هل يموت النظام الاقتصادي العالمي أم يتشكّل من جديد؟
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
لم تعد الأسواق تتحرك بمنطق الدورة الاقتصادية التقليدية، بل يحكمها متغير أكثر حساسية هو "الثقة"، ويظهر في تسعير السندات وتذبذب العملات والاندفاع نحو الملاذات الآمنة.
ولم يكن اختراق الذهب مستوى 5 آلاف دولار للأونصة في أواخر يناير/كانون الثاني الحالي قمة سعرية فقط، بل إشارة على اهتزاز الثقة في البنية المالية.
وربطت بلومبيرغ صعود الذهب بحرب الرسوم التي يقودها دونالد ترمب، والضغوط على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، والتوترات الجيوسياسية، ومخاوف الدين العام، مع استمرار مشتريات البنوك المركزية.
وهذا المسار يتزامن مع تسارع اتفاقيات تجارية مثل اتفاق الاتحاد الأوروبي والهند، وتصاعد القلق من سندات أمريكا واليابان، وتحول السياسة إلى عامل تسعير مباشر.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ينهار النظام الاقتصادي العالمي، أم يعيد السوق صياغة قواعد الثقة التي قام عليها في البداية؟
"الأصل الخالي من المخاطر"تاريخيًا أدت السندات السيادية الكبرى، خاصة سندات الخزانة الأمريكية، دور العمود الفقري للتمويل العالمي كضمانات وأداة تسعير وملاذ عند الاضطراب.
أما اليوم فيُعاد اختبار هذا الدور؛ إذ حذّر صندوق النقد الدولي من أن اتساع العجوزات وارتفاع حساسية العوائد للصدمات قد يضغطان على ميزانيات المؤسسات ويعيدان تنشيط قنوات العدوى المالية.
وحذر بنك التسويات الدولية من أن مناخا مضطربا – يجمع بين الأسعار المرتفعة والغموض السياسي – يحد من شهية المستثمرين للمخاطرة مما يدفعهم للمطالبة بعائد أكبر على حيازة السندات الطويلة، كما يزيد هشاشة التمويل.
وعندما ترتفع العوائد على السندات بسرعة، فإن ذلك يؤثر على ميزانيات البنوك. وقد أظهرت بيانات لمؤسسة تأمين الودائع الفيدرالية وجود خسائر غير محققة (دفترية) كبيرة لدى البنوك جراء هذا الارتفاع.
ويعني ذلك أن البنوك إذا اضطرت لبيع السندات التي بحوزتها فجأة لتوفير السيولة فإن الخسائر الدفترية ستتحول إلى خسائر حقيقية تلتهم رأسمالها وهو ما يعرف بصدمة المدة.
إعلانوهنا يظهر الذهب كملاذ آمن لأنه لا يحتاج إلى تحمل "مخاطر الطرف مقابل" لأن المعدن النفيس يحمل قيمة في ذاته ولا يعتمد على قدرة دولة أو شركة على السداد.
الرسالة ليست نهاية السندات، بل أن شرط الثقة أصبح مكلفا، وأن "الخلو من المخاطر" لم يعد افتراضا مجانيا كما كان.
الذهب.. ملاذ "بلا طرف مقابل"وتقدم بلومبيرغ تفسيرا تقنيا لا دعائيا لسبب بقاء الذهب ملاذا، فالسوق شديدة السيولة، إذ تُتداول مئات مليارات الدولارات يوميا عبر منصات متعددة، ما يسمح للمستثمرين الكبار بالدخول والخروج دون تحريك الأسعار بعنف.
وتضيف بلومبيرغ أن الذهب أصل "بلا طرف مقابل"، أي أنه لا يعتمد على ملاءة شركة أو دولة، بعكس معظم الأدوات المالية التي تستند في النهاية إلى وعد سيادي أو تعهد ائتماني.
