حضرموت- على الرغم من قرار السلطات المحلية في محافظة حضرموت شرقي اليمن حظر قنص الوعول البرية، فإن عمليات الصيد لا تزال مستمرة نتيجة ضعف الرقابة وغياب الوعي المجتمعي، مما ينذر بانقراض هذه الحيوانات.

وتذكر تقارير يمنية أن الوعل يُعد رمزاً هاماً في اليمن، حيث ارتبط بحضارات قديمة  وتوثق النقوش الصخرية والتماثيل والعملات القديمة وجود الوعل وأهميته في حياة الإنسان اليمني القديم، مما يعكس مكانته الراسخة في الذاكرة الثقافية.

ويُعَد صيد الوعول إرثا متجذرا في حضرموت، تتناقله الأجيال بوصفه جزءا من العادات والتقاليد، إذ تمارس فرق محدَّدة هذا النشاط خلال فصل الشتاء من كل عام.

وتُعرف هذه الفرق بـ"القنيص" ويقودها شخص يُطلَق عليه "مُقدَّم القنيص"، في حين تمتد الرحلات عادة أسبوعا كاملا وسط الشعاب الجبلية، وتنتهي بطقوس احتفالية تُسمى "الزف" عند عودة القناصين ظافرين بصيدهم.

يُعَد صيد الوعول إرثا تتناقله الأجيال بوصفه جزءا من العادات والتقاليد (الجزيرة)

ورغم التنظيم التقليدي لهذا الإرث، فإن اعتماد الأسلحة النارية الحديثة، وانتشار الصيد الفردي والعشوائي، أصبح يهدد الوعل النوبي، وهو أحد الأنواع المهدَّدة بالانقراض.

وفي يونيو/حزيران 2025، أدرجت اليونسكو أكثر من 20 موقعا ثقافيا وطبيعيا يمنيا ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي، شملت مواقع التنوع البيولوجي في حضرموت، مؤكدة أن هذه المناطق موطن للوعل النوبي الذي يعاني تراجعا خطيرا.

 

رصد غير مكتمل

وكشف مدير الهيئة العامة لحماية البيئة بوادي وصحراء حضرموت المهندس عمر بن شهاب، للجزيرة نت، أنه رُصد قنص أكثر من 30 وعلا خلال عام 2025، مقارنة بـ50 رأسا في 2024.

وأشار إلى أن هذه الأعداد تخص الصيد الجماعي فقط، بينما يظل ما يحدث من صيد فردي -خاصة من قِبل البدو الرحّل- خارج نطاق الرصد، بما يعني أن العدد الحقيقي أكبر من ذلك بكثير.

إعلان

وقبل حلول موسم الصيد لهذا العام، عقدت الهيئة اجتماعا مع المديريات الشرقية التي تضم أكبر تجمُّع لفرق الصيد الجماعي، وتم الاتفاق على وقف القنص مدة سنتين قابلة للتقييم.

لكن بن شهاب أكد أن الاستجابة كانت محدودة جدا، وأن بعض المناطق خالفت القرار، مما يهدد التوازن البيئي في المحافظة في ظل إبلاغ السلطات الأمنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة، نظرا لتأثير الإفراط في الصيد على بقاء الوعول.

تحديات حماية الوعل

ويرى بن شهاب أن صعوبة تطبيق قرار المنع تعود إلى أسباب عدة، أبرزها:

ارتباط قنص الوعول بعادات ضاربة في القِدم. اتساع الشعاب والوديان وصعوبة مراقبتها. عدم تعاون بعض السلطات المحلية وعُقال الحارات. ضعف العقوبات القانونية، خصوصا في قانون حماية البيئة.

ويشير مدير الهيئة العامة لحماية البيئة بوادي وصحراء حضرموت إلى أن هذه التحديات خلقت حالة من الإرباك، ودفعت بعض القائمين على الصيد الجماعي إلى المطالبة بضبط الصيد الفردي والجائر الذي يهدد التنوع البيئي أكثر من الصيد المنظم.

