تظل العلاقات السودانية –السعودية جسرٍ صلب علي مر التاريخ بين ضفتي الأزمة والانتقال. فما شهدته بورتسودان بالأمس من تدشين لحزمة المشروعات الصحية الممولة من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تعبير سياسي ناضج عن شراكة تُدار بعقل الدولة وروح التضامن المنتج، وتُبنى على تاريخ طويل من الثقة المتبادلة بين البلدين .

إعادة تأهيل خمسين مستشفى في مختلف ولايات السودان، وتزويد عشرٍ منها في مرحلتها الثانية بمعدات حديثة ومحطات أوكسجين ومولدات كهرباء والدواء ، يضع المملكة في قلب معركة السودان الكبرى: معركة استعادة الدولة بعد الحرب. فالصحة هي أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، ومن دونها لا يمكن لأي مشروع وطني أن يستقيم.

بهذا المعنى يتحول الدعم السعودي إلى استثمار في الآمن والسلم الأهلي، وفي قدرة الدولة السودانية على الوقوف من جديد لتحقيق الانتقال المؤسسي راعيةً لمواطنيها.

حديث عضو مجلس السيادة د. سلمى عبد الجبار، برفقة وزير الصحة د. هيثم محمد ووالي البحر الأحمر الفريق ركن مصطفى محمد نور عن حزمة مشروعات تنموية وخدمية كبرى بتمويل سعودي من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، تؤكد أن هذا الدعم يتم “بلا شروط”، تكشف إدراكًا لطبيعة اللحظة السودانية، حيث تحتاج الدولة إلى شركاء لا إلى أوصياء.

فالمملكة في مقاربتها للسودان، لا تتعامل معه كساحة نفوذ، بل كركيزة استقرار في الإقليم، وهو ما يفسر استمرار تدخلاتها الإنسانية والتنموية حتى في ذروة الحرب، حين أرسلت أكثر من مئتي حاوية من الأجهزة الطبية والمولدات، ونظمت عشرات المخيمات العلاجية، في استثمار جاد في بقاء الدولة.

غير أن التحول الأهم في هذه العلاقة لم يعد محصورًا في الإغاثة أو الخدمات، بل انتقل إلى مستوى الهندسة السياسية. فقرار الرئيس عبد الفتاح البرهان بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية، استنادًا إلى ما تم الاتفاق عليه مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، يعبّر عن انتقال العلاقة من طور الدعم إلى طور الشراكة الاستراتيجية.

المجلس يمثل غرفة قيادة مشتركة لإدارة ملفات معقدة تبدأ بإنهاء الحرب والتعافي الوطني ولا تنتهي عند إعادة الإعمار وبناء الدولة.

زيارة البرهان إلى الرياض في ديسمبر 2025 جاءت في توقيت مهم ، حيث كان السودان يقف على حافة استنزاف طويل، فيما كانت المملكة تعيد تعريف دورها الإقليمي باعتبارها فاعلًا في إدارة الأزمات . في هذا اللقاء، لم يكن السودان ملفًا إنسانيًا فقط، بل عقدة أمنية واستراتيجية في معادلة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ومن هنا جاء التوافق على الارتقاء بالعلاقة إلى مستوى الشراكة الشاملة.

في هذا الإطار يكتسب استلام البرهان للمبادرة السعودية – الأميركية لوقف الحرب دلالة خاصة. فالمبادرة التي تبدأ بهدنة إنسانية، ثم وقف للأعمال العدائية، وصولًا إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار، لا يمكن أن تنجح بلا شريك إقليمي ضامن. السعودية بثقلها السياسي وصلاتها الدولية، تضع نفسها في موقع الضامن الموثوق لمسار السلام المرتقب في السودان .

والأهم أن مناقشة الرئيس البرهان لتفاصيل المبادرة داخل مؤسسات الدولة تعكس محاولة جادة لبناء إجماع وطني حول طريق السلام، بدل تركه رهينة للاجتهادات الفردية أو الضغوط الخارجية.

