كشفت دراسة علمية جديدة أن العوامل البشرية أصبحت السبب الرئيسي لظاهرة تملح طبقات المياه الجوفية الساحلية جنوب حوض المتوسط. وأوضح الباحثون أن هشاشة طبقات المياه الجوفية تتأثر حاليا بشكل رئيسي بالعوامل البشرية، ولا سيما الاستغلال المفرط للمياه الجوفية، أكثر بكثير من تأثرها بالتغيرات المناخية المائية الموسمية.

الدراسة قام بها باحثون تونسيون من المعهد الوطني لعلوم وتكنولوجيا البحار وكلية العلوم بتونس، بمشاركة العالم المصري عصام حجي من جامعة جنوب كاليفورنيا، ركزت على نظام بحيرة غار الملح شمال تونس وطبقات المياه الجوفية الواقعة في محيطها.

وأظهرت نتائجها أن المناطق الأكثر عرضة للخطر تقع بالقرب من البحيرات والمناطق الحضرية، مع زيادة ملحوظة في الهشاشة خلال موسم الجفاف وأكدت على الحاجة الملحة إلى إدارة مستدامة لسحب المياه الجوفية للحد من التملح الذي قد يكون غير قابل للعكس.

تأتي هذه الدراسة في سياق الضغوط المتعددة التي تتعرض لها طبقات المياه الجوفية الساحلية جنوب المتوسط. هذه الطبقات تلعب دورا بالغ الأهمية في التخفيف من حدة التقلبات المناخية الكبيرة، لكنها أصبحت تحت تأثير متزايد لعوامل تغير المناخ والأنشطة البشرية، مما أدى إلى تسرب مياه البحر إليها وتسارع تدهورها.

خلافا للتفسير السائد منذ زمن طويل والذي يقول إن هذه الظاهرة تعود لعوامل طبيعية، أثبت مؤلفو الدراسة الجديدة فرضية تفيد بأن تسرب المياه البحرية إلى طبقات المياه الجوفية الساحلية يتأثر الآن في المقام الأول بالعوامل بشرية المنشأ، ولا سيما الضخ المفرط للمياه الجوفية.

(الجزيرة)زراعة مكثفة وتوسع عمراني وطبقات جوفية تتملح

شمل موقع الدراسة، الواقع في شمال شرق تونس، طبقة المياه الجوفية الساحلية في عوسجة وغار الملح، وسبخة سيدي علي المكي وبحيرة غار الملح، الواقعة في حوض نهر مجردة السفلي.

إعلان

هذه المنطقة، تمثل وفق المؤلفين مختبرا طبيعيا هاما، إذ تجمع بين قيمة بيئية عالية (أنظمة البحيرات) وأهمية زراعية كبيرة مع توسع عمراني متزايد.

الدراسة اعتمدت على مؤشر "غالدت" المطور، وهو أداة كمية تسمح بتقييم قابلية الطبقات الجوفية الساحلية للتملّح تدمج عدة عوامل مثل منسوب المياه الجوفية بالنسبة لمستوى البحر، والمسافة عن الساحل والبحيرات المالحة. وقام الباحثون بدعم هذا التحليل بقياسات ميدانية شملت عشرات الآبار ونقاط المياه السطحية خلال موسمي الرطوبة والجفاف.

نتائج الدراسة أبرزت قابلية عالية لتأثر طبقات المياه الجوفية الساحلية، لا سيما في المناطق القريبة من ساحل البحر والبحيرة الشاطئية والمناطق الحضرية الكثيفة. هذه القابلية للتأثر تتعلق أساسا بتسرب ماء البحر وترتبط ارتباطا وثيقا بـالاستغلال المفرط لطبقات المياه الجوفية.

خرائط الملوحة التي أنجزها مؤلفو الدراسة بإجراء قياسات إجمالي المواد الصلبة الذائبة، أكدت ارتفاع تركيزات هذه المواد متجاوزة الحدود المسموح بها للري والاستهلاك البشري في العديد من المناطق. وتُعدّ المناطق الأكثر تضررا هي أطراف البحيرات الشاطئية والقطاعات الزراعية التي تُروى بآبار سطحية.

ربطت نتائج الدراسة تملح الطبقات الجوفية أيضا بتدهور الشواطئ والأنظمة الساحلية (الجزيرة)الضخ المفرط للمياه وتدهور الشواطئ من أهم الأسباب

الباحثون لاحظوا أن تسرب مياه البحر الملحوظ للمياه الجوفية لا يمكن تفسيره بالظروف الطبيعية أو المناخية وحدها. فحتى خلال فترات الرطوبة النسبية، تظل طبقات المياه الجوفية عرضة للتأثر، مما يُبرز الدور المحوري للأنشطة البشرية المتمثلة خاصة في زيادة عمليات حفر الآبار والضخ المكثف للمياه خلال فصل الصيف.