كما تربط بلومبيرغ صعود الذهب بتاريخ علاقته السلبية بالدولار. وبما أن الذهب مسعّر بالدولار، فإن ضعف العملة الأمريكية يجعل الذهب أرخص لحائزي العملات الأخرى، وهذا يجعل الذهب جذابا في محافظ ممتلئة أصلا بالأسهم الأمريكية وأدوات الدخل الثابت المقومة بالدولار.
وتضع بلومبيرغ ذلك ضمن ما سُمّي "تجارة إضعاف العملة" (شراء أصول ملموسة للتحوط ضد تآكل القوة الشرائية للنقود الورقية)، حيث يشتري المستثمرون الذهب والفضة وغيرها تحوطا ضد تدهور العملات والسندات مع تفاقم أوضاع المالية العامة عالميا.
وهنا يظهر بُعد آخر لا يقل أهمية وهو ضغط ترمب على الاحتياطي الفيدرالي وخطاب تعيين رئيس جديد أكثر ميلا للتيسير، وهو ما يجعل الذهب -الذي لا يدر عائدا- أكثر جاذبية عندما يتوقع المستثمرون بيئة معدلات أقل أو أكثر "ليونة" نقديا، بحسب ما تشرح بلومبيرغ.
وحتى تسجيل الذهب قمما قياسية وتجاوزه الذروة المعدلة بالتضخم لعام 1980 -وفق بلومبيرغ- يُقرأ هنا على أنه إشارة إلى أن الطلب على المعدن الأصفر ليس ترفا، بل إعادة تسعير للثقة.
تحول استراتيجي في أصول البنوك المركزيةولا يمكن فهم الذهب دون "المشتري الرسمي"، فقد اشترت البنوك المركزية أكثر من ألف طن سنويا في السنوات الثلاث الأخيرة -أكثر من ضعفي متوسط العقد السابق- مع توقعات بزيادة احتياطيات الذهب وتراجع احتياطيات الدولار، بحسب ما نقلت رويترز عن مجلس الذهب العالمي.
وبحسب بلومبيرغ أيضا تسارعت المشتريات عقب الحرب الروسية الأوكرانية، بعدما أظهر تجميد الأصول قابلية تعرض احتياطيات العملات الأجنبية للعقوبات، وقد دفع هذا الأمر دولا – خصوصا الناشئة – لتقليل الاعتماد على الدولار.
وتذكر بلومبيرغ أن بنك الشعب الصيني واصل شراء الذهب في ديسمبر/كانون الأول و ذلك للشهر 14 تواليا، مشيرة إلى أن البنك المركزي البولندي وافق في يناير/كانون الثاني الحالي على شراء 150 طنا إضافية تحسبا لحالة عدم الاستقرار.
وتقول رويترز، نقلا عن بنك مورغان ستانلي، أن قرارات أمريكا بشأن العقوبات والرسوم والدين واستقلال المؤسسات ستكون "حاسمة" في اتجاه خفض الاعتماد على الدولار، مع الإشارة إلى أن قيمة الذهب لدى البنوك المركزية الأجنبية باتت تقارب أو تتجاوز قيمة حيازاتها من سندات الخزانة في بعض القياسات.
إعلانهذا لا يعني سقوط الدولار، بل يعني أن إدارة الاحتياطيات باتت تقوم على مبدأ "الاختيار"، حيث يرتفع وزن التحوط الرسمي كلما زاد ثقل السياسة في المخاطر.
هل هو زمن تفكك العولمة؟وعلى خط مواز، تتغير هندسة التجارة العالمية، فقد أفادت رويترز بأن الاتحاد الأوروبي والهند أتما اتفاقا يخفض الرسوم على معظم السلع ويغطي 96.6% من السلع المتبادلة بالقيمة، مع توقع وفورات كبيرة للشركات الأوروبية.
وتوضح رويترز أيضا أن الاتفاق أبقى "آلية تعديل الكربون" (نظام ضريبي أوروبي يفرض رسوما على الواردات الملوثة للبيئة) على الحدود كما هي رغم اعتراضات الهند، مع وعود بمناقشات تقنية ومساعدات أوروبية لدعم خفض الانبعاثات.
