في كل مرة تشترك فيها في نشرة بريدية، أو تنشئ حسابا على منصات التواصل الاجتماعي، أو حتى تطلب وجبة طعام عبر الإنترنت، فإنك تشارك في اقتصاد كبير يتغذى على المعلومات الشخصية، وهذه المعلومات، التي تتراوح ما بين الاهتمامات وعادات التسوق والعلاقات الاجتماعية والموقع الجغرافي، تحولت إلى سلعة قابلة للتداول ومحرك لصناعات التسويق والبحث.
ولذلك أصبحت حماية الخصوصية ركيزة جوهرية لا غنى عنها في العصر الحالي، وخاصة مع تسارع التطور التقني وتشابك الاتصالات الرقمية ليشكل واقعا جديدا يفرض تحديات أمنية معقدة.
وفي ظل هذا الاعتماد على الإنترنت، برزت تهديدات متطورة تستهدف سرقة الهوية الرقمية أو التجسس على الأنشطة، بما في ذلك المخاطر الناشئة عن تقنيات الذكاء الاصطناعي، ووسط كل هذا يبرز السؤال: كيف تحمي خصوصيتك على الإنترنت؟
الخصوصية حق إنساني في عصر البياناتغالبا ما يخلط الكثيرون بين مفاهيم الخصوصية والأمان وإخفاء الهوية، حيث يركز الأمان على موثوقية التطبيقات والبروتوكولات، مثل بروتوكول "نقل النص التشعبي الآمن" (HTTPS)، التي تحمي البيانات من الاعتراض أثناء انتقالها.
في المقابل يهدف إخفاء الهوية إلى ممارسة الأنشطة دون هوية مرتبطة، كما هو الحال في شبكة "تور" (Tor) التي تعيد توجيه الاتصال عبر خوادم متعددة لتغطية عنوان "بروتوكول الإنترنت" (IP)، أما الخصوصية فتتعلق بضمان بقاء البيانات مرئية لأصحابها فقط، وهو ما يوفره التشفير من طرف إلى طرف في تطبيقات المراسلة، وتكون الرسائل مرئية للمرسل والمستقبل فقط.
وفي جوهرها، تعني الخصوصية القدرة على التحكم في المعلومات التي تشكل جزءا من هويتنا في المجتمع الحديث، وهي حق إنساني أصيل يشبه حرية التعبير.
إعلانوعندما تتسوق عبر الإنترنت، أو تقرأ الأخبار، أو تبحث عن شيء ما، أو تصوت، أو تبحث عن الاتجاهات، فأنت تعتمد على البيانات.
وفي ظل زيادة شهية المواقع والتطبيقات والمنصات والشركات لجمع هذه البيانات بما يتجاوز توقعات المستخدمين، أصبح فقدان السيطرة عليها تهديدا مباشرا للحريات الشخصية.
ودفع هذا الأمر الدول إلى إقرار قوانين صارمة لتنظيم جمع البيانات وحمايتها، مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) في الاتحاد الأوروبي، وقانون خصوصية المستهلك في كاليفورنيا (CCPA)، إلى جانب القوانين الوطنية في دول عديدة، والقوانين المتعلقة بالذكاء الاصطناعي لضمان الشفافية في عمليات جمع البيانات.
اقتصاد التتبع يحول تفاصيل حياتك اليومية إلى سلعة عالميةيرتبط التتبع أساسا بالتسويق، حيث تجمع المواقع والتطبيقات والمنصات والشركات البيانات لتخصيص الإعلانات، مما يقلل إهدار الوقت على جمهور غير مهتم ويزيد من الاستهداف الدقيق.
ويستند اقتصاد التتبع إلى رصد كل تفاصيل الحياة لتحويلها إلى قيمة تجارية، حيث يتجاوز الأمر مجرد الاسم والعنوان ليشمل رصد المواقع التي تزورها ومدة بقائك فيها، وعمليات الشراء، وأرقام بطاقات الائتمان، وأسماء المستخدمين، وكلمات المرور.
كما يشمل التتبع عبر منصات التواصل الاجتماعي الرسائل المرسلة والمستلمة والأصدقاء والمتابعين والمنشورات والتعليقات.
