ثمن الطموح: حين تتصرّف الدول الصغيرة كإمبراطورية
تاريخ النشر: 29th, January 2026 GMT
قراءة في مشروع أبوظبي ومآلاته الإقليمية
في لحظات الفراغ الإقليمي وعدم اليقين الوجودي، يبرز وهم اللحظة التاريخية عند بعض القادة السياسيين الذين يتجاوزون حد الطموح المعلوم إلى الخيال الجامح. هكذا يمكن فهم السلوك السياسي لقيادة أبو ظبي خلال العقد الأخير؛ سلوكٌ تجاوز منطق حماية دولة صغيرة ناجحة اقتصاديًا، إلى محاولة إعادة تشكيل محيط إقليمي واسع، مستندًا إلى المال، وشبكات النفوذ، وتحالفات دولية ترى في الفوضى المُدارة أداة أقل كلفة من التدخل المباشر.
لا يبدو هذا المشروع بوصفه سلسلة تدخلات متفرقة، بل كخطة هرمية تستهدف دولًا مركزية، لكلٍ منها وظيفة محددة في إعادة رسم موازين القوة. في هذا السياق، يحتل السودان موقع النقطة الأولى. فإلى جانب هشاشته السياسية، يمثل مستودعًا بشريًا لتوفير المقاتلين، وساحلًا استراتيجيًا يواجه السعودية ويمتد شمالًا نحو مصر، بما يمنح السيطرة على البحر الأحمر عمقًا جغرافيًا وبشريًا في آن واحد. السودان هنا ليس هدفًا بحد ذاته، بل أداة في مشروع أوسع.
أما مصر، فتمثل عقدة الشرايين الإقليمية. ليست الهدف إسقاط الدولة أو تغيير نظامها، بل تحييدها: النفاذ إلى مفاصل الاقتصاد، التأثير في مراكز النفوذ غير السياسية، وإبقاؤها منشغلة بأزماتها الداخلية، بما يقلّص قدرتها على لعب دورها التاريخي كقوة توازن عربية.
هذا المسار يخدم، في الوقت ذاته، مصالح أمنية لحلفاء خارجيين، ويزيل عقبة ديمغرافية وعسكرية أمام أي مشروع توسعي طويل النفس.
وتبقى السعودية التحدي الأعمق والأكثر حساسية، لم يكن الهدف مواجهتها مباشرة، بل إضعاف دورها القيادي تدريجياً من الداخل أولاً عبر تفكيك الأعمدة التي قامت عليها الدولة السعودية الحديثة: تماسك العائلة الحاكمة، التحالف الديني، والارتباط القبلي، مع توفير الدعم الخارجي المدروس من دوائر يملك فيها بن زايد ورجاله نفوذاً، ولذا يستطيع ان يلعب دور المسرّع والمشجّع، مقدّمًا نموذج “الدولة بلا وسائط اجتماعية” بوصفه الطريق الوحيد إلى الحداثة، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر تفكيك الدولة نفسها.
ويكتمل هذا التصور بمحاولة تجاوز القيد الجغرافي المحدود للدولة الإماراتية عبر التمدد غير المباشر داخل المجال السعودي ذاته. فالرهان هنا لا يقوم على ضمّ الأراضي بالقوة، بل على تفكيك المجال الاجتماعي المحيط بالدولة المركزية، انطلاقًا من افتراض أن البنى القبلية—بعد إضعاف الدولة—تصبح قابلة للترغيب بالمال أو الترهيب بالقوة. إنه منطق توسّع يسعى إلى اختراق الولاءات وإعادة تشكيل النفوذ داخل الجزيرة العربية، بما يسمح لدولة صغيرة جغرافيًا بأن تمارس دورًا أكبر من حجمها، دون تحمّل كلفة الاحتلال أو إدارة المجتمعات مباشرة.
الركيزة الأخرى لهذا المشروع ليست البر ولكن البحر، فمن اليمن إلى القرن الإفريقي، ومن الجزر إلى الموانئ، يتكرر النمط ذاته: نفوذ أمني–اقتصادي يهدف إلى التحكم في الشرايين البحرية، خصوصًا البحر الأحمر، بما يتماشى بوضوح مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية في أمن الملاحة والطاقة والتجارة وإبعاد الصين. وهو هنا لا يسعى إلى حكم المجتمعات، بل إلى السيطرة على النقاط الحيوية و الاستراتيجية.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين مشروع عبد العزيز بن سعود ومشروع محمد بن زايد.
فالأول بنى حكمه من داخل المجتمع، متحالفًا مع الدين والبنى المحلية، ساعيًا إلى الاستقرار بعد التأسيس. أما الثاني فيصادم الموروث، ويتجاوز المجتمعات، ويعتمد على المال والضغط والقوة المجردة.