هذه التفاصيل ليست تقنية فقط؛ بل إنها تظهر كيف تدار التجارة كحزمة: رسوم، ومناخ، ومعايير، وأدوات نفوذ. وبالقراءة التحليلية، فإن تسارع الاتفاقيات لا يعكس "تفاؤلا تجاريا" بقدر ما يعكس سعيا لبناء بدائل وشبكات أمان في مواجهة عالم تتقلب فيه سياسات الرسوم سريعا.
وهنا يدخل عامل ترمب مباشرة، فخطاب الرسوم لا يضغط على التجارة وحدها، بل يضغط على الثقة في إطار القواعد الذي جعلت الدولار وسندات أمريكا محورا. هذا الضغط لا يحتاج إلى قرار واحد "صاعق"، بل يكفيه تراكم الاحتمالات حتى يتحول إلى علاوة مخاطر.
ومع كل اتفاق جديد، يبدو أن العولمة تتحول من "كفاءة" إلى "مرونة": من تعظيم الأرباح عبر سلسلة واحدة، إلى توزيع المخاطر عبر أكثر من محور.
اليابان والين وهشاشة التوازنفي يناير/كانون الثاني الحالي تحولت قصة الين إلى اختبار أعمق: هل تستطيع دولة مرتفعة الدين تطبيع سياستها دون اهتزاز السندات والعملة معًا؟
هنا نقلت "وول ستريت جورنال" بأن تدخلات دعم الين تبدو "مرجحة للغاية"، محذرة من أن عدم التحرك قد يقود إلى "انعكاس فوضوي" وارتفاع غير مرغوب في الدولار، وأن استدامة الأثر تتطلب تحولا في السياسات يعيد الثقة المالية.
الصحيفة أشارت إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أجرى "استطلاعات أسعار" قد تسبق تدخلا مباشرا، ما دفع الين للصعود إلى نحو 153.30 ين للدولار، في أدنى مستوى للدولار خلال شهرين ونصف تقريبًا.
وانعكس ذلك على الأصول اليابانية؛ إذ هبط مؤشر نيكي 1.8%، وتراجعت أسهم هوندا 4.4% ونيسان 4.2% وباناسونيك 4.7%، بينما انخفض عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 2.235% و20 عامًا إلى 3.165% مع ارتفاع الأسعار.
وأضافت الصحيفة أن تدخلا أمريكيا يبقى "ممكنا"، في وقت عبر فيه وزير الخزانة سكوت بيسنت عن قلقه من بيع السندات اليابانية وتداعياته على سندات الخزانة الأمريكية.
بهذا المعنى، لم تعد اليابان ملفا محليا، بل مرآة لصراع عالمي بين استقرار السندات والعملات في عصر الديون المرتفعة.
بالتوازي، حذّر بنك "ميتسوبيشي يو إف جي" من أن قوة الين قد تحدها مخاوف مالية يابانية قبل انتخابات 8 فبراير/شباط المقبل، ما يربط السياسة المحلية باستدامة أثر التدخل.
تسعير سياسي للعملات العالميةتسرب أثر الرسوم والسياسة مباشرة إلى العملات، وفق ما أوردته "وول ستريت جورنال"، إذ حذّر "كومرتس بنك" من ضغوط على الدولار الكندي بعد تهديد ترمب بفرض رسوم 100% إذا أبرمت كندا اتفاقا مع الصين، مع اقتراب مراجعة اتفاق أمريكا والمكسيك وكندا.
وفي بريطانيا، رأت مجموعة "إنفستك" لإدارة الأصول أن الجنيه والسندات مرشحان لتقلبات أعلى بسبب قلق سياسي حول رئيس الوزراء كير ستارمر، فيما دار عائد العشر سنوات قرب 4.496%.
بالمقابل، قالت مجموعة "آي إن جي" المصرفية إن هبوط الدولار بسبب تكهنات تدخل أمريكي ياباني قد لا يدوم، وقد يحد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي من التراجع إذا بدت النبرة حذرة تجاه خفض الفائدة.