ويصل الرصد إلى أدق التفاصيل، مثل أوقات الاستيقاظ، ودرجات الحرارة المفضلة في المنزل، والحالة الصحية، والأدوية، ومستوى الدخل، والعادات الغذائية، وأماكن السفر، والإنفاق، وأنواع الموسيقى والأفلام المفضلة ومدة الاستماع والمشاهدة، وأنواع التمارين الرياضية المتبعة، والوزن والطول.
استراتيجية استعادة السيادة الرقميةتواجه الخصوصية تهديدات متزايدة، بما في ذلك التتبع عبر ملفات تعريف الارتباط، وفقدان السيطرة على البيانات عبر المنصات، وعدم الشفافية في سياسات الخصوصية.
ومن أجل الخروج من هذا الحصار الرقمي واستعادة السيادة الرقمية على بياناتك، يجب البدء باستراتيجية منظمة تبدأ بإعداد قائمة بالأجهزة المتصلة بالإنترنت وأنواع البيانات المخزنة والخدمات المستخدمة وقيمتها، وتشغيل المصادقة الثنائية وضبط إعدادات الخصوصية، مع تعيين كلمات مرور للأجهزة، وإعداد الحسابات المشتركة مع الآخرين.
وينصح بضرورة التخلص من التطبيقات غير الضرورية، وحذف الحسابات القديمة، والاحتفاظ بنسخة احتياطية مشفرة، مع تحديث التطبيقات والبرامج بانتظام، وضبط إعدادات الأمان في المتصفح، واستخدام مدير كلمات مرور لإنشاء كلمات مرور معقدة يصعب اختراقها وتخزينها بأمان.
وتتكامل هذه الإجراءات مع استخدام "الشبكة الخاصة الافتراضية" (VPN) لإخفاء عنوان "بروتوكول الإنترنت" وتشفير التصفح وحماية الهوية، وحذف ملفات تعريف الارتباط والذاكرة المؤقتة للمتصفح، وإلغاء تثبيت إضافات المتصفح غير الضرورية.
وينصح بمنع وصول التطبيقات الخارجية إلى الحسابات والتطبيقات، واختيار خدمة بريد إلكتروني توفر ميزة تشفير البيانات، وتطبيقات تراسل مفتوحة المصدر تدعم ميزة التشفير، ومتصفح يركز على الخصوصية.
إعلانوينبغي الحرص على تحديث البرامج الثابتة للأجهزة، واستخدام خدمات مشاركة ملفات موثوقة، مع تجنب إرسال البيانات الحساسة عبر منصات المراسلة غير الآمنة.
ويلعب اختيار محرك البحث دورا حاسما في منع جمع البيانات وبيعها لأطراف خارجية من خلال حظر أدوات تتبع الإعلانات وملفات تعريف الارتباط.
وتساهم تقنية التشفير، المتوفرة في العديد من المنتجات، في حماية خصوصية الملفات وتخزينها بأمان من خلال عملية تحويل البيانات إلى رموز غير قابلة للقراءة إلا بمفتاح سري.
ويضمن بروتوكول "نقل النص التشعبي الآمن" (HTTPS) التصفح الآمن، إلى جانب منعه مزود خدمة الإنترنت ومقدمي الخدمات الآخرين من رؤية ما تفعله.
ويعزز استخدام إضافات المتصفح التي تكشف المواقع المتعقبة وتحظر المتابعة وتمنع شبكات الإعلانات وتراقب الجهات الخارجية المتعقبة لملفات تعريف الارتباط من الإجراءات الدفاعية عن الخصوصية.
في الختام، تعتمد حماية الخصوصية أولا على الوعي والسلوك والممارسات، يليها استخدام الأدوات التقنية المتطورة التي تساعد في تقليل المخاطر وضمان تجربة إبحار آمنة في عالم الإنترنت.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات تعریف الارتباط على الإنترنت
إقرأ أيضاً:
بين الهوية وصناعة الوجدان.. هكذا استخدمت ثورة يوليو الكتاب والمكتبات العامة كدروع لحماية عقل الإنسان المصري
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
«إن الثقافة حق للمواطن كالمعرفة والرغيف» لم تكن مقولة الدكتور ثروت عكاشة، أحد أهم رواد العمل الثقافي في مصر، مجرد مقولة عابرة؛ فقد كان أحد المشاركين في ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي أعادت صياغة المشهد السياسي والاقتصادي في مصر، وأعادت الاعتبار للثقافة والعلم والعلماء والفنانين، ولم تكن مجرد ثورة على النظام الملكي قام بها الجيش وانضم إليها الشعب، بل كانت في جوهرها ثورة اجتماعية شاملة، آمنت بأن تحرير المواطن لا يكتمل إلا بتحرير عقله وتشكيل وعيه.