من جهة أخرى، سلطت الدراسة الضوء على التفاعل الوثيق بين طبقات المياه الجوفية وأنظمة البحيرات الشاطئية. يقول المؤلفون إن البحيرات الشاطئية ليست مجرد مستقبلات سلبية بل هي منطقة تعديلية، حيث تقوم مثل الإسفنجة، بامتصاص مياه الأمطار عند حدوث الفيضانات، ومياه البحر خلال فترات الغمر أو المد، وبالتالي يمكن أن تكون بدورها مصادر محتملة لتملح المياه نتيجة الضخ المفرط للمياه خاصة في مواسم الجفاف.

وربطت نتائج الدراسة تملح الطبقات الجوفية أيضا بتدهور الشواطئ والأنظمة الساحلية. هذه الظاهرة الأخيرة أثبتت دراسات علمية سابقة أنها مرتبطة بدورها بالأنشطة البشرية مثل التوسع العمراني قرب السواحل وإقامة السدود على الأودية والأنهار مما يمنع وصول الرمال والطمي إلى البحر وتعافي الشواطئ ويساهم في هشاشتها وانجرافها.

يرى الباحثون أن هذه الظاهرة تفاقمت بسبب غياب الإدارة المستدامة للخزانات الجوفية الساحلية للمياه في جنوب البحر الأبيض المتوسط، والتنظيم الصارم لسحب المياه الجوفية خاصة خلال موسم الجفاف. وبدون خفض فعال للضغط البشري، تصبح عمليات تسرب مياه البحر مهددة بأن تصبح غير قابلة للعكس على المدى المتوسط

وأكد الفريق البحثي على أن إنقاذ منطقة عوسجة وغار الملح وبحيرتها يتطلب حلولا مستعجلة تقوم على الطبيعة، وأن هذه الحلول يجب أن تكون موجهة نحو إنقاذ المنظومة البيئية في هذه المناطق. ومن أهمها العمل على وقف غمر مياه البحر للمناطق الساحلية بحماية البحيرات والسباخ ووقف زحف المناطق العمرانية على السواحل ودعم الشواطئ بالرمال وتشجيرها لتثبيت الرمال على غرار ما وقع في ستينيات القرن الماضي. كما أن اعتماد الحلول التقليدية مثل بناء المواجل لتخزين مياه الأمطار يمكن أن يساهم في التخفيف من استنزاف المياه الجوفية وبالتالي في الحد من تملحها.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات میاه البحر

إقرأ أيضاً:

من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟

توسع مصر نطاق البحث والاستكشاف عن النفط والغاز عبر خريطة تمتد من البحر المتوسط ودلتا النيل إلى شمال سيناء والصحراء الشرقية، في تحرك يستهدف تنويع مناطق العمل، وزيادة فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة، ورفع كفاءة استغلال البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة.

رئيس الهيئة العامة للبترول السابق لـ"24": تنوع مناطق الحفر ومرونة التعاقدات يعززان فرص جذب الاستثمارات

مدحت يوسف: الشركاء الأجانب لن يمولوا الحفر دون مؤشرات.. ونجاح خطة الـ101 بئر يُقاس بالاكتشافات والاحتياطيات لا بعدد الآبار

ووافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على 4 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن اتفاقيات للبحث عن البترول والغاز واستغلالهما، في خطوة تستهدف دعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.

ويشمل القرار مناطق شرق الإسكندرية البحرية، وشمال طنطا الأرضية، ومنطقة الفيروز في شمال سيناء، إلى جانب إعادة إسناد منطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.

أربع مناطق

تتضمن الاتفاقيات حداً أدنى من الاستثمارات يقترب من 53 مليون دولار، مع حفر ست آبار على الأقل، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية وإعادة معالجة بيانات سابقة في بعض مناطق الامتياز.

وتستحوذ منطقة شرق الإسكندرية البحرية على النصيب الأكبر من الالتزامات الاستثمارية، من خلال اتفاقية بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "كايرون إيجيبت دلتا ليمتد"، باستثمارات لا تقل عن 42.2 مليون دولار، وحفر ثلاث آبار استكشافية، فضلاً عن إعادة معالجة البيانات السيزمية المتاحة.

وفي شمال سيناء، تتضمن اتفاقية منطقة الفيروز استثمارات لا تقل عن 6.37 مليون دولار، لإجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات القديمة، إلى جانب حفر بئر استكشافية.

وتشمل التحركات أيضاً بدء أعمال جديدة للبحث عن الغاز والزيت الخام في منطقة شمال طنطا بدلتا النيل، ومواصلة البحث والتنمية والإنتاج في حقل عسران بالصحراء الشرقية، بما يجمع بين استكشاف مناطق جديدة وزيادة الاستفادة من الحقول القائمة.

تنوع مؤسسي

يقول المهندس مدحت يوسف، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن تنوع مناطق الاتفاقيات ليس توجهاً جديداً في حد ذاته، لكنه يعكس البناء المؤسسي الذي يتبعه قطاع البترول في توزيع مسؤوليات البحث والاستكشاف.

ويوضح يوسف لـ"24"، أن هذا النهج يبدأ منذ إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، والشركة القابضة لجنوب الوادي، بهدف تحقيق التخصص المكاني والنوعي في اتفاقيات البحث والاستكشاف، وتخفيف العبء عن الهيئة العامة للبترول التي كانت مسؤولة قبل إنشاء الشركتين عن غالبية تلك الأنشطة.

