تدخل الساحة السياسية العراقية مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد المواجهة غير المسبوقة بين واشنطن وبغداد على خلفية ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي للعودة إلى رئاسة الحكومة، في مشهد يعكس عمق الصراع على النفوذ داخل العراق، ويعيد إلى الواجهة سؤال السيادة الوطنية وحدود التأثير الخارجي في مسار العملية السياسية بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام عام 2003.

 

فالعراق، الذي ظل طوال السنوات الماضية يسير على حبل مشدود بين واشنطن وطهران، يجد نفسه اليوم أمام اختبار سياسي جديد قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط على مستوى تشكيل الحكومة، بل على مستوى علاقاته الدولية واستقراره الاقتصادي والأمني.

في هذا السياق، أعلن نوري المالكي، الأربعاء، تمسكه بالترشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء، متحديًا التحذيرات الأميركية العلنية، ومؤكدًا أن قراره يستند إلى ما وصفه بالإرادة الوطنية والسياق الدستوري الذي يحكم اختيار رئيس الحكومة. 

وقال المالكي في بيان نشره عبر حسابه على منصة "إكس" إن التدخل الأميركي في الشأن العراقي يمثل "تدخلاً سافراً وانتهاكًا لسيادة العراق"، مشددًا على أن النظام الديمقراطي الذي تأسس بعد عام 2003 لا يسمح بفرض الإملاءات الخارجية على قرارات القوى السياسية العراقية. وأضاف أن لغة الحوار بين الدول يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التهديد والضغط السياسي، مؤكدًا استمراره في مساعيه السياسية "حتى النهاية وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي".

تصريحات المالكي جاءت ردًا مباشرًا على تحذير أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، أعلن فيه صراحة أن الولايات المتحدة لن تقدم أي دعم للعراق في حال إعادة تنصيب المالكي رئيسًا للوزراء. وكتب ترامب على منصته "تروث سوشيال" أن العراق قد يرتكب "خطأً فادحًا" إذا أعاد المالكي إلى السلطة، معتبرًا أن فترة حكمه السابقة كانت سببًا في انزلاق البلاد نحو الفقر والفوضى، ومؤكدًا أن تكرار تلك التجربة لن يكون مقبولًا من وجهة نظر واشنطن. 

وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك حين قال إن العراق، من دون المساعدة الأميركية، "لن تكون لديه أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو حتى الحرية".

التحذير الأميركي لم يكن مجرد موقف إعلامي عابر، بل جاء ضمن سياق أوسع من الضغوط السياسية التي تمارسها إدارة ترامب على القوى العراقية، في إطار حملة تستهدف تقليص نفوذ الجماعات والفصائل المرتبطة بإيران داخل مؤسسات الدولة العراقية. 

وفي هذا الإطار، كشفت صحيفة "الشرق الأوسط" أنها اطلعت على نص رسالة أميركية جرى عرضها على قادة "الإطار التنسيقي"، عبّرت فيها واشنطن عن اعتراضها على آليات اختيار رئيس الوزراء والمناصب القيادية الأخرى، في إشارة واضحة إلى ترشيح المالكي. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن الإدارة الأميركية أبلغت قياديًا بارزًا في الإطار التنسيقي رفضها استمرار ما وصفته بالهيمنة الإيرانية على عملية تشكيل الحكومة العراقية.

وبحسب الصحيفة نفسها، فإن هذه الرسالة الأميركية تسببت في إرباك واضح داخل تحالف "دولة القانون" الذي يقوده المالكي، حيث أقرّ أحد قياديي التحالف بأن طريق المالكي نحو ولاية ثالثة بات "بالغ الصعوبة" في ظل هذا الضغط الدولي المتصاعد. ويأتي ذلك في وقت أعلن فيه "الإطار التنسيقي"، السبت الماضي، رسميًا ترشيح المالكي لمنصب رئيس مجلس الوزراء، عقب اجتماع موسع لقادته عُقد في مكتب زعيم منظمة بدر هادي العامري، جرى خلاله بحث تطورات المشهد السياسي والاستحقاقات الدستورية المقبلة.

هذا التطور وضع القوى السياسية العراقية أمام معادلة معقدة، فبينما ترى أطراف داخل الإطار التنسيقي أن ترشيح المالكي يمثل حقًا دستوريًا نابعًا من نتائج الانتخابات والتوازنات البرلمانية، تحذر أطراف أخرى من أن تجاهل التحذيرات الأميركية قد يفتح الباب أمام تداعيات اقتصادية وسياسية خطيرة، خاصة في ظل التلويح بفرض عقوبات أو تقليص التعاون مع بغداد، بما في ذلك ملفات حساسة مثل عائدات النفط والدعم المالي.

وتشير تقارير لوكالة "رويترز" إلى أن الولايات المتحدة لوّحت، في إطار هذه الحملة، بفرض عقوبات محتملة على شخصيات سياسية عراقية بارزة، في حال مشاركة فصائل مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة، أو في حال المضي قدمًا في خيارات تعتبرها واشنطن تهديدًا لمصالحها في العراق والمنطقة. وتؤكد الوكالة أن هذه الضغوط تعكس إصرار إدارة ترامب على إعادة رسم حدود النفوذ داخل العراق، في ظل صراع إقليمي أوسع مع طهران.

في المقابل، يرى مراقبون أن إصرار المالكي على الترشح، رغم كل هذه التحذيرات، يعكس ثقته بالدعم الذي يحظى به داخل بعض الأوساط الشيعية، فضلًا عن رغبته في تقديم نفسه كمدافع عن السيادة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية. غير أن هذا الخيار، بحسب محللين، قد يزيد من حدة الانقسام الداخلي ويضع العراق في مواجهة مباشرة مع شريك دولي لا يزال يلعب دورًا محوريًا في ملفات الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار.

وبين شدّ الحبل الأميركي وتمسك قوى عراقية بمرشحها، يبقى المشهد مفتوحًا على سيناريوهات متعددة، تتراوح بين التوصل إلى تسوية سياسية تفضي إلى مرشح توافقي، أو المضي في مواجهة قد تعمّق عزلة العراق الدولية وتعيده إلى دائرة الصراعات الإقليمية والدولية، في وقت لا يزال فيه البلد يعاني من تحديات اقتصادية وأمنية جسيمة.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

كلمات دلالية: الإطار التنسیقی رئیس ا

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الخلوق والحريف منتظرينك..خالد الغندور يوجه رسالة إلى وليد صلاح الدين
  • رسالة أميركية إلى بغداد: مطالبون بوقف التهديدات المنطلقة من الأراضي العراقية
  • السلطات العراقية توقف صانع المحتوى أبو جنة للتحقيق بشأن مصادر الأموال والهدايا
  • تطور لافت في العراق.. كتائب الإمام علي تعلن إنهاء ارتباطها بالحشد الشعبي
  • رئيس جامعة العاصمة يهنئ أحمد عناني بتوليه رئاسة "الأهرام الكندية"
  • واشنطن تُثني على موقف الإطار بشأن حصر السلاح وفك ارتباط الحشد
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • ترامب يفرض تعديلات أكثر تشددا على مقترح الاتفاق مع إيران
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد
  • دبلوماسي هندي: زيارة رئيس ميانمار تمهد السبيل لوضع خارطة طريق جديدة للعلاقات