ومن هنا، ولدت لأول مرة في تاريخ مصر الحديث فلسفة «العدالة الثقافية»؛ تلك الفلسفة التي نقلت الثقافة والفنون من صالونات القصور والأوساط الأرستقراطية المغلقة لتصبح كالمأكل والملبس والتعليم «حقًا مشاعًا لكل مواطن». وأتذكر تلك الأغنية التى كانت تقدمها الإذاعة المصرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى من أداء مجموعة الكورال، ويقول مطلعها: «قالت الثورة مفيش إقطاع.. أنا جيت أصلح الأوضاع».
من هنا، تحولت قصور الإقطاعيين وأصبحت ملاذًا للجميع؛ فكرًا وثقافة وفنًا ومسرحًا، وإعادة لتشكيل الوجدان الشعبي، فالتف حولها الشعب واستطاعت قصور الثقافة المساهمة في بناء العقل المصري الحديث، عبر هذا المشروع الطموح الذي قاده الوزير والفنان ثروت عكاشة في ذلك الوقت، لتحول مصر في ستينيات القرن العشرين إلى ورشة عمل ثقافية كبرى، تجسدت فيها العدالة الثقافية من خلال ركائز أساسية غيرت وجه الحياة في الريف والحضر.
شهادة ثروت عكاشة: ردود حاسمة من واقع المذكرات
لم تسلم ثورة 23 يوليو من توجيه بعض الانتقادات إليها، مما دفع الدكتور ثروت عكاشة للرد على منتقديها في كتابه الأشهر «مذكراتي في السياسة والثقافة» بما يملكه من وثائق تخص تلك الفترة الحرجة في تاريخ مصر الحديث، وهو الرد الذي فند فيه كل تلك الأقاويل باعتباره أحد المشاركين في الثورة والمؤسسين لها.
يقول عكاشة في مذكراته: «نحن الضباط الأحرار لم نتفق قط قبل 23 يوليو 1952 على أن نقوم بانقلاب أو بثورة نتولى بها السلطة، وغاية ما كان قد تم الاتفاق عليه بيننا أن نقوم بحركة عسكرية إصلاحية لإنهاض الجيش من عثرته، علمًا وقيادة وتسليحًا وتدريبًا، وتوفير مناخ مصري شعبي تُقتطف فيه من بعدُ ثمرةُ الاستقلال وثمرةُ العدالة الاجتماعية، وترميم ما يمكن ترميمه من شروخ عميقة أصابت هيكل السلطة، وبخاصة المسألة الديمقراطية وضمان حقوق الأغلبية الانتخابية، ومن ثم توزيع السلطة بالعدل والقسطاس على من هم جديرون مؤهلون حقًا للمشاركة بها في إطار الحكم الملكي نفسه».
ويتابع «عكاشة» فيما يخص التفاف الجماهير المصرية حول الشعب قائلًا: «إن الثورة تتحقق نتيجة لاتفاق ضمني بين رغبة الجماهير كقوة دافعة مساندة للتغيير، وبين قيادة ثورية قادرة على تحقيق هذا التغيير بإزاحة القوى المسيطرة على مصائر الجماهير وتحقيق الأهداف العامة التي تسعى إلى الأفضل، وإذا كان ثوار يوليو قد تحركوا تلاحمًا منهم مع أحوال الشعب المصري، الذي كان يطالب علنًا بالثورة على الأوضاع وعلى الاحتلال وعلى الملك وعلى سائر الحكام الذين أخفقوا في سياساتهم وتطبيقاتها لخدمة الجماهير، فقد ناب هؤلاء الثوار عن الشعب في ترجمة طموح الشعب إلى إحداث التغيير الجذري الشامل».