إعلانواعتبر بنك "أو سي بي سي" أن تراجع الدولار سيظل محدودا بدعم من بيانات أمريكية متماسكة، لكن تحسن النشاط الاقتصادي العالمي دفع عملات دورية (عملات ترتفع قيمتها مع نمو الاقتصاد العالمي) للصعود وساهم في سحب المستثمرين سيولتهم بالدولار وضخها في أسواق أخرى.
أما الفرنك السويسري فقوته مرتبطة بطلب الملاذ الآمن وصعود الذهب، بينما يأتي ارتفاع اليورو بعد تراجع ترمب عن تهديدات الرسوم تجاه دول أوروبية وإعلان إطار اتفاق مستقبلي حول غرينلاند.
الذهب والفضة كمرآةتوضح بلومبيرغ أن الذهب يرتفع مع تراجع كلفة الفرصة البديلة، إذ يجعل انخفاض الفائدة أو توقع التيسير النقدي المعدن النفيس أكثر جاذبية، لكنها تشير أيضا إلى جذور ثقافية قوية في الهند والصين، وتذكر أن الأسر الهندية تمتلك نحو 25 ألف طن من الذهب – أكثر من خمسة أضعاف مخزون "فورت نوكس".
في تعليق أوردته "وول ستريت جورنال"، قالت المحللة دانييلا هاثورن من شركة "كابيتال دوت كوم" إن القمم التي بلغها الذهب والفضة ليست مجرد حركة سعرية عادية، بل تعكس "أزمة ثقة متعمقة" في الدولار و"في النظام النقدي الأوسع"، مشيرة إلى أن المستثمرين يتجهون إلى أصول يرونها "خارج نطاق التقدير السياسي"، أي أقل تأثرًا بقرارات الحكومات.
وفي السياق نفسه، تطرح شركة "غافيكال" للأبحاث تصورا نظريا لما تسميه "اتفاق مار-آ-لاغو"، وهو سيناريو يفترض خفضا منظما لقيمة الدولار مقابل عملات آسيوية.
وتستحضر الشركة هنا تجربتي "اتفاق بلازا" و"اتفاق اللوفر" في ثمانينيات القرن الماضي بشأن خفض ثم تثبيت سعر الدولار تواليا، لتوضح أن النقاش لم يعد يقتصر على تحركات يومية في سعر الصرف، بل يمتد إلى أفكار تتعلق بإعادة تصميم توازنات النظام النقدي العالمي نفسه.
المخاطر تُعيد رسم مسارات الأصولتضيف بلومبيرغ طبقة عملية تُظهر أن الطلب على الذهب لا يقتصر دائما على العقود الورقية، وتشرح أن امتلاك الذهب ليس مجانيا بسبب التخزين والأمن والتأمين، وأن شراء السبائك والعملات يتضمن علاوة فوق السعر الفوري ، وأن فروق الأسعار الجغرافية تفتح فرصا تستغلها المؤسسات.
وتذكر بلومبيرغ ما حدث في مطلع 2025، حيث دفعت المخاوف من أن يفرض ترمب رسوما على واردات الذهب عقود بورصة"كومكس" في نيويورك إلى الارتفاع فوق السعر الفوري في لندن، ما أشعل اندفاعا عالميا لنقل المعدن إلى أمريكا.
وتوضح الصورة الفنية لسوق الذهب أن هناك اختلافا في "مقاسات" السبائك بين المراكز المالية، وهو تفصيل يبدو بسيطا لكنه مهم جدا في أوقات الضغط.
ففي لندن، يكون الشكل القياسي للتداول والتخزين عبارة عن سبيكة كبيرة تزن 400 أونصة تقريبا، أما في بورصة كومكس في نيويورك، فالعقود تتطلب سبائك أصغر، عادة 100 أونصة أو كيلوغرام واحد.
وهو ما يعني أن الذهب الذي ينقل من لندن إلى مخازن كومكس لا يمكن استخدامه كما هو، بل يُرسل غالبا إلى مصافي في سويسرا ليُعاد صهره وتقسيمه إلى الأحجام المطلوبة. وعندما يندفع عدد كبير من المتعاملين لنقل الذهب في وقت قصير، تتحول هذه العملية إلى "عنق زجاجة" يبطئ حركة المعدن ويعكس حجم التوتر في السوق.
