الاستيطان كعقيدة دينية: كيف تُحوِّل الرواية التوراتية الضفة الغربية إلى مشروع تفكيك وإحلال؟
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
ما يجري في الضفة الغربية اليوم، ولا سيما في محافظاتها الشمالية، ليس حدثا عابرا في سجل الصراع، ولا تفصيلا هامشيا في يوميات الاحتلال، بل هو تجلٍّ مكثف لمشروع إحلالي متكامل، يجري تنفيذه بعقيدة صلبة، وبغطاء ديني مُسيَّس، يهدف إلى إعادة صياغة الجغرافيا، وإعادة تعريف الإنسان، وإعادة كتابة التاريخ بالقوة والتأويل معا.
ومن هنا، لا يمكن فهم سياسات الاحتلال بوصفها إجراءات أمنية، لأن الأمن ليس سوى الذريعة، بينما العقيدة هي المحرّك الحقيقي. فالاحتلال الإسرائيلي يوظّف الرواية التوراتية والتلمودية بوصفها إطارا تأسيسيا للفعل الاستيطاني، وأداة لإعادة تعريف الأرض خارج سياقها التاريخي والإنساني والقانوني. فالأرض، وفق هذا الخطاب، لا تُعرَّف بمن سكنها وزرعها ودافع عنها، بل بمن ادّعى امتلاكها عبر تأويل ديني انتقائي حُوِّل من نص إلى سلاح. ويستند هذا التأويل إلى نصوص توراتية صريحة، من بينها ما يرد في سفر التكوين: "لنسلك أُعطي هذه الأرض" (التكوين 12:7)، وهو نص جرى تقديمه في الفكر الصهيوني بوصفه وعدا مطلقا يتجاوز الزمن والتاريخ والسكان.
وعليه، يصبح تفكيك الجغرافيا الفلسطينية المدخل الأكثر فاعلية لتفكيك الوجود الفلسطيني ذاته. فعزل المدن والبلدات عبر الأحزمة الاستيطانية، وربط المستوطنات ببعضها البعض، لا يعني فقط السيطرة على المكان، بل تمزيق الامتداد الجغرافي وتحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، بلا تواصل، وبلا سيادة، وبلا أفق. وفي هذا السياق، يلتقي التخطيط الاستعماري مع النص الديني المُسيَّس، حيث تقوم الرؤية التوراتية كما تعتمدها التيارات الصهيونية الدينية على فكرة "التمكين في الأرض" بوصفه واجبا مقدسا، وهو ما ينعكس بوضوح في سفر العدد: "فتملكون الأرض وتسكنونها، لأني لكم أعطيت الأرض لتملكوها" (العدد 33:53).
كما تستند هذه الرؤية إلى منطق إقصاء الآخر، كما يرد في سفر التثنية: "لا تُبقِ منهم نسمة" (التثنية 20:16)، وهو نص شكّل في القراءة الصهيونية الدينية غطاء فكريا لتبرير الطرد، والهدم، ومنع الوجود الفلسطيني باعتباره نقيضا للعهد الإلهي. وحين تُفصل هذه النصوص عن سياقها التاريخي والأخلاقي، وتُعاد قراءتها كبرنامج سياسي، تتحول إلى أساس أيديولوجي للاستيطان والإحلال.
ومن النص إلى الواقع، تتجسد هذه العقيدة بوضوح فاضح في الأغوار الوسطى والشمالية، حيث يُعاد تعريف المنطقة باعتبارها "الحدود الشرقية الطبيعية" والمجال الحيوي للدولة العبرية المستقبلية. وهناك، تُنفَّذ سياسات تفريغ سكاني ممنهجة تنسجم مع ما يرد في سفر التثنية: "تطردهم قليلا قليلا من أمامك" (التثنية 7:22)، وهو نص يُستدعى في أدبيات الاستيطان لتبرير التهجير التدريجي لا الطرد الفوري. ويتكرر المشهد ذاته في مسافر يطا ومسافر بني نعيم، حيث يُعاد إنتاج خطاب يرى في الأرض "فراغا"، وفي الفلسطيني "وجودا زائدا عن الحاجة".
ويتقاطع هذا الخطاب الديني مع الفكر الصهيوني الحديث، كما عبّر عنه تيودور هرتسل بقوله: "إذا شئتم فليست أسطورة"، في تحويل مباشر للحلم التوراتي إلى مشروع سياسي، ثم جاء فلاديمير جابوتنسكي ليصوغ هذه العقيدة بوضوح أشد حين قال: "لا يمكن لأي شعب أصلي أن يقبل الاستيطان طوعا، ولذلك لا بد من جدار من القوة"، وهي الفكرة التي تحولت لاحقا إلى عقيدة أمنية-استيطانية مطبّقة على الأرض.
وفي موازاة ذلك، يؤدي المستوطنون المتدينون دور الذراع العقائدي الميداني لهذا المشروع. فهم لا يتحركون خارج منظومة الاحتلال، بل في قلبها، مدفوعين بخطاب يرى في العنف تنفيذا لوصية، ويتبادلون الأدوار مع جيش الاحتلال الذي يوفّر الغطاء والحماية. وبهذا التداخل، يتحول الاعتداء الاستيطاني إلى فعل "مقدّس" في وعي منفذيه، وتُمنح الجرائم حصانة سياسية وقضائية لأنها تُرتكب باسم نص مؤوَّل وفكر مؤسِّس.