وهنا نجد أن ما قاله الدكتور ثروت عكاشة ما هو إلا انعكاس للحالة الشعبية في تلك الفترة وسرد للحقائق؛ فقد كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري تعاني الفقر والتهميش وعدم القدرة على دفع تكاليف التعليم، وكانت العدالة الثقافية وقتها غير مطروحة في الواقع الاجتماعي المصري، فكانت الثورة كما وصفها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر «ثورة شعب بأكمله»، لتبدأ فترة جديدة في حكم مصر ورسم السياسات الثقافية لبناء الوعي.
قصور الثقافة.. «منارات الوعي في عمق القرى والنجوع»كانت قمة تجليات العدالة الثقافية لثورة 23 يوليو هي تفكيك المركزية الثقافية في فترة الستينيات، من خلال إطلاق مشروع «الثقافة الجماهيرية»، لتنتشر قصور وبيوت الثقافة داخل قرى ومراكز ومحافظات مصر، من الإسكندرية إلى أسوان.
يقول ثروت عكاشة عن تلك النهضة الفكرية إن وزارة الثقافة قد عهدت إلى الربط في مشروعات الوزارة بين النظرة الإنسانية وبين النظرة القومية إلى الثقافة، والجمع بين التراث القديم والتطور الحديث، ورفع الحواجز بين طبقات المجتمع بتطوير الثقافة الإقليمية، وإتاحة الفرصة للتفاعل بين أفراد الشعب وبين الفن رفيع المستوى، وإتاحة الحرية للفنان. كما أعدت الوزارة في تلك الفترة خطة للعمل الثقافي ومنها إقامة المتحف المصري، ودار الأوبرا الحديثة، ودار الكتب الجديدة، ومطبعة حديثة، واستكمال بناء المسارح، ومدينة الفسطاط وغيرها من المشروعات التي أقيمت في إطار الخطة الخمسية.
فلم تكن هذه القصور مجرد مبانٍ حكومية، بل تحولت في الستينيات وما بعدها إلى مراكز تنويرية يومية؛ ففيها عرف الفلاح البسيط طريقه إلى المكتبات العامة والمطالعة مجانًا، وشاهد أبناء القرى لأول مرة عروضًا مسرحية وسينمائية حية في قراهم، كما لعبت هذه القصور دورًا حاسمًا في اكتشاف الموهوبين والمبدعين من قلب الريف المصري، وتدريبهم، وتقديمهم للحركة الفنية، مما جعل الثقافة أداة للترقي الاجتماعي.
النهضة المسرحية.. «مسرح لكل مواطن»عاشت مصر في الستينيات ما يُعرف بـ«العصر الذهبي للمسرح المصري»، وهي نهضة لم تشهدها المنطقة العربية من قبل، ولم تكن هذه النهضة فنية فحسب، بل كانت نهضة جماهيرية بامتياز تخدم العدالة الثقافية؛ حيث تأسست مسارح الدولة المتخصصة (المسرح القومي، والمسرح الحديث، ومسرح الحكيم، والمسرح الكوميدي)، ودعمت الدولة تذاكر المسرح لتصبح بأسعار رمزية للغاية، مما أتاح للعائلات والعمال والطلاب ارتياد المسارح بانتظام.
امتدت هذه النهضة لتشمل «المسرح المتجول» الذي كان ينتقل بفرق وممثلي العاصمة الكبار كجلال الشرقاوي وكرم مطاوع وغيرهما ليقدم العروض على مسارح قصور الثقافة في الأقاليم، ومصانع حلوان، والمواقع الإنتاجية، ليتلاحم الفن بالجمهور الحقيقي للثورة، وكان يتم إرسال الفنانين في بعثات خارجية، وحينما يعودون يذهبون بتجاربهم وعلمهم إلى القرى والمحافظات البعيدة عن العاصمة. ففي تلك الفترة لمعت نصوص كبار الكتاب مثل توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وسعد الدين وهبة، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، والتي كانت تناقش قضايا وهموم المواطن البسيط، مما جعل المسرح مرآة للمجتمع.
أكاديمية الفنون.. الموهبة والكفاءة هما المعياركانت دراسة الفنون الرفيعة قبل الثورة تعتمد على البعثات الخارجية أو المعاهد المحدودة والمبادرات الفردية، وفي عام 1959، أصدرت الدولة قرارًا تاريخيًا بإنشاء «أكاديمية الفنون»، لتمثل صرحًا تعليميًا أكاديميًا فريدًا في الشرق الأوسط.