هذه ليست حكاية لوجستية فقط؛ بل تُظهر أن الخوف عندما يتعمق قد يدفع المستثمرين إلى تفضيل الحيازة الفعلية والموضع الجغرافي للمعدن، لا مجرد التعرض السعري.
أفول النظام العالمي أم إعادة تسعير بقائه؟تشير بلومبيرغ إلى أن ما قد يوقف صعود الذهب يشمل قوة الدولار، أو تهدئة كبيرة في رسوم ترمب، أو اتفاق سلام في الحرب الروسية الأوكرانية، أو تراجع توترات بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين، كما أن انخفاض مشتريات البنوك المركزية سيزيل محركا رئيسيا، وقد أوصى مسؤول في البنك المركزي الفلبيني في أكتوبر/تشرين الأول ببيع جزء من الذهب بعدما تجاوزت حصته المستهدف.
وفي هذا السياق التاريخي الذي يتم استحضاره عند قراءة المرحلة الحالية، تشير بلومبيرغ إلى أن بنوك الدول المتقدمة لم تعد تبيع الذهب بكميات كبيرة كما حدث في تسعينيات القرن الماضي، حين أدت المبيعات المتواصلة من البنوك المركزية إلى ضغط الأسعار وخفضها بأكثر من الربع خلال ذلك العقد.
وهو ما تطلب وقتذاك توقيع ما عُرف باسم "اتفاق البنوك المركزية للذهب" عام 1999، كتفاهم بين عدد من البنوك المركزية الكبرى على تنظيم وتحديد سقف مبيعات الذهب، حتى لا تقوم الدول بعمليات بيع جماعية ومفاجئة تُربك السوق.
إعلانولم يكن الهدف وقف البيع تماما، بل منع الصدمات المنسقة أو غير المنسقة التي قد تسقط الأسعار بشكل حاد وتزعزع استقرار سوق الذهب العالمية.
لكن القراءة المتشككة تسأل لماذا صار الذهب مرآة القلق؟، ولماذا يحتاج الين إشارات تدخل؟ ولماذا يرتبط الجنيه بأعصاب السياسة الداخلية، ويُحاصر الدولار بتكهنات تدخلات مشتركة وحروب رسوم بينما تتسارع اتفاقات تجارية لتوزيع المخاطر؟.
ومع ارتباط الين بعوائد السندات اليابانية وأسهم المصدّرين، وتزامن التدخل مع مخاوف عدوى إلى سندات الخزانة الأمريكية، وتحول الرسوم إلى تهديد مباشر لشركاء مثل كندا، وقفزات الفضة كتحوط إضافي، يصعب الاكتفاء بتفسير واحد.
قد لا يموت النظام فجأة، لكن المؤشرات تقول إنه يُعاد تعريفه: الثقة لم تعد غير مشروطة، والتمويل لم يعد محايدا سياسيا، والاحتياطيات لم تعد ترى الدولار خارج الجغرافيا السياسية، والتجارة لم تعد للكفاءة فقط بل لتأمين البدائل، فيما يبقى سؤال الكلفة مفتوحا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الاحتیاطی الفیدرالی الاقتصادی العالمی البنوک المرکزیة سندات الخزانة الذهب والفضة أن الذهب أکثر من إلى أن وهو ما لم تعد
إقرأ أيضاً:
الذهب بين الفائدة والتوترات الجيوسياسية.. توقعات جديدة لحركة الأسعار في مصر
في عالم تتحرك فيه الأسواق على وقع الأزمات الجيوسياسية والقرارات الاقتصادية الكبرى، يظل الذهب واحدا من أكثر الأصول حساسية تجاه المتغيرات الدولية، إذ يتأرجح بين كونه ملاذا آمنا للمستثمرين وبين تأثره المباشر بسياسات الفائدة وقوة الدولار الأمريكي.