ويضيف أن هذا التقسيم يسمح بدراسة العروض من خلال لجان متنوعة وذات اختصاصات مختلفة، بما يسرع عملية البت والإسناد إلى الشركات القادرة على الاستثمار وتمويل عمليات البحث والاستكشاف، التي تحتاج إلى محافظ تمويلية ضخمة.

مصر تؤمّن مستقبل الغاز بعقود استراتيجية بعيداً عن "السوق الفورية"https://t.co/pySnFcBlU2 pic.twitter.com/CvgklpZuYb

— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026 خطة 101 بئر

وتستهدف مصر حفر 101 بئر استكشافية خلال 2026، ضمن برنامج أوسع يمتد حتى 2030 ويشمل مئات الآبار الجديدة، بهدف دعم الاحتياطيات وزيادة فرص إضافة إنتاج محلي جديد.

ويرى يوسف أن الخطة قابلة للتنفيذ، أو يمكن تنفيذ أجزاء كبيرة منها، لكن الحكم على وتيرتها يحتاج إلى معرفة توزيع الآبار بين الحفر البري والبحري، وليس فقط توزيعها الجغرافي.

ويقول: "الحفر الأرضي لا يتطلب فترات زمنية طويلة، ويمكن تنفيذ عدد من الآبار خلال مدد قصيرة ومحددة، أما الآبار البحرية، سواء في المياه الضحلة أو العميقة، فتحتاج إلى فترات أطول واستثمارات أكبر".

المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق
 

ويشير إلى أن تكلفة إيجار الحفارات البحرية ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالحفر الأرضي، ولذلك فإن قراءة الخطة تحتاج إلى تحديد عدد الآبار البحرية والبرية، لأن كل نوع يرتبط بجدول زمني وتكلفة ومخاطر تشغيلية مختلفة، مضيفاً أن أهمية الخطة لا تقاس بعدد الآبار المستهدف حفرها فقط، وإنما بنتائج الحفر وحجم الاحتياطيات المؤكدة ومعدلات الإنتاج التي يمكن أن تضيفها الاكتشافات الجديدة.

ويلفت إلى أن تحمل الشركاء الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية تمويل عمليات الحفر يمثل مؤشراً على وجود توقعات فنية واعدة، لأن المستثمر لا يوجه أموالاً إلى منطقة جديدة من دون دراسات جيولوجية وسيزمية تمنحه قدراً مقبولاً من الثقة في احتمالات النجاح.

البيانات السيزمية

ويقول الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن "إعادة معالجة البيانات الجيولوجية والسيزمية التي سبق جمعها عن مناطق البحث تساعد المختصين على تحديد الأولويات، وتسهل سرعة اتخاذ قرارات الحفر". وتشمل بعض الاتفاقيات الجديدة إعادة معالجة بيانات سيزمية متاحة، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية ثلاثية الأبعاد في مناطق البحث.

مرونة التعاقدات

ويقول يوسف إن "مرونة الاتفاقيات البترولية، بما يخدم مصالح الأطراف ويسهل التعامل مع المتغيرات، تساعد المستثمرين على تحقيق التوازن التعاقدي"، مضيفاً أن وضوح بنود الاتفاقيات وسهولة تفسيرها يسهمان في "تيسير عمل الشركات داخل مناطق البحث والاستكشاف".

مستحقات الشركاء

ويرى يوسف أن التزام قطاع البترول والدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، سواء المتعلقة بمصروفات البحث والاستكشاف والإنتاج أو بحصة الشريك الأجنبي، يعالج مشكلة استمرت لفترة طويلة في العلاقة بين الهيئة العامة للبترول والشركات الأجنبية.

ويوضح أن التزام مصر بسداد كامل المستحقات وفوائد التأخير، من دون اللجوء إلى القضاء، يمثل ضمانة لاستثمارات الشركاء الأجانب، ويدعم استمرارهم في تمويل أعمال البحث والاستكشاف.

مقالات مشابهة

  • من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟
  • ارتفاع كلفة التأمين على السفن في جنوب البحر الأحمر
  • خارج حسابات ميلان.. بن ناصر على أعتاب تجربة مختلفة!
  • جدة تستثمر الزخم الرياضي لـ”The Comeback” وتقدم لزوارها تجربة تجمع بين الرياضة والترفيه
  • تصريف 7 ملايين م³ من مياه سد وادي قنونا لدعم المزارعين وتعزيز منسوب المياه الجوفية
  • بعد تجربة مخيبة.. تشيلسي يعير غارناتشو إلى أستون فيلا
  • السعودية تؤكد استهداف الناقلة إنسيليا في البحر الأحمر
  • بلديات توقف الدراسة بسبب ارتفاع درجات الحرارة المتوقع
  • لمواجهة احتياجات المواطنين.. شركة المياه تفعّل «خدمة الصهاريج»
  • عُمان تؤكد ضرورة تجنب التصعيد في البحر الأحمر وتكثف جهودها لاستئناف المسار السياسي في اليمن