الأول كان مشروع دولة، والثاني مشروع نفوذ، والفرق بينهما هو الفرق بين الاستقرار المؤسس المتحكّم فيه والفوضى غير الخلّاقة.
هذا النهج يقود إلى مجموعة من التفاعلات التي ستنعكس سلباً على هذه الدولة الصغيرة الحديثة بما يهدد وجودها، وهو خطر لا يأتي من الداخل الإماراتي، حيث الضبط الاجتماعي والرفاه الاقتصادي، بل سيحيط بها من الخارج، فالدول الصغيرة تنجح في الاستمرار حين تكون وسيطًا ضروريًا للجميع، وليس حين تتحول إلى لاعب يراكم الخصومات والعداوات، ومع اتساع دوائر التدخل وارتفاع كلفة سلوكها العدواني، يبدأ ما يسميه علم السياسة “التحالف المضاد” بالتشكّل بصمت في البداية من قوى مختلفة، متناقضة أحيانًا، لكن تتفق مصالحها على تحجيم لاعب واحد تجاوز حجمه البنيوي.
لقد شهد التاريخ عدة نماذج مماثلة للطموح القاتل، فقد سبقت الإمارات دولٌ صغيرة وثرية مثل جنوة والبندقية وأثينا إلى محاولة تحويل التفوق التجاري والبحري إلى نفوذ سياسي مباشر، وانتهى الأمر بزوالها، لقد نجحت هذه المدن-الدول حين لعبت دور الوسيط وربطت بين القوى الكبرى، لكنها تعثّرت حين انتقلت من التجارة إلى السيطرة، ومن الوساطة إلى فرض الإرادة بالقوة، فأثينا فجّرت ضدها تحالفًا مضادًا أنهكها، أما البندقية فقد صنعت خصومات أكبر من قدرتها ومثلهما جنوة وجميعها تلاشت تدريجيًا كقوة مستقلة، وهناك نماذج عدة دوّنها التاريخ، كان القاسم المشترك بينها جميعاً صغر حجمها والطموح غير المشروع لقادتها، ويمكننا أن نقول هنا، أن الدول الصغيرة تزدهر حين تكون ضرورية للجميع، لكنها تدفع ثمنًا باهظًا حين تصبح مصدر قلق للجميع.
في النهاية، قد يشتري المال ولاءً مرحليّاً وقد تصنع الشبكات القدرة نفوذاً آنياً، لكن كليهما لا يمنحان شرعيةً، كما لا يصنعان استقرارًا أو يؤسّسا امبراطورية، والدولة التي تتصرف كإمبراطورية، دون عمق بشري أو عقد اجتماعي، غالبًا ما تكتشف—متأخرة—أن ما راكمته خارج حدودها صار أثقل من قدرتها على حمايته.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء السودان السعودية الإماراتية السعودية السودان الإمارات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
سُلطان بن خلفان اليحيائي
في سورة يوسف عليه السلام درسٌ يتجاوز حدود الزمان والمكان؛ إذ إن يوسف لم يبدأ رحلته مع الأذى من عدوٍ غريب، بل من إخوته الذين جمعته بهم رابطة الدم والبيت الواحد.
ولم يكن الجُبّ أعمق ما في القصة، بل اليد التي أوصلته إليه. ولم يكن الألم في البعد وحده، بل في الخذلان الذي جاء من حيث كان يُنتظر السند.
وتبقى القصة حيّة في الوجدان الإنساني؛ تذكّرنا أن الخذلان أشد إيلامًا حين يأتي من القريب، وأن أثر الصمت قد يوازي وقع الفعل نفسه.
وهكذا تُظهر التجارب أن العداوة لا تُفاجئ أحدًا بوضوحها، أما الخذلان فغالبًا ما يتسلّل من أبواب القربى، وعندما نقرأ القصة اليوم، يصعب تجاهل ما تعكسه من صورٍ تتكرّر في الواقع؛ عندما يتقدّم الصمت على النصرة، ويعلو التردّد على الموقف، رغم ما يُرفع من شعارات الأُخوّة والمصير المشترك.
فماذا تبقى من الأُخوّة عندما يحين وقت الموقف؟ وماذا يبقى من المصير المشترك عندما تُترك دولة تواجه التهديد وحدها؟
ليست التهديدات على درجة واحدة، فهناك تهديد يُوجَّه إلى دولة حديثة التكوين فيُقرأ في سياقه السياسي المباشر، وهناك تهديد يمس دولة ضاربة الجذور في التاريخ فيحمل دلالة أوسع.
وعُمان ليست دولة طارئة على الجغرافيا حتى تُقرأ بهذه الخفة، إنها اسمٌ عرفته طرق التجارة القديمة، وحضارةٌ تركت أثرها على سواحل البحار والمحيطات، ودولةٌ حافظت على سيادتها وهويتها عبر قرون من التحولات وتبدّل موازين القوى.
