اليوم العالمي للتعايش السلمي وحالة السودان

د. عبد الناصر علي الفكي

يصادف يوم 28 يناير من كل عام مناسبة دولية تحتفل بها منظمة الأمم المتحدة للتعايش السلمي. وينظر علم الاجتماع إلى هذا المفهوم باعتباره عمليةً من العمليات الأساسية في بناء المجتمع، وهو متغير متحرك وغير ثابت.

ويتطلب تحقيق التعايش الاجتماعي بناء مؤسسات تعالج الأسباب الهيكلية للصراعات والنزاعات، عبر تعزيز التفاعل والتواصل الإيجابي بين مكوّنات الجماعات، بما يؤدي إلى تبلور هوية ومصلحة مشتركة تحقق العدالة وتعضد قيم احترام التنوع، بغرض تدعيم مبادئ السلام والتعايش وقبول الآخر بين الشعوب.

وكما هو الحال في الأيام الدولية، فإنها تمثل مناسبات للإحاطة الفاعلة وتسليط الضوء عبر المؤتمرات والورش والفعاليات، وصولًا إلى نشر وترسيخ المفاهيم الأساسية بوصفها منصات للوعي والعيش المشترك والتساند التضامني، وإعلاء قيم الخصوصية الثقافية والتعددية التي تحفّز السلام الاجتماعي في المجتمعات والدول، بما يحقق الاستقرار الأمني والتنمية الشاملة، مستندةً إلى المعتقدات التقليدية والأعراف، وإرث الديانات السماوية.

وتستند فكرة التعايش السلمي إلى وثائق أممية أساسية، من بينها:

• ميثاق الأمم المتحدة: الذي يركز على المساواة في السيادة بين الدول وتسوية المنازعات بطرق سلمية.

• الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: الذي يؤكد كرامة الإنسان ومساواته، ويوفر الأساس لبناء مجتمعات عادلة.

• إعلان وبرنامج عمل بشأن ثقافة السلام: الذي يضع إطارًا للترويج للاعنف والحوار والفهم المتبادل.

يأتي هذا اليوم والسودان يشهد، للأسف، أسوأ أزمة إنسانية شاملة في آثارها المادية والثقافية والاجتماعية، نتاج الحرب العبثية المدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ 15 أبريل 2023م. وكلما استمرت هذه الحرب، أحدثت آثارًا عميقة ومهدِّدة لعملية السلام الاجتماعي بين المجموعات السودانية، حيث تُستغل الخصوصيات الثقافية كافة، من اللغة واللهجات اللسانية ذات المدلول الجهوي والإقليمي، والمرجعيات التراثية، وصولًا إلى اللباس التقليدي، كأهداف عسكرية تبرر القتل أو السجن أو الحرمان من الخدمات، بناءً على تصنيفٍ مسبق وتجريمٍ للفرد والجماعة، بما لا يترك مجالًا للعقل الموضوعي الحر لتحديد خياراته، وكأننا نعود إلى عصر القوالب الجاهزة التي تحكم على الأفراد والجماعات بالانتماء الإرثي البيولوجي المسبق.

ولهذا، يعيش السودان اليوم حالة تيه في مسار البناء، نحو صناعة مهددات للتعايش السلمي الاجتماعي، تُستخدم فيها مكتسبات التراث والفلكلور الشعبي للجماعات كسلاح ضد جماعات أخرى، في محاولة لنسف مفهوم المواطنة المتساوية، ونشر ثقافة العنف الإثني، وصناعة الكراهية والتعصب، وتعزيز الانتماءات الفرعية على حساب الهوية المشتركة، مستغلةً في ذلك منصات ووسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك، فإن الحفاظ على سودان ذي إطار مدني ديمقراطي للسلطة يتطلب عملًا جادًا من جميع القوى المدنية لتمكين عمليات التعايش السلمي الاجتماعي، في مواجهة مجموعات تعبئة المجتمع وعسكرة مؤسسات الدولة بقيم الاستنفار والفزع والتحشيد غير السوي، المهدِر للطاقات البشرية والمادية ولمستقبل السودان.

إن السودانيين في حاجة ماسّة إلى ترسيخ التعايش في عملية بناء الدولة، عبر الاعتراف المتبادل بالآخر، وبسط خطاب إيجابي يعزز المواطنة والحقوق والواجبات بين الجماعات، والتصدي رسميًا وشعبيًا للمساحات التي تتمدد فيها الصور الذهنية المغذية للاستعلاء والتهميش الثقافي والاجتماعي أثناء الحرب وما بعدها، من خلال نظم قانونية وتعليمية وإعلامية تحترم الاختلاف وتحافظ على الحقوق المشتركة، بما يجعل من التعايش الاجتماعي قيمة عليا في المجتمع والدولة.

كما يتطلب الأمر:

• تعزيز الحوار والتفاهم داخل المجتمع.

• احترام التنوع ومكافحة صناعة الكراهية والازدراء.

• المبادرة والمشاركة في الأنشطة التثقيفية التي تعزز ثقافة السلام والتعايش.

