تجربة تونسية تؤكد تملح الطبقات الجوفية جنوب المتوسط
تاريخ النشر: 28th, January 2026 GMT
كشفت دراسة علمية جديدة أن العوامل البشرية أصبحت السبب الرئيسي لظاهرة تملح طبقات المياه الجوفية الساحلية جنوب حوض المتوسط. وأوضح الباحثون أن هشاشة طبقات المياه الجوفية تتأثر حاليا بشكل رئيسي بالعوامل البشرية، ولا سيما الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، أكثر بكثير من تأثرها بالتغيرات المناخية المائية الموسمية.
الدراسة قام بها باحثون تونسيون من المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار وكلية العلوم بتونس، بمشاركة العالم المصري عصام حجي من جامعة جنوب كاليفورنيا، ركزت على نظام بحيرة غار الملح شمال تونس وطبقات المياه الجوفية الواقعة في محيطها.
وأظهرت نتائجها أن المناطق الأكثر عرضة للخطر تقع بالقرب من البحيرات والمناطق الحضرية، مع زيادة ملحوظة في الهشاشة خلال موسم الجفاف وأكدت على الحاجة الملحة إلى إدارة مستدامة لسحب المياه الجوفية للحد من التملح الذي قد يكون غير قابل للعكس.
تأتي هذه الدراسة في سياق الضغوط المتعددة التي تتعرض لها طبقات المياه الجوفية الساحلية جنوب المتوسط. هذه الطبقات تلعب دورا بالغ الأهمية في التخفيف من حدة التقلبات المناخية الكبيرة، لكنها أصبحت تحت تأثير متزايد لعوامل تغير المناخ والأنشطة البشرية، مما أدى إلى تسرب مياه البحر إليها وتسارع تدهورها.
خلافا للتفسير السائد منذ زمن طويل والذي يقول إن هذه الظاهرة تعود لعوامل طبيعية، أثبت مؤلفو الدراسة الجديدة فرضية تفيد بأن تسرب المياه البحرية إلى طبقات المياه الجوفية الساحلية يتأثر الآن في المقام الأول بالعوامل بشرية المنشأ، ولا سيما الضخ المفرط للمياه الجوفية.
شمل موقع الدراسة، الواقع في شمال شرق تونس، طبقة المياه الجوفية الساحلية في عوسجة وغار الملح، وسبخة سيدي علي المكي وبحيرة غار الملح، الواقعة في حوض نهر مجردة السفلي.
إعلانهذه المنطقة، تمثل وفق المؤلفين مختبرا طبيعيا هاما، إذ تجمع بين قيمة بيئية عالية (أنظمة البحيرات) وأهمية زراعية كبيرة مع توسع عمراني متزايد.
الدراسة اعتمدت على مؤشر "غالدت" المطور، وهو أداة كمية تسمح بتقييم قابلية الطبقات الجوفية الساحلية للتملّح تدمج عدة عوامل مثل منسوب المياه الجوفية بالنسبة لمستوى البحر، والمسافة عن الساحل والبحيرات المالحة. وقام الباحثون بدعم هذا التحليل بقياسات ميدانية شملت عشرات الآبار ونقاط المياه السطحية خلال موسمي الرطوبة والجفاف.
نتائج الدراسة أبرزت قابلية عالية لتأثر طبقات المياه الجوفية الساحلية، لا سيما في المناطق القريبة من ساحل البحر والبحيرة الشاطئية والمناطق الحضرية الكثيفة. هذه القابلية للتأثر تتعلق أساسا بتسرب ماء البحر وترتبط ارتباطا وثيقا بـالاستغلال المفرط لطبقات المياه الجوفية.
خرائط الملوحة التي أنجزها مؤلفو الدراسة بإجراء قياسات إجمالي المواد الصلبة الذائبة، أكدت ارتفاع تركيزات هذه المواد متجاوزة الحدود المسموح بها للري والاستهلاك البشري في العديد من المناطق. وتُعدّ المناطق الأكثر تضررا هي أطراف البحيرات الشاطئية والقطاعات الزراعية التي تُروى بآبار سطحية.
الباحثون لاحظوا أن تسرب مياه البحر الملحوظ للمياه الجوفية لا يمكن تفسيره بالظروف الطبيعية أو المناخية وحدها. فحتى خلال فترات الرطوبة النسبية، تظل طبقات المياه الجوفية عرضة للتأثر، مما يُبرز الدور المحوري للأنشطة البشرية المتمثلة خاصة في زيادة عمليات حفر الآبار والضخ المكثف للمياه خلال فصل الصيف.
من جهة أخرى، سلطت الدراسة الضوء على التفاعل الوثيق بين طبقات المياه الجوفية وأنظمة البحيرات الشاطئية. يقول المؤلفون إن البحيرات الشاطئية ليست مجرد مستقبلات سلبية بل هي منطقة تعديلية، حيث تقوم مثل الإسفنجة، بامتصاص مياه الأمطار عند حدوث الفيضانات، ومياه البحر خلال فترات الغمر أو المد، وبالتالي يمكن أن تكون بدورها مصادر محتملة لتملح المياه نتيجة الضخ المفرط للمياه خاصة في مواسم الجفاف.