لذلك فإن أي مساس بسيادتها لا يُنظر إليه بوصفه خلافًا ثانويًا؛ بل باعتباره مساسًا بدولة اختارت عبر تاريخها أن تُمسك بقرارها الوطني باستقلال.
أما عن التهديد وما بعد التهديد، فقد يختلف الناس في تفسير التصريحات السياسية أو في تقدير حدودها، لكن ما لا خلاف عليه أن سيادة الدول ليست موضوعًا قابلًا للتأويل أو التجاهل، والأخطر من التهديد نفسه ليس صدوره، بل طريقة تلقّيه والتعامل معه وكأنه لا يستحق الوقوف عنده.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت عُمان دولة عضوًا في مجلس التعاون الخليجي فأين هو الموقف الجماعي؟ وإذا كانت عضوًا في جامعة الدول العربية، فأين هو الموقف العربي؟
هذه ليست دعوة إلى التصعيد، ولا مطالبة بخطابات انفعالية، بل دعوة إلى الحد الأدنى من الاتساق مع المبادئ التي تأسست عليها تلك الأطر.
المفارقة أن سلطنة عُمان لم تُعرف يومًا بسياسة العدوان أو التدخل في شؤون الآخرين، فقد اختارت الحوار في الملفات المعقدة، ورأت أن كلفة الحوار أقل من كلفة الصدام، وتجنّبت الانخراط في صراعات إقليمية من موقع قراءة سياسية خاصة بها، وقناعة بأن الاستقرار لا يُبنى على التوتر.
وقد يختلف البعض مع هذه المقاربات أو يتفق معها، لكن الاختلاف السياسي لا يبرّر الصمت حين تُمسّ سيادة دولة.
فهل أصبح استقلال القرار السياسي محلّ اتهام؟ وهل صار خيار التهدئة سببًا للتشكيك؟ وهل يُطلب من الدول أن تتطابق في سياساتها حتى تستحق التضامن؟
وإن كان الأمر كذلك، فالمشكلة ليست في عُمان.
والحديث هنا لا يقتصر على عُمان، بل يتجاوزها إلى معنى التضامن ذاته، فكثير من المؤسسات ترفع شعارات عن وحدة المصير والأمن المشترك والتعاون بين الأشقاء، لكن قيمة هذه الشعارات لا تظهر في لحظات الاستقرار، بل عند اختبارها الحقيقي.
وهنا يبرز السؤال المباشر: ما قيمة التضامن إذا غاب عند الحاجة إليه؟ وما قيمة البيانات والاجتماعات إذا تُركت السيادة وحدها عند الاختبار؟
لم تطلب عُمان يومًا أن يُدار قرارها من الخارج، ولم تُبنِ سياستها على انتظار الإملاءات، ومن حقها أن تُقدّم مصالحها الوطنية، وأن تُوسّع شراكاتها مع من يحترم سيادتها ويعاملها بنديّة واضحة؛ فالدول لا تُدار بالمجاملات، ولا تُبنى على الشعارات، ولا تُحفظ قراراتها في أجواء الصمت عند الحاجة. والاحترام المتبادل بين الدول لا يُقاس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الاختبار، خصوصًا داخل الأطر التي تعهّدت أصلًا بالتضامن وصون المصالح المشتركة.
وقد يغيب موقف أو يصمت طرف، لكن ذلك لا يغيّر حقيقة ثابتة، أن عُمان سبقت كثيرًا من التحالفات وستبقى بعدها، وأن قوة الدول لا تُقاس بعدد المصفّقين، بل بقدرتها على الثبات على مبادئها حين تتبدل المواقف.
لقد اختارت عُمان عبر تاريخها أن تكون دولة قرار لا دولة إملاء، ودولة كرامة لا دولة تبعية. وقد تدفع الدول ثمن استقلالها أحيانًا، لكنها تكسب قدرتها على حماية مستقبلها حين تتمسك بسيادتها؛ لأن ما يُبنى على الاحترام يدوم، وما يُبنى على التبعية يتآكل عند أول اختبار.
وفي النهاية، تبقى الأُخوّة موقفًا قبل أن تكون شعارًا، والتضامن فعلًا قبل أن يكون بيانًا، والسيادة حقًا لا يقبل التجزئة ولا التأويل.
أما عُمان، فستبقى كما كانت؛ دولة تعرف قدر نفسها، وتحفظ حقها، وتمضي في طريقها بثبات، مستندة إلى تاريخها، ومؤمنة بأن احترام السيادة ليس منّة، بل حقٌ أصيل تكفله القوانين والأعراف، وتفرضه كرامة الدول قبل كل شيء.
رابط مختصر