ومع تصاعد الترقب لمآلات المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، عادت أسعار المعدن النفيس إلى دائرة الاهتمام، وسط تساؤلات بشأن قدرته على مواصلة الصعود خلال الفترة المقبلة.
وتخضع حركة أسعاره لعدة عوامل، أبرزها التغيرات الاقتصادية العالمية، وأسعار الفائدة، وتحركات الدولار، إلى جانب الأوضاع الجيوسياسية التي تؤثر بشكل مباشر على الطلب على المعدن الأصفر.
وتشير التقارير إلى أن أسعار الذهب في مصر شهدت تراجعات ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة رغم احتفاظها بمكاسب مقارنة بمستويات سابقة لكن هناك توقعات بتحركات بالأسعار في الربع الأخير من العام الحالي.
وفي هذا الصدد، كشف الدكتور وليد فاروق، الباحث في شؤون الذهب ومدير مرصد الذهب، أن أسعار الذهب سجلت ارتفاعات محدودة خلال تعاملات الثلاثاء في الأسواق المحلية والعالمية، مدعومة بتراجع الدولار الأمريكي عقب مؤشرات على تهدئة نسبية للتوترات الإقليمية، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين بشأن المفاوضات الأمريكية الإيرانية وتوقعات الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة حدا من مكاسب المعدن الأصفر.
وأضاف فاروق- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن سعر جرام الذهب عيار 21 ارتفع بنحو 20 جنيها مقارنة بختام تعاملات أمس، ليسجل نحو 6710 جنيهات، فيما صعدت الأوقية عالميا بنحو 48 دولارا لتصل إلى 4530 دولارا، وفقا لبيانات مجلس الذهب العالمي حتى الآن.
وأشار مدير مرصد الذهب، إلى أن السوق المحلية لا تزال تشهد تداول الذهب عند مستويات أعلى من قيمته العادلة المرتبطة بالسعر العالمي بنحو 105 جنيهات للجرام، في ظل استمرار حالة الترقب بشأن تحركات سعر صرف الدولار خلال الفترة المقبلة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على اتجاهات التسعير بالسوق المصرية.
وأشار مدير مرصد الذهب إلى أن تعاملات الإثنين شهدت تراجعا ملحوظا في الأسعار، حيث فقد جرام الذهب عيار 21 نحو 75 جنيها لينخفض من 6765 جنيها إلى 6690 جنيها، بينما هبطت الأوقية عالميا بنحو 58 دولارا من 4540 دولارا إلى 4482 دولارا، قبل أن تعاود الأسعار الارتفاع بشكل محدود خلال جلسات الثلاثاء.
وعلى المستوى العالمي، أوضح فاروق أن الذهب حافظ على مكاسبه المحدودة بعد موجة التراجع الأخيرة، مستفيدا من انخفاض الطلب على الدولار كملاذ آمن عقب الإعلان عن تهدئة جزئية بين إسرائيل وحزب الله، وهو ما ساهم في تخفيف المخاوف المرتبطة باتساع رقعة الصراع في المنطقة.
ولفت إلى أن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقة إسرائيل على تجميد عمليات عسكرية كانت تستهدف بيروت وضواحيها، إلى جانب وجود اتصالات غير مباشرة مع حزب الله أسفرت عن تعهدات متبادلة بعدم التصعيد، ساهم في تهدئة الأسواق نسبيا، إلا أن الضبابية المحيطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية ما زالت تمثل عاملا مؤثرا في حركة الذهب والدولار معا.
وأوضح أن إيران لوحت بإمكانية تعليق المحادثات مع الولايات المتحدة على خلفية التطورات العسكرية الأخيرة في لبنان، في الوقت الذي تواصل فيه واشنطن جهودها الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق يضمن تمديد وقف إطلاق النار وإعادة انسياب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما تتابعه الأسواق عن كثب نظرا لتأثيره المباشر على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم العالمية.