على المستوى الأخلاقي، تعمّق المشاهد الإنسانية هذا المسار السياسي. فزيارة أمير منطقة القصيم للطفلة السودانية العنود، الناجية الوحيدة من مأساة أفنت أسرتها، لم تكن مجرد لفتة عاطفية، بل رسالة سياسية ناعمة مفادها أن الإنسان السوداني حاضر في وعي القيادة السعودية كقيمة لا كرقم. هذا الرصيد الأخلاقي من القيادة هو ما يمنح الشراكة بين البلدين عمقها الشعبي، ويجعلها أكثر صلابة من أي اتفاقيات رسمية.

ويتقاطع هذا البعد الإنساني مع البعد الاقتصادي واللوجستي في ملف الطيران، حيث تعكس عودة الرحلات الإقليمية إلى مطار بورتسودان، وتدشين طيران السلام العُماني لخطه المنتظم، بداية استعادة السودان لموقعه على خريطة الربط الجوي. غير أن الرهان الشعبي والسياسي يظل معقودًا على عودة الناقل الوطني او التجاري السعودي إلى الأجواء السودانية، خاصة مع مواسم العمرة والحج، بما تحمله من معنى ديني واقتصادي وسيادي.

هكذا تتشكل ملامح شراكة سودانية – سعودية لا تختزل في المساعدات الإنسانية ولا في البيانات السياسية، بل تُبنى على تداخل المصالح: أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي ، ومن الخرطوم إلى الرياض، لا تمتد مسافة طيران فحسب، بل طريق ثقةٍ تراكمت عبر التاريخ، وتجددت في زمن المحنة، وتتهيأ اليوم لتتحول إلى عقد استراتيجي يتحدى الزمن، ويمنح السودان فرصة حقيقية للخروج من ليل الحرب إلى أفق الدولة والسلام.

هكذا بحسب وجه الحقيقة لا تبدو العلاقة بين الخرطوم والرياض مجرد صفحة في دفتر الدبلوماسية، بل عملية هندسة لما بعد الحرب، يُعاد فيها ربط الأمن بالإعمار، والسياسة بالإنسان، والسيادة بالاستقرار. وفي عالم يضيق باليقين، قد لا يكون هذا المسار ضمانًا للنجاة، لكنه بلا شك أصدق محاولة متاحة لإنقاذ دولةٍ واعدة تستحق أن تُعاد كتابتها من جديد.

إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 28 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

إنضم لقناة النيلين على واتساب

Promotion Content

أعشاب ونباتات           رجيم وأنظمة غذائية            لحوم وأسماك

2026/01/28 فيسبوك ‫X لينكدإن واتساب تيلقرام مشاركة عبر البريد طباعة مقالات ذات صلة إسحق أحمد فضل الله يكتب: هل ترك عمر الحاج موسى من بعد رحيله شيئًا لبلغاء بني “يعرب،!؟2026/01/28 إسحق أحمد فضل الله يكتب: (السودان)2026/01/28 إبراهيم شقلاوي يكتب: الطريق إلى الدولة2026/01/27 هذا المشهد سيبقى في ذاكرة تاريخ السودان لقرونٍ قادمة2026/01/27 البرلمان السوداني: شرعية الانتخاب أم ضرورة التعيين في زمن الحرب؟2026/01/27 د. عثمان أبوزيد يكتب: مهاتير محمد حيٌ يُرزق2026/01/27شاهد أيضاً إغلاق رأي ومقالات إسحق أحمد فضل الله يكتب: (عن المستقبل) 2026/01/27

الحقوق محفوظة النيلين 2026بنود الاستخدامسياسة الخصوصيةروابطة مهمة فيسبوك ‫X ماسنجر ماسنجر واتساب إغلاق البحث عن: فيسبوك إغلاق بحث عن

المصدر

المصدر: موقع النيلين

إقرأ أيضاً:

بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة

كل إنسان في الدنيا عنده خطوط حمراء لا يسمح لاحد بتجاوزها وعنده نوع معين من العلاقات يراه مقبولا ونوع اخر يراه مرفوضا تماما ولذلك ظهرت فكرة العلاقات المحظورة التي تختلف من شخص لاخر ومن بيت لاخر ومن مجتمع لاخر ايضا فما يراه البعض امرا عاديا قد يراه غيرهم خيانة او قلة احترام او تجاوزا لا يمكن السكوت عنه