ويبقى التحدي الحقيقي متمثلًا في النضال من أجل توفير مناخ معافٍ لتنشئة جيلٍ مستقبلي قادر على تجاوز كل الحمولات المرهقة وتوابع التاريخ والثقافة والبني الاجتماعية.

* أستاذ علم الاجتماع بالجامعات السودانية.

الوسومالأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التنوع الثقافي الجيش الحرب السودان اليوم العالمي للتعايش السلمي ثقافة السلام د. عبد الناصر علي الفكي علم الاجتماع قوات الدعم السريع ميثاق الأمم المتحدة

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التنوع الثقافي الجيش الحرب السودان ثقافة السلام علم الاجتماع قوات الدعم السريع ميثاق الأمم المتحدة للتعایش السلمی

إقرأ أيضاً:

وزيرة الثقافة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية عبر العصور

 
أكدت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، أن الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر يمثل محطة استثنائية في الوجدان المصري، تتجلى فيها الهوية الوطنية بأسمى معانيها الإنسانية، مشيرة إلى أن مشاركتها تنطلق من إيمان راسخ بأهمية صون التراث الوطني والحفاظ على الهوية المصرية.

جاء ذلك خلال مشاركتها ، مساء أمس، في الاحتفال بعيد دخول السيد المسيح إلى أرض مصر، الذي نظمه دير السيدة العذراء مريم بجبل قسقام (المُحرق)، بمسرح الأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية، بحضور قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، وشهد الاحتفال عرض الفيلم الوثائقي «القدس الثانية»، وذلك بحضور المستشار بولس فهمي إسكندر، رئيس المحكمة الدستورية العليا، والدكتور سامح الحفني، وزير الطيران المدني، ومحافظي القاهرة والدقهلية وأسيوط وبني سويف، وعدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وسفراء عدد من الدول، وبعض الوزراء السابقين، والإعلاميين والصحفيين والفنانين والشخصيات العامة.




وأضافت أن أهداف هذا الحدث تتقاطع مع استراتيجية وزارة الثقافة الهادفة إلى حماية الذاكرة الوطنية، وترسيخ الهوية عبر الفنون والثقافة، وتحصين وعي الشباب ضد محاولات طمس الهوية أو تشويهها، إلى جانب إبراز عبقرية المكان المصري وتقديم تراثه الحضاري باعتباره رسالة سلام ومحبة وإرثًا إنسانيًا عالميًا تفخر به مصر. وأوضحت أن هذا الحدث تجاوز كونه مجرد واقعة تاريخية، ليصبح شاهدًا على الدور الحضاري والإنساني لمصر، التي فتحت أبوابها عبر العصور لتكون ملاذًا للأمان وموطنًا للتعايش والسلام.
وفي حديثها عن فيلم «القدس الثانية»، الذي عُرض خلال الاحتفال، أكدت وزيرة الثقافة أن العمل يوثق محطة فارقة من تاريخ الإنسانية على أرض مصر، مشيرة إلى أن دير السيدة العذراء بجبل المُحرق ليس مجرد موقع أثري أو ديني، بل يمثل حارسًا للذاكرة الحية لرحلة العائلة المقدسة.

 

 وأضافت أن الفيلم يُعد وثيقة بصرية تؤكد أن مصر لم تكن يومًا مجرد أرض تعبرها الأحداث، بل كانت دائمًا حاضنة للحضارة، وحافظة للرسالات، وصاحبة دور ممتد في صون ذاكرة الإنسانية.


وفي ختام كلمتها، وجهت الدكتورة جيهان زكي الشكر لقداسة البابا تواضروس الثاني وللكاتدرائية المرقسية على الدعوة الكريمة وحسن التنظيم، كما حيّت جميع القائمين على إنتاج الفيلم الوثائقي، الذي يوثق تاريخ دير المُحرق باعتباره أحد أهم صفحات التاريخ المصري، داعية الله أن يديم على مصر نعمة الأمن والاستقرار والترابط والمحبة.
وفي ختام الاحتفالية، كرّم قداسة البابا تواضروس الثاني الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، التي أعربت لقداسته عن فخرها واعتزازها بهذا التكريم.

 

مقالات مشابهة

  • «الوطني للتأهيل» يُطلق حملة توعوية بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التبغ
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • وزيرة الثقافة: مصر وطن التعايش وملاذ الإنسانية عبر العصور
  • خبير تنمية بشرية: الأسرة السوية أساس بناء مجتمع قوي ومتوازن
  • بمناسبة اليوم العالمي للبيئة.. بحث آفاق تخزين الكربون عبر المانجروف بالبحر الأحمر
  • تدشين ورشة خاصة بالقافلة الإرشادية للعلماء والمرشدين بريمة بذكرى يوم الولاية
  • أورنج الأردن تُنفذ مجموعة من المبادرات في اليوم العالمي للصحة والسلامة المهنية
  • سيدات لـ«عاجل» في اليوم العالمي للوالدين: الوالدان صُنّاع الأجيال وأعظم أسباب النجاح والاستقرار
  • في اليوم العالمي للتدخين.. مخاطر التبغ وآثاره السلبية على الصحة