تتباين الآراء في تقييم تجربته السياسية، فبينما يرى مؤيدوه أنه تمكن من فرض سلطة الدولة والحفاظ على تماسكها خلال سنوات العنف، يتهمه منتقدوه بأنه عزّز الانقسام الطائفي وأضعف المؤسسات الديمقراطية.

مع إصرار "الإطار التنسيقي"، أكبر تحالف شيعي في البرلمان العراقي، على ترشيح نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، والأمين العام لحزب الدعوة الإسلامية، وزعيم ائتلاف دولة القانون، لرئاسة الحكومة المقبلة، في ظل توترات تعصف ببغداد والمنطقة بأسرها، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوقف الدعم عن العراق في حال عودة السياسي المثير للجدل إلى ولاية ثالثة.

واعتبر ترامب، يوم الثلاثاء، أن العراق سيُقدِم على "خيار سيّئ جدًا"، وكتب على منصته "تراث سوشيال": "آخر مرة كان المالكي في السلطة، شهدت البلاد الفقر والفوضى التامة. لا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى".

وأضاف أنه "بسبب سياساته وأيديولوجياته المجنونة، إذا تم انتخابه، فلن تساعد الولايات المتحدة الأميركية العراق بعد الآن"، وأردف: "إذا لم نكن هناك لمساعدتهم، فالعراق ليس لديه أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية. اجعلوا العراق عظيمًا مرة أخرى!".

اعتراض الأحزاب السنية

مع ذلك، لا تُعدّ واشنطن الجهة الوحيدة المعترضة على اسم المالكي، إذ توصف فترة حكمه لدى خصومه بأنها من الأكثر دموية في تاريخ العراق الحديث، لما شهدته من احتقان طائفي، وسقوط نحو ثلث مساحة البلاد بيد تنظيم داعش، فضلًا عن قضايا فساد مالية وسياسية وإدارية.

وفي حين رحّب الزعيم الكردي مسعود بارزاني بترشيحه فور إعلان "الإطار التنسيقي"، انقسمت المواقف داخل القوى السنية، وحتى بين الأحزاب الشيعية نفسها، التي دعمته بالأغلبية لا بالإجماع.

كما أفادت مصادر سياسية بأن الرفض كان واضحًا لدى قيس الخزعلي وعمّار الحكيم، وهما زعيمان شيعيان اعتبرا أن عودة المالكي قد تعني عودة سياسة "المركزية الشديدة" التي، وفق توصيف منتقدين، تحدّ من نفوذ بقية الشركاء السياسيين.. فمن هو نوري المالكي؟

خلفيته

يُعدّ المالكي شخصية بارزة داخل حزب الدعوة الإسلامية، الذي انضم إليه عام 1970، وارتبط اسمه بمراحل شديدة الحساسية في تاريخ العراق.

تولّى رئاسة الوزراء لدورتين متتاليتين بين عامي 2006 و2014، كما شغل خلال هذه الفترة منصب وزير الداخلية بالوكالة ووزير الدفاع ومسؤول الأمن الوطني، ما منحه نفوذًا واسعًا على القرارين العسكري والأمني. كما شغل منصب نائب رئيس الجمهورية من 9 سبتمبر/أيلول 2014 حتى 11 أغسطس/آب 2015.

انسحاب مشاة البحرية الأميركية من الفلوجة بعد إحراق تحصيناتهم، 30 أبريل/نيسان 2004. JOHN MOORE/AP نشأته وتعليمه

وُلد المالكي عام 1950، وينحدر من عائلة قومية عربية من قرية الهندية في قضاء طويريج التابع لمدينة الحلة، مركز محافظة بابل. تلقّى تعليمه الجامعي في كلية أصول الدين ببغداد، وحصل على شهادة الماجستير في اللغة العربية من جامعة صلاح الدين.

وفي عام 1980، أصدر الرئيس العراقي السابق صدام حسين قرارًا بحظر نشاط حزب الدعوة الإسلامية، وهو حزب أسسه عدد من علماء الشيعة، من أبرزهم محمد باقر الصدر ومحمد مهدي الحكيم، وعُرف بخطابه المعارض لحكم حزب البعث، ما جعل الانتماء إليه مهددًا بعقوبة الإعدام.

وقد دفع ذلك المالكي، الذي كان معارضًا لنظام صدام، إلى مغادرة العراق، حيث لجأ أولًا إلى سوريا، منفاه الاختياري، لمدة عامين، ثم إلى إيران عقب الثورة الإسلامية، قبل أن يعود مجددًا إلى سوريا، وبقي فيها حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وبعد الغزو، جرى اختياره بتوافق سياسي لرئاسة حكومة ائتلافية، رغم أنه لم يكن من الوجوه السياسية المعروفة على نطاق واسع قبل ذلك.

كما شارك في إعداد مسودة الدستور العراقي الجديد، وكان عضوًا في اللجنة التي تشكلت بإشراف أميركي لمعالجة إرث حزب البعث.