وبذلك، فإن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد احتلالا عسكريا بالمعنى التقليدي، بل مشروع إحلال ديني-استيطاني شامل، يستهدف الأرض والإنسان والذاكرة في آن واحد، ويجمع بين النص التوراتي والتخطيط الصهيوني لإنتاج واقع استعماري مغلق.
وفي الخلاصة الأعمق، لا تدور المعركة حول جدار أو مستوطنة أو طريق التفافي فحسب، بل حول الرواية ذاتها: رواية دينية جرى توظيفها سياسيا، وفكر صهيوني صاغ هذا التوظيف في مشروع عملي، في مواجهة شعب يمتلك حق الأرض والتاريخ والوجود. إن تفكيك هذا الاستخدام الاستعماري للنص الديني، وكشف تداخله مع الأدبيات الصهيونية المؤسسة، لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وإعلامية، لأن الاحتلال حين يقدّم مشروعه بوصفه تنفيذا لإرادة إلهية مدعومة بفكر مؤسس، فإنه يسعى إلى تحصين جرائمه من المساءلة وتحويلها إلى قدر مفروض.
ومن هنا، فإن معركة الفلسطيني في الضفة الغربية ليست مع الجرافة والبندقية وحدهما، بل مع النص المختطَف، والرواية المُزوَّرة، والمعنى المُصادَر. إنها معركة على الوجود ذاته، في وجه مشروع يسعى إلى محو شعب كامل باسم الدين، وإعادة كتابة التاريخ حين تعجز القوة وحدها عن فرضه.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الضفة الاحتلال الفلسطينية احتلال فلسطين الضفة قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة مقالات سياسة صحافة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الضفة الغربیة التی ت فی سفر
إقرأ أيضاً:
الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
وجّه رئيس الوزراء محمد مصطفى، خلال جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية، اليوم الثلاثاء، مختلف جهات الاختصاص بتكثيف عمل لجان الرقابة في المؤسسات الرسمية والمحافظات لحماية المواطنين عبر ضبط الأسواق وضمان الالتزام بالمواصفات ومعايير الجودة.
وبحث مجلس الوزراء التقارير الخاصة بتصاعد جرائم إرهاب المستعمرين، إذ شهد الأسبوع الماضي ارتكابهم لـ76 اعتداءً إرهابيا، استهدفت 19 قرية فلسطينية، وأدت إلى إصابة 19 مواطنًا بمن فيهم 6 أطفال، بالتزامن مع توزيع سلطات الاحتلال أكثر من 35 إخطارًا بهدم منشآت لمواطنين في مختلف المحافظات، وسبقها عمليات هدم طالت 6 منشآت فلسطينية.
وطالب المجلس، المجتمع الدولي ودول العالم كافة بممارسة أقصى درجات الضغط على سلطات الاحتلال لوقف مخططاتها الرامية إلى بناء آلاف الوحدات الاستعمارية غير القانونية على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. وأكد المجلس أن هذه المستوطنات أُقيمت في ظروف غير قانونية وتفتقر إلى أي شرعية بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقرارات الدولية ذات الصلة.
وأدان مجلس الوزراء تصاعد الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة ، والتي تجاوزت ثلاثة آلاف اعتداء، مطالبا المجتمع الدولي والدول الضامنة بالتحرك العاجل لإلزام إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية بشكل منتظم وكافٍ لتلبية احتياجات السكان من السلع الأساسية والخدمات الضرورية.
إلى ذلك، ناقش المجلس نسخة منقحة من مشروع قانون حق الحصول على المعلومات؛ تمهيدا لتنسيبه للرئيس محمود عباس قريبا، وذلك بعد إجراء تعديلات إضافية في ضوء المشاورات المستمرة طوال الشهور الماضية مع مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية ذات العلاقة، بحضور رئيس هيئة مكافحة الفساد.
وبحث المجلس مخرجات الاجتماع الثالث لمجلس إدارة الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني، والخطوات التنفيذية لتفعيل برامجها وخططها وشراكاتها، ومنها: اعتماد الخطة السنوية وخطة المئة يوم، واعتماد مجالس المهارات القطاعية وتفعيلها، وإطلاق مجلس مهارات الطاقة المتجددة، ودعم التحول الرقمي والربط البيني بين الوزارات، وتعزيز الشراكات الوطنية والدولية وغيرها. وفي السياق، اعتمد المجلس إضافة عضوين من الكفاءات التقنية إلى مجلس إدارة الهيئة.
وضمن برنامج الحكومة للتطوير والإصلاح المؤسسي، ناقش المجلس عددا من التشريعات المقترحة التي تعكف على إعدادها لجنة خاصة بهدف تعزيز حوكمة قطاع النقل والمواصلات.
المصدر : وكالة سوا اشترك في القائمة البريدية ليصلك آخر الأخبار وكل ما هو جديد المزيد من آخر أخبار فلسطين الاحتلال يجدد الاعتقال الإداري لموظفين في أوقاف القدس بالفيديو: إصابة عدد من المواطنين بقصف مسيرة إسرائيلية غربي خان يونس حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية الأكثر قراءة رئيس الوزراء يحذر من تفاقم الأوضاع الإنسانية الكارثية في قطاع غزة تراجع سعر صرف الدولار مقابل الشيكل اليوم الثلاثاء شهيد برصاص الاحتلال في مخيم جنين قتيلان أحدهما مسعف بغارة إسرائيلية على مركز إسعاف جنوبي لبنان عاجلجميع الحقوق محفوظة لوكالة سوا الإخبارية @ 2026