وربطت نتائج الدراسة تملح الطبقات الجوفية أيضا بتدهور الشواطئ والأنظمة الساحلية. هذه الظاهرة الأخيرة أثبتت دراسات علمية سابقة أنها مرتبطة بدورها بالأنشطة البشرية مثل التوسع العمراني قرب السواحل وإقامة السدود على الأودية والأنهار مما يمنع وصول الرمال والطمي إلى البحر وتعافي الشواطئ ويساهم في هشاشتها وانجرافها.
يرى الباحثون أن هذه الظاهرة تفاقمت بسبب غياب الإدارة المستدامة للخزانات الجوفية الساحلية للمياه في جنوب البحر الأبيض المتوسط، والتنظيم الصارم لسحب المياه الجوفية خاصة خلال موسم الجفاف. وبدون خفض فعال للضغط البشري، تصبح عمليات تسرب مياه البحر مهددة بأن تصبح غير قابلة للعكس على المدى المتوسط
وأكد الفريق البحثي على أن إنقاذ منطقة عوسجة وغار الملح وبحيرتها يتطلب حلولا مستعجلة تقوم على الطبيعة، وأن هذه الحلول يجب أن تكون موجهة نحو إنقاذ المنظومة البيئية في هذه المناطق. ومن أهمها العمل على وقف غمر مياه البحر للمناطق الساحلية بحماية البحيرات والسباخ ووقف زحف المناطق العمرانية على السواحل ودعم الشواطئ بالرمال وتشجيرها لتثبيت الرمال على غرار ما وقع في ستينيات القرن الماضي. كما أن اعتماد الحلول التقليدية مثل بناء المواجل لتخزين مياه الأمطار يمكن أن يساهم في التخفيف من استنزاف المياه الجوفية وبالتالي في الحد من تملحها.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات میاه البحر
إقرأ أيضاً:
نقيب الزراعيين: استزراع المانجروف أحد أهم مشروعات الاقتصاد الأزرق في مصر
أكد الدكتور سيد خليفة، نقيب الزراعيين وخبير النباتات، أن مشروع استزراع أشجار المانجروف على سواحل البحر الأحمر يمثل أحد المشروعات البيئية والتنموية الواعدة التي تدعم جهود الدولة في مواجهة التغيرات المناخية، وتعزيز مفهوم الاقتصاد الأزرق، والحفاظ على التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية.
جاء ذلك خلال كلمته في ورشة العمل التي نظمتها جمعية بيئة بلا حدود بالتعاون مع جمعية كتاب البيئة والتنمية، لمناقشة مشروع تخزين الكربون من خلال استزراع المانجروف على سواحل البحر الأحمر، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجالات البيئة والزراعة والتغيرات المناخية.
وأوضح الدكتور سيد خليفة أن أشجار المانجروف تعد من أكثر النظم البيئية كفاءة في امتصاص وتخزين الكربون، حيث تسهم في الحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من خلال ما يُعرف بـ"الكربون الأزرق"، كما تعمل على حماية الشواطئ من التآكل والعواصف وارتفاع منسوب سطح البحر.
وأضاف أن المشروع يحقق العديد من الأهداف البيئية والاقتصادية، في مقدمتها دعم جهود الدولة لتحقيق التزاماتها المناخية، وزيادة المساحات الخضراء الساحلية، وحماية الموائل الطبيعية للكائنات البحرية، فضلًا عن تعزيز الثروة السمكية من خلال توفير بيئات آمنة لتكاثر العديد من الأنواع البحرية.
وأشار إلى أن النتائج المحققة حتى الآن تؤكد نجاح التجارب والمشروعات المنفذة في مناطق متعددة على ساحل البحر الأحمر، حيث أظهرت معدلات نمو جيدة للأشجار المزروعة وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المحلية، إلى جانب مساهمتها في تحسين جودة البيئة الساحلية وزيادة الوعي المجتمعي بأهمية الحفاظ على النظم البيئية البحرية.
وأكد نقيب الزراعيين أن التوسع في مشروعات المانجروف يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار البيئي والتنمية المستدامة، كما يسهم في خلق فرص عمل للمجتمعات المحلية ودعم أنشطة السياحة البيئية، مشددًا على أهمية تعزيز التعاون بين الجهات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتحقيق أقصى استفادة من هذه الموارد الطبيعية الفريدة.
واختتم الدكتور سيد خليفة كلمته بالتأكيد على أن نجاح مشروعات استزراع المانجروف يمثل نموذجًا عمليًا للجمع بين حماية البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية، بما يدعم رؤية مصر نحو مستقبل أكثر استدامة وقدرة على مواجهة التحديات المناخية.