وتتباين الآراء في تقييم تجربته السياسية، فبينما يرى مؤيدوه أنه تمكن من فرض سلطة الدولة والحفاظ على تماسكها خلال سنوات العنف، يتهمه منتقدوه بأنه عزّز الانقسام الطائفي وأضعف المؤسسات الديمقراطية.

Related توتر بين العراق والبحرين والسبب نوري المالكي وتصريحات عن شيعة البحريننوري المالكي يكشف ما طلبه من واشنطن قبيل إعدام صدام حسينترامب يلوّح بقطع الدعم عن العراق.. تحذير صريح في حال عودة نوري المالكي إلى السلطةالعراق: "الإطار التنسيقي" يرشّح نوري المالكي لرئاسة الحكومة التوقيع على حكم إعدام صدام حسين

استهلّ المالكي ولايته الأولى بالتوقيع على حكم إعدام صدام حسين فجر يوم عيد الأضحى في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، رغم اعتراض مجلس القضاء الأعلى آنذاك، ورفض الرئيس العراقي الانتقالي جلال طالباني التوقيع على الحكم، معتبرين أن التنفيذ المتعجّل يفتقر إلى الأسس الدستورية. إلا أن المالكي رفض تأجيل التنفيذ.

وخلال ولايته، شهد العراق موجة عنف واسعة شملت بغداد ومحافظات أخرى، تميّزت بالخطف والقتل على الهوية، والتفجيرات، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين.

إسقاط تمثال صدام حسين في وسط بغداد على يد قوات أميركية، 9 أبريل/نيسان 2003. Jerome Delay/ AP الصدام مع جيش المهدي

في إطار ما عُرف بـ"خطة فرض القانون"، اندلعت اشتباكات بين القوات الحكومية وميليشيات موالية للتيار الصدري، أبرزها جيش المهدي. وفي مارس/آذار 2008، أطلق المالكي حملة "صولة الفرسان" ضد هذه الميليشيا في مدينة البصرة، التي تحولت إلى ساحة قتال مفتوحة.

وقدّرت الخسائر البشرية بنحو 1500 قتيل من الطرفين، إضافة إلى خسائر مادية قُدّرت بنحو 27 مليون دولار. وتشير تقارير إلى أن القصر الرئاسي حوصر خلال المعارك، ما دفع المالكي إلى الاستعانة بالطيران.

رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر يتحدث إلى أنصاره في النجف، العراق، الخميس 1 مايو/أيار 2025 Anmar Khalil/ AP

وفيما أكد المالكي أن العملية هدفت إلى بسط سلطة الدولة، رأى مراقبون أنها شكّلت أيضًا وسيلة لتعزيز نفوذه السياسي وترسيخ صورته كقائد قوي.

وخلال هذه المرحلة، دعم المالكي تشكيل جماعات مسلحة جديدة، من بينها عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي، ووفّر لها، بحسب منتقديه، غطاءً سياسيًا وأمنيًا. كما فوّض الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات ضد تنظيم داعش والفصائل المرتبطة بتنظيم القاعدة.

الولاية الثانية وتقدم تنظيم داعش

بعد انتهاء ولايته الأولى، شهد البرلمان انقسامًا حادًا بين الكتل الشيعية والسنية والكردية، دون حصول أي طرف على أغلبية واضحة.

ومع ذلك، تمكّن المالكي، بصفته زعيم تحالف دولة القانون، من العودة إلى السلطة عبر تحالفات سياسية مع قوى شيعية أخرى، بينها أنداده من التيار الصدري والمجلس الأعلى الإسلامي.

المالكي يعرض صورًا قال إنها لزعيم القاعدة في العراق أبو عمر البغدادي، عقب إعلان مقتل اثنين من كبار قادة التنظيم في 18 أبريل/نيسان 2010. Hadi Mizban/AP

غير أن تصاعد الأزمات الأمنية، وسقوط مدن عراقية بيد تنظيم داعش عام 2014، أدّيا إلى تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، ما دفع المالكي في نهاية المطاف إلى الاستقالة من منصبه في العام نفسه.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب روسيا إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب روسيا إيران غرينلاند نوري المالكي مقتدی الصدر الحرس الثوري الإيراني الولايات المتحدة الأمريكية العراق صدام حسين إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب روسيا إسرائيل سوريا وسائل التواصل الاجتماعي الصحة قطاع غزة حروب إعدام صدام حسین نوری المالکی تنظیم داعش

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • العبود: المبادرة الامريكية للسلام كسرت الجمود السياسي
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • إجمالي إيرادات فيلم إذما في آخر ليلة عرض
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • العودات يطلق برنامج التمكين السياسي لدى الشباب في الأحزاب السياسية “سيادة القانون وقيم المواطنة الفاعلة”
  • الجمعة.. ليلة روحانية على مسرح الجمهورية
  • مدرب النمسا يشيد بلاعبي “الخضر” قبل صدام المونديال
  • الترهوني: الإدارة الأمريكية تراهن على الفريق صدام حفتر لدفع الحلّ في ليبيا
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