العلاقات المحظورة ليست دائما مرتبطة بالحب او الخيانة كما يعتقد البعض لكنها اوسع من ذلك بكثير فهناك اشخاص يعتبرون التدخل الزائد في حياتهم نوعا من العلاقات المرفوضة وهناك من يرفض الصداقة القائمة على المصلحة فقط وهناك من يرفض ان تتحول العلاقة بين الناس الى استغلال او تحكم او ضغط نفسي مستمر

في بعض البيوت تعتبر الصراحة المطلقة شيئا مزعجا بينما يراها اخرون اساس اي علاقة ناجحة وهناك من يرفض فكرة السيطرة داخل العلاقة ويرى ان الحب الحقيقي يقوم على الحرية والثقة وليس على المراقبة والشك والخوف الدائم وهناك اشخاص لا يقبلون ان يدخل احد في خصوصياتهم مهما كانت درجة القرب بينهما لانهم يعتبرون الخصوصية حقا لا يجب المساس به

ومن اخطر العلاقات المحظورة تلك التي تجعل الانسان يفقد نفسه بالتدريج عندما يعيش شخص في علاقة تجبره كل يوم على التنازل عن كرامته او مبادئه او راحته النفسية فهنا تتحول العلاقة من مساحة امان الى عبء ثقيل حتى لو كان الطرف الاخر قريبا او محبوبا فالانسان يحتاج الى احترام وتقدير اكثر من حاجته الى الكلمات الجميلة

هناك ايضا من يرى ان العلاقات القائمة على الكذب محظورة مهما كانت الاسباب لان الثقة عندما تنكسر يصبح من الصعب اعادتها كما كانت والبعض يرفض العلاقات التي تقوم على المقارنة الدائمة او التقليل من الطرف الاخر لان ذلك يقتل المشاعر بالتدريج ويحول الحياة الى منافسة مرهقة بدلا من ان تكون دعما واحتواء

وفي زمن مواقع التواصل اصبحت العلاقات اكثر تعقيدا فهناك من يعتبر نشر تفاصيل الحياة الخاصة امرا عاديا بينما يراه اخرون تعديا على الخصوصية وهناك من يرى ان التواصل المستمر مع الغرباء بدون حدود نوع من العلاقات المرفوضة بينما يعتبره غيرهم حرية شخصية لا تستحق النقاش

الحقيقة ان العلاقات المحظورة ليست قائمة ثابتة يلتزم بها الجميع لكنها انعكاس لطبيعة كل انسان وتجاربه وقيمه وما عاشه في حياته ولذلك لا يمكن الحكم على مشاعر الناس بسهولة لان لكل شخص حدوده التي يشعر بعدها بالراحة او الاذى

وفي النهاية تبقى العلاقة السليمة هي التي تمنح الانسان شعورا بالامان والاحترام والراحة دون خوف او ضغط او استنزاف نفسي فاي علاقة تجعل الانسان يفقد نفسه او كرامته او سلامه الداخلي هي علاقة يجب التوقف امامها مهما كان اسمها او شكلها

طباعة شارك العلاقات المحظورة العلاقات الخيانة

مقالات مشابهة

  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • بلال قنديل يكتب: علاقات محظورة
  • الأمم المتحدة: أضرار جسيمة تلحق بسلاسل الإمداد الإنسانية بسبب حرب إيران
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • الكتائب يدعم مفاوضات واشنطن ويطالب بإنهاء حالة الحرب في لبنان
  • الغرفة 202 تشعل أحلام الأرجنتين.. هل يكتب ميسي الفصل الأخير من الأسطورة في مونديال 2026؟
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • اتحاد شباب المصريين يشيد بتنظيم السعودية لموسم الحج 2026
  • إبراهيم عبد الجواد يثير الجدل بشأن أهداف منتخب مصر.. تفاصيل