تقديرات غربية قللت مرارا من احتمالية اللجوء إلى القوة العسكرية في المنطقة.

ويستشهد روز وشابي بما سبق ما وصفاه بـ”حرب الأيام الاثني عشر”، حين اعتقد محللون بارزون أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستتجنبان المواجهة المباشرة مع إيران، مفضلتين المسار الدبلوماسي، قبل أن تثبت الوقائع خطأ هذه التقديرات، مع لجوء سريع وحاسم إلى العمل العسكري عقب تعثر المفاوضات.

وبرأي الكاتبين، كان يفترض أن يشكل ذلك درسا استراتيجيا، إلا أن ولي العهد السعودي – وفق التحليل – يبدو وكأنه يتبنى الإطار التحليلي ذاته: ضبط النفس بنيوي، والتصعيد مستبعد، والدبلوماسية كفيلة دائما بإدارة المخاطر.

ويحذر روز وشابي من أن هذا الإطار سبق أن فشل، وقد يكون على وشك الفشل مجددا. فإذا كانت الاستراتيجية السعودية تقوم على افتراض أن واشنطن وتل أبيب ستتجنبان الصدام مع طهران إلى أجل غير مسمى، فإن الرياض – برأي الكاتبين – تخاطر بأن تفاجأ بتصعيد واسع النطاق، في توقيت يحظى بتأييد الرأي العام.


القيود الداخلية وتراجع زخم الإصلاح
ولا يفصل التحليل السياسة الخارجية عن السياق الداخلي السعودي. فقبل سنوات، قدّم محمد بن سلمان نفسه بوصفه قائد مشروع تحديث شامل، تجسده مبادرات كبرى مثل “نيوم”، التي روج لها رمزا لسعودية ما بعد النفط والانغلاق.

إلا أن روز وشابي يشيران إلى تراجع هذا الزخم، مع تقليص الطموحات، وتمديد الجداول الزمنية، وفتور حماسة المستثمرين. ويعزو الكاتبان ذلك جزئيا إلى استمرار تأثير القاعدة الدينية الوهابية، وما يفرضه الانفتاح الاجتماعي والتطبيع مع إسرائيل من كلفة سياسية داخلية، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.

الشرعية السنية كبديل عن العمق الاستراتيجي
ويرى التحليل أن التقارب مع تركيا وقطر يوفر لولي العهد السعودي أداة موازنة بين خطاب التحديث ومتطلبات الشرعية الدينية السنية، لكنه – في الوقت ذاته – حل مؤقت لمعضلة استراتيجية أعمق.

ويحذر روز وشابي من أن إيران، رغم كونها التهديد المحوري حاليا، أخفت خلفها تنافسات إقليمية كامنة. فإذا ضعف النظام الإيراني أو انهار، فإن المنطقة لن تتجه إلى الاستقرار، بل إلى إعادة تشكل تبرز فيها طموحات تركيا ونفوذ قطر، غالبا على حساب المصالح السعودية.

وبحسب التحليل، فإن تمكين هذه القوى اليوم قد يعني تقوية خصوم الغد، في وقت يواصل فيه محور إسرائيل–الولايات المتحدة–الإمارات ترسيخ نفسه بوتيرة متسارعة، وباستقلال متزايد عن الرياض.

ويخلص روز وشابي إلى أن ولي العهد السعودي يراهن على الاستمرارية: استمرارية النظام الإيراني خارجيا، والإصلاح المدار داخليا. غير أن تاريخ الشرق الأوسط، كما يؤكدان، نادرا ما يكافئ التفكير الخطي.

ويحذر الكاتبان من أن الخطر لا يكمن في سوء قراءة واقع اليوم، بل في تثبيت السعودية على افتراضات قد لا يعترف بها إقليم الغد، ما قد يحول التحوط التكتيكي إلى بديل مكلف عن القيادة الاستراتيجية.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية بن سلمان السعودية تركيا قطر الإمارات تركيا السعودية قطر الإمارات بن سلمان صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ولی العهد السعودی

إقرأ أيضاً:

نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار

مع دخول الحرب على قطاع غزة عامها الثالث، لا تزال آلاف العائلات تعيش بين ركام منازلها أو داخل مبان متصدعة تهدد حياتها في كل لحظة، بينما تتعثر جهود إعادة الإعمار بفعل استمرار القيود الإسرائيلية، لتتحول معاناة النزوح المؤقت إلى واقع دائم يثقل كاهل السكان.