صراع البيئة والتراث

بدوره، يقول المواطن أبو زايد عمر بن سعيد إن قرار وقف الصيد في جوهره صحيح، لكنه يرى أن منع "الحويف" (الصيد الجماعي المنظم) يمثل طمسا لعادات وتراث تمتد جذوره إلى آلاف السنين.

ويطالب بن سعيد في حديثه للجزيرة نت بإيقاف الصيد الفردي وصيد البدو الرحّل فقط، بوصفهما الأكثر تدميرا. ويعتقد أن "الحويف" يساعد في الحفاظ على أعداد الوعول لأنه يخضع لضوابط واضحة من حيث المكان والزمان.

كما دعا إلى فرض إجراءات مشددة لمنع الدخول الفردي إلى الوديان والشعاب، مؤكدا أن "القنيص الجماعي" هو تراث ينبغي الحفاظ عليه بالتوازي مع حماية البيئة.

وفي المحصلة، ما لم تُتخذ خطوات جادة، فإن حضرموت قد تفقد أحد أهم رموزها الطبيعية والثقافية، في خسارة لن تمس البيئة فحسب، بل ستطال جزءاً من تاريخ الإنسان وذاكرته.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

يوم البيئة وزمن الدوران

فى عام 1972، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 يونيه يومًا عالميًا للبيئة وذلك فى ذكرى افتتاح مؤتمر استكهولم حول البيئة الإنسانية، وجاء هذا اليوم كرد فعل لفاجعة حدثت عندما مرت الولايات المتحدة الأمريكية فى صراع سياسى واقتصادى بسبب الحرب مع فيتنام، حيث كلفت عجلة دوران اقتصادها إلى الأمام دوران عجلة الصحة البيئية إلى الخلف، بسبب الاستهلاك المكثف للغاز والمصانع، ثم أتت الكارثة الإنسانية فى عام 1969 بتسرب أكثر من 3 جالونات نفط فى المحيط الهادى وأدى ذلك لوفاة الكثير من الكائنات الحية. كل هذه الأمور أدت لتشكيل ما يعرف باسم يوم الأرض العالمى، ثم تطور إلى يوم البيئة والذى يركز فى الأساس على تمكين الأفراد والمجتمعات للتحرك بشكل مباشر لحماية البيئة، والتحول إلى الطاقة النظيفة، ومواجهة أزمات تغير المناخ. وفى دراسة نشرها مركز بيو للأبحاث حول أكثر الأخطار تهديدًا، كان التغير المناخى هو الأكثر تهديدًا بحسب إجابات المستطلعين، متقدما على خطر تنظيم الدولة، والهجمات الإلكترونية، وغيرها من المخاطر. وبعد ما يقرب من خمسة وخمسين عامًا من تدشين يوم البيئة العالمى برعاية الأمم المتحدة عصفت بكوكب الأرض ثلاث أزمات هى: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، وتفاقم مشكلة التلوث والنفايات على مستوى العالم. ومن وجهه نظرنا فإن معرفة الأسباب لا بد أن تسبق طرح الحلول، وهذه الأسباب تكمن من وجهة نظرنا فى الآتى: أولا : أن طريقة استهلاكنا لموارد كوكبنا المحدودة تتم بصورة عبثية، حيث تتجاوز معدلات الاستهلاك القدرة التجددية للأرض، ما يؤدى إلى استنزاف المياه، الغذاء، والطاقة، حتى مع المطالبة بالتحول نحو "الاقتصاد الدائري" والاعتماد على الطاقة المتجددة كانت الاستجابة الدولية ضعيفة. ثانيًا: عدم ايمان مجتمع الأعمال بضرورة اعتماد وتطوير نماذج عمل أكثر مراعاة للبيئة، لاسيما وأن اعتماد نماذج أعمال مستدامة بيئيًا لم يعد خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة استراتيجية حتمية لضمان البقاء والنمو فى ظل التحديات المناخية المتسارعة وتشريعات الاستدامة العالمية. ثالثًا: ضعف الوازع المجتمعى بتحفيز المزارعين والمصنعين لتطبيق طرق إنتاج مستدامة. وخاصة بعد أن تبين أن تحفيز المزارعين والمصنعين لتطبيق أساليب إنتاج مستدامة أصبح أمرًا ضروريًا لضمان الأمن الغذائى، حماية الموارد الطبيعية، ومواجهة التغير المناخى، ما يسهم فى خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل، فتح أسواق جديدة للمنتجات الصديقة للبيئة، وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة. رابعًا: محدودية دعم الحكومات للاستثمار فى إصلاح البيئة، حيث أكدت العديد من الدراسات الدولية أن الاستثمارات البيئية تعان فجوة تمويلية تتطلب مضاعفة التدفقات الحالية للحلول القائمة على الطبيعة لتصل إلى قرابة 572 مليار دولار أمريكى سنويًا. وترجع محدودية الدعم الحكومى فى هذا القطاع إلى أولويات الإنفاق، حيث تمثل الاستثمارات الضارة بالطبيعة أضعاف الاستثمارات الموجهة لحمايتها، كما أن العديد من الدول النامية تتعرض لضغوط مجتمعية مستمرة لتوفير فرص العمل والنمو الصناعى، ما يدفعها أحيانًا لتخفيف المعايير البيئية لتشجيع الاستثمار التقليدى، كما تفتقر الكثير من الدول النامية أيضًا إلى الأنظمة المالية الدقيقة لتسعير "خدمات النظام البيئي" (مثل امتصاص الكربون وتوفير المياه النظيفة)، ما يصعب معه تقييم العائد الاستثمارى للمشاريع الخضراء. خامسًا: تدنى خلق وعى بين جيل الطلاب والشباب لبناء مستقبل أكثر مراعاة للبيئة. حيث يمثل تدنى الوعى البيئى بين الشباب والطلاب تحديًا جوهريًا، ولتجاوز ذلك يتم حاليًا دمج برامج "التعليم الأخضر" فى المناهج وتفعيل المشاركة المجتمعية عبر منصات العمل التطوعى لتوجيه طاقاتهم نحو الاستدامة والاقتصاد الأخضر. وبالتالى فقد أصبح دمج الممارسات فى التعليم، تمكين المبادرات الشبابية، ودعم الجهود المجتمعية أمرا ضروريًا وهو ما سنتناوله فى المقال المقبل إن شاء الله.

رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام 

مقالات مشابهة

  • مساعدات غذائية وإيوائية طارئة بحضرموت.. مركز الملك سلمان يوزع وجبات ساخنة بغزة
  • يوم البيئة وزمن الدوران
  • هل يستبدل ترامب الأمم المتحدة بـ "مجلس السلام"؟.. شاهد
  • إيطاليا تحتفل بالعيد الـ80 لتأسيس الجمهورية .. وميلوني وماتاريلا يؤكدان أهمية العمل الجماعي
  • لتطوير النقل الجماعي.. إطلاق خط سريع جديد لربط شرق وغرب الإسكندرية
  • منع نفط حضرموت يُعيق تحسن الكهرباء بعدن.. ودعوات للتظاهر بالمدينة
  • أزمة وقود توقف تشغيل مطار سيئون… والريان يستقبل حجاج حضرموت
  • لتطوير منظومة النقل الجماعي.. إطلاق خط سريع جديد لربط شرق وغرب الإسكندرية
  • قطارات الاتحاد تدعم قطاع الصيد بنقل الأسماك بالسكك الحديدية
  • الخنبشي يفتتح خدمات الطوارئ العامة والتوليدية بمركز جامعة حضرموت لطب الأسرة على مدار الساعة