وأكد فاروق أن أي تحسن في تدفقات النفط والتجارة عبر مضيق هرمز من شأنه أن يخفف الضغوط التضخمية العالمية، ويمنح البنوك المركزية مساحة أكبر للتفكير في سياسات نقدية أقل تشددا خلال الفترات المقبلة، وهو ما قد ينعكس إيجابا على أداء الأسواق بشكل عام.
وفي المقابل، أشار إلى أن البيانات الاقتصادية الأمريكية الأخيرة جاءت قوية على نحو يفوق التوقعات، الأمر الذي يقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، فقد سجل مؤشر معهد إدارة التوريد للقطاع الصناعي (ISM) مستوى 54 نقطة خلال مايو مقابل 52.7 نقطة في أبريل، محققا أعلى قراءة منذ أربع سنوات، إلى جانب تحسن الطلبات الجديدة ونشاط البناء، بما يعكس استمرار متانة الاقتصاد الأمريكي.
وأضاف أن هذه المؤشرات تدعم توقعات استمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يمثل تحديا أمام الذهب باعتباره أصلا لا يدر عائدا، ويزيد من جاذبية الدولار الأمريكي وسندات الخزانة بالنسبة للمستثمرين.
وأشار إلى أن الأسواق تنتظر خلال الأيام المقبلة صدور بيانات فرص العمل الأمريكية وتقرير الوظائف غير الزراعية، الذي يعد من أبرز المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في تحديد توجهاته النقدية خلال المرحلة المقبلة.
ونقل فاروق عن محلل السلع في بنك UBS، جيوفاني ستونوفو، قوله إن المفاوضات الأمريكية الإيرانية أصبحت العامل الأكثر تأثيرا على حركة أسواق السلع في الأجل القصير، موضحا أن السلع الأساسية لا تزال تمثل وسيلة فعالة للتحوط من التضخم واضطرابات الطاقة.
وتابع: "مؤشر UBS CMCI Composite للسلع ارتفع بأكثر من 20% منذ بداية العام، مدعوما بالأداء القوي لقطاعي الطاقة والمعادن، بينما لا تزال الأساسيات الداعمة للذهب والنفط والمعادن الصناعية قائمة رغم تراجع حدة المخاطر الجيوسياسية نسبيا".
وأوضح أن ارتفاع مستويات الدين العالمي واستمرار العجوزات المالية الأمريكية يعززان الطلب الاستثماري على الذهب، في الوقت الذي تواصل فيه البنوك المركزية حول العالم تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.
كما أشار إلى استمرار توقعات نقص المعروض في عدد من المعادن الصناعية الرئيسية، مثل النحاس والألومنيوم، نتيجة التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة والصناعات الكهربائية، وهو ما يدعم النظرة الإيجابية طويلة الأجل لأسواق السلع.
وفيما يتعلق بالتوقعات المستقبلية، أوضح فاروق أن بنك UBS خفض توقعاته لسعر الذهب بنهاية عام 2026 من 5900 دولار إلى 5500 دولار للأوقية، نتيجة استمرار قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الاتجاه الصاعد طويل الأجل للمعدن النفيس لا يزال قائما.
واختتم مدير مرصد الذهب تصريحاته بالتأكيد على أن الذهب سيظل أحد أهم أدوات التحوط ضد المخاطر الاقتصادية والنقدية طويلة الأجل، في ظل استمرار الضغوط التضخمية العالمية وتنامي مستويات الدين الحكومي، مشيرا إلى أن التطورات الجيوسياسية والبيانات الاقتصادية الأمريكية ستبقى المحرك الرئيسي للأسعار على المدى القصير، بينما تظل العوامل الأساسية داعمة لاستمرار الاتجاه الصاعد للذهب على المديين المتوسط والطويل.
سعر الذهب اليوم
وصل سعر جرام الذهب عيار 18 إلى 5760 جنيها للجرام.
وسجل سعر جرام الذهب عيار 21 الأكثر شيوعا 6720 جنيها.
أما جرام الذهب عيار 24، فسجل 7680 جنيها للجرام.
وسجل سعر الجنيه الذهب 53760 جنيها.