وينقل تقرير أعده مراسل الجزيرة شادي شامية من مدينة غزة مشاهد تختزل أزمة السكن المتفاقمة، حيث تنتظر عائلات فقدت منازلها انطلاق إعادة الإعمار، في وقت تتزايد فيه العقبات المرتبطة بإدخال المواد اللازمة وإزالة ملايين الأطنان من الركام، وسط استمرار الظروف الإنسانية القاسية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بعد شهرين من الحصار.. عائلة الطوباسي تخلي قسريا منزلها في “جالود”list 2 of 2ما تفاصيل وفرص نجاح مقترح هدنة الـ10 أيام بين واشنطن وطهران؟end of list

ولم تغادر عائلة أبو رزق الغول موقع منزلها المدمر، واختارت البقاء إلى جوار الأنقاض بعدما نصبت خيمة أصبحت مأواها الوحيد، وبين الركام، تمضي الأيام دون مؤشرات على اقتراب إعادة الإعمار، في صورة تعكس واقع آلاف الأسر التي فقدت مساكنها.

وتقول أم رزق إنهم ينتظرون منذ 3 سنوات أي تحسن يفتح الباب أمام الإعمار، لكن الأوضاع تزداد سوءا مع انتشار الأمراض والقوارض واستمرار آثار الحرب، مؤكدة أن قسوة الحياة دفعت كثيرين إلى تمني الموت بعدما فقدوا أبسط مقومات العيش.

ولا تبدو معاناة عائلة أبو يوسف أقل قسوة، إذ لم تتمكن حتى من نصب خيمة، فعادت للإقامة داخل منزل متضرر، حيث تحاصرها الجدران المتشققة والسقف المهدد بالانهيار، بينما يلازم أفرادها الخوف مع كل لحظة يقضونها داخله.

وتقول إحدى نساء العائلة إنهم اضطروا للعودة إلى المنزل لعدم وجود أي مكان آخر يؤويهم، رغم إدراكهم أن السقف قد ينهار في أي وقت، مشيرة إلى أنهم يعيشون في حالة خوف وتوتر دائمين بسبب الركام المتراكم فوق المبنى.

إعمار معطل

وتزداد أزمة الإعمار تعقيدا مع استمرار العراقيل الإسرائيلية التي تمنع انطلاق عمليات التعافي المبكر، إضافة إلى التحديات المرتبطة بإزالة كميات هائلة من الأنقاض، فيما يؤكد مسؤولون أن أي تقدم في هذا الملف يبقى رهنا بتطورات سياسية وميدانية.

إعلان

ويقول مسؤول في بلدية غزة إن الواقع بالغ الصعوبة بسبب رفض إسرائيل فتح المعابر وإدخال المعدات والمواد التي تحتاجها البلديات لبدء مرحلة التعافي المبكر، مؤكدا أن المؤسسات المحلية ما تزال تنتظر خطوات عملية يمكن أن تغير الأوضاع القائمة.

وتعزز الأرقام الرسمية حجم الكارثة الإنسانية التي خلفتها الحرب، إذ تشير بيانات وزارة التنمية الاجتماعية حتى يونيو/حزيران 2026 إلى تسجيل 65 ألفا و279 يتيما في قطاع غزة، بينهم 54 ألفا و468 طفلا فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب.

وتوضح البيانات كذلك انضمام 2039 طفلا إلى سجل الأيتام بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 ويوليو/تموز 2026، بينما ارتفع عدد الأرامل المسجلات إلى أكثر من 28 ألف أرملة، من بينهن 742 امرأة فقدن أزواجهن خلال الفترة نفسها، بما يعكس اتساع الآثار الاجتماعية للحرب.

وتتزامن هذه المعطيات مع استمرار تدهور أوضاع الإيواء، إذ تعرض أكثر من 20 مركزا ومخيما للاستهداف أو التضرر منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، كما نزحت أكثر من 800 أسرة داخليا نتيجة التوغلات الإسرائيلية وتقلص المساحات المتاحة للمدنيين.

وفي ظل هذه الظروف، تواصل عائلات غزة حياتها بأقل الإمكانيات داخل خيام مهترئة أو بين أنقاض المنازل، بينما يتراجع الأمل بإعادة الإعمار مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من القطاع، لتبقى العودة إلى حياة طبيعية هدفا مؤجلا بانتظار تغير الواقع.

مقالات مشابهة

  • عسكريون إسرائيليون سابقون يحذرون من تكرار شبح الاحتلال في جنوب لبنان.. تقرير يسرد التفاصيل
  • مركز الملك سلمان للإغاثة يوزع أكثر من 1300 سلة غذائية لدعم الأمن الغذائي في قطاع غزة
  • الرئيس السيسي: ثورة 23 يوليو المجيدة نقطة تحول فارقة في تاريخ الوطن
  • إسلام آباد تدين الهجوم الحوثي.. ولي العهد السعودي يتلقى اتصالا من رئيس وزراء باكستان
  • مساران حيويان لربط الرياض بالباحة لتعزيز السياحة
  • رئيس الوزراء اليمني يزور مستشفى الأمير محمد بن سلمان في عدن
  • جمال سلمان: ترامب لا يريد إسقاط النظام الإيراني
  • NYT: الأردن يتمسك بوجود القوات الأمريكية رغم تحول المملكة إلى هدف لإيران
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل
  • نتمنى الموت.. صرخات سكان غزة تحت الركام في انتظار الإعمار