وضمت الأكاديمية: المعهد العالي للسينما، المعهد العالي للموسيقى (الكونسرفتوار)، المعهد العالي للمسرح، ومعهد الباليه. وكان فتح أبواب هذه المعاهد بالمجان للموهوبين من كافة الطبقات الاجتماعية بمثابة ثورة في حد ذاته؛ إذ لم يعد احتراف الفنون الرفيعة كالباليه أو الموسيقى الكلاسيكية أو الإخراج السينمائي حكرًا على من يملك المال، بل أصبحت «الموهبة والكفاءة» هي المعيار الوحيد للقبول. كما كان طلاب الأكاديمية هم العماد الرئيسى لفناني وممثلي مسارح الدولة، إذ كان يتم تعيينهم في الفرق المسرحية التابعة للدولة فور تخرجهم من المعهد، بما ضمن لهؤلاء الخريجين فرص عمل واستقرارًا ماديًا أتاح لهم العمل على تطوير مهاراتهم وموهبتهم.
عيد العلم.. الدولة تُكرم عقولها وتبجل مبدعيهافي إطار ترسيخ قيمة الفكر والثقافة، وضعت ثورة يوليو المثقف والأديب والعالِم في مقدمة الصفوف، وتجسد هذا التقدير الرفيع في الاحتفال السنوي بـ«عيد العلم»، الذي كان يحضره الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه، ليكون بمثابة تظاهرة وطنية لتكريم كبار الأدباء، والمفكرين، والفنانين، والعلماء.
في هذه الاحتفالات، كرمت الدولة قامات عظيمة مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، والعقاد، ومنحتهم أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية. هذا الاحتفاء الرسمي لم يكن مجرد تكريم لأشخاص، بل كان رسالة للمجتمع بأسره بأن القيمة الحقيقية للوطن تكمن في عقول مبدعيه، وأن الثقافة هي ركيزة أساسية للأمن القومي وبناء الدولة الحديثة.
الثورة والتنوير.. حينما أصبحت المعرفة والفنون «حقًا للجميع»المكتبات العامة.. سلاح المعرفة لكسر الاحتكار
لم تترك الثورة مواطنًا دون كتاب؛ فلأول مرة وضعت الدولة خطة ممنهجة لنشر المكتبات العامة في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى والمراكز بالمحافظات، وكانت هذه المكتبات تفتح أبوابها بالمجان لطلاب المدارس والجامعات لتوفير مصادر المعرفة.
وتكاملت هذه المكتبات مع مشروعات النشر العملاقة التي أطلقتها الدولة، ومنها مشروع «الألف كتاب» والذي كان من بين المشروعات الثقافية الأولى في عهد الثورة، والذي كان يهدف إلى نشر عدد كبير من الكتب المؤسسة والتي تمثل المراحل المختلفة من القديم إلى الحديث في شتى أنواع المعرفة، كما أنشأت أربع سلاسل أخرى ومنها سلسلة «تراث الإنسانية»، وقد تضمنت أمهات الكتب العربية والأجنبية التي أثرت الفكر العالمي والفكر العربي، والمؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، والتي قامت بطباعة وترجمة أمهات الكتب الفكرية والعلمية والروايات العالمية، وبيعها بأسعار مدعومة وزهيدة جدًا، لتكسر الدولة بذلك احتكار المعرفة، وتجعل الكتاب متاحًا في يد العامل والطالب تمامًا كما هو في يد أستاذ الجامعة.
«عيد العلم» عندما كان عبدالناصر يتصدر المشهد لتكريم العقول وتبجيل المبدعين
وهكذا بقراءة المشهد الثقافي لثورة 23 يوليو نستطيع القول بأن «العدالة الثقافية» لم تكن مجرد شعار سياسي، بل كانت خطة عمل حقيقية وبنية تحتية صلبة تم تشييدها في فترة الستينيات، فمن قصور الثقافة بالقرى إلى خشبات المسارح المتجولة، ومن قاعات أكاديمية الفنون إلى منصات تكريم عيد العلم، أثبتت الثورة أن بناء المصانع والسدود لا يكتمل إلا ببناء الإنسان، وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تولد من وجدان الشعب وتعود إليه كحق أصيل.