غارات مسائية عنيفة تهز الجنوب ومجلس الوزراء يقر آلية إعادة الإعمار والاتفاقية القضائية مع سوريا
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
لم تمضِ ساعات على إعلان السفارة الأميركية في بيروت معاودة اجتماعات لجنة" الميكانيزم" ، ومن ثمّ إقرار مجلس الوزراء آلية إعادة الإعمار، حتى شنّ العدو الإسرائيلي سلسلة غارات عنيفة على الجنوب، استهدفت الأودية بين زفتا والنميرية، وعزة وكفروة، والمصيلح وتفاحتا والنجارية. وإحدى هذه الغارات استهدفت معرضاً وورشة لتصليح آليات وجرافات في الداودية، ما أدّى إلى إصابة شخصين بجروح طفيفة، علماً أن المعرض المُستهدف يعود لشقيق صاحب معرض الآليات والجرافات الذي استُهدف قبل فترة في المصيلح.
وكان شهيد قد سقط في استهداف مُسيّرة معادية لسيارة عند أطراف صدّيقين. أمّا في بيروت وضاحيتها الجنوبية، فسُجّل تحليق منخفض للطيران المُسيّر.
وربطت مصادر سياسية بين الإعتداءت الإسرائيلية أمس، وبين قرار مجلس الوزراء إقرار آلية إعادة الإعمار، مشيرة لـ»البناء» إلى أنّ استهداف آليات تستخدم لورش الإعمار، تحمل رسالة إسرائيلية للدولة اللبنانية بأنّ إعادة الإعمار ممنوع قبل خضوع لبنان للشروط الإسرائيلية، وكذلك رسالة للجنوبيّين بأنهم لن يعودوا إلى قرارهم لا سيما الحدودية منها لأنّ ذلك يعيق بل يسقط المشروع الإسرائيلي بإنشاء المنطقة الأمنية العازلة على الحدود. كما ربطت المصادر بين التصعيد الإسرائيلي العسكري أمس، وزيارة قائد الجيش إلى الولايات المتحدة لمناقشة سبل دعم الجيش ومسار تطبيق حصرية السلاح في جنوب النهر وشماله، وبالتالي تريد «إسرائيل» تشديد الضغوط العسكرية على لبنان عشية وصول القائد إلى واشنطن في محاولة للتأثير على جولة قائد الجيش ومباحثاته مع المسؤولين الأميركيين وعلى تقرير الجيش المرتقب باتجاه تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بشكل جدّي أولاً، وفصل تطبيق الخطة عن مطالبة لبنان بأيّ التزامات إسرائيلية مقابلة مثل الانسحاب ووقف العدوان واستعادة الأسرى. كما أنّ الغارات وفق المصادر غير منفصلة عن استعداد مجلس الوزراء لمناقشة تقرير الجيش عن مرحلة ما بين النهرين، ودفع المجلس تحت ضغط النار إلى اتخاذ قرارات تصعيدية ضد المقاومة من قبيل تكليف الجيش تنفيذ خطة حصر السلاح في مرحلته الثانية من دون أية ضمانات دولية والتزامات إسرائيلية مقابلة.
مجلس الوزراء
وأقرَّ مجلس الوزراء في جلسته التي عقدها أمس في القصر الجمهوري ، الاتفاقية بين لبنان وسوريا حول نقل الأشخاص المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية الموقوف، والموافقة على منهجية إعادة الإعمار.
كما أقرّ المجلس سلسلة تعيينات، منها تعيين رشا أبو غزالة نائبة لرئيس مجلس الجنوب، كما عيَّن مدير عام وأعضاء الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة، وانتدب العميد الركن عماد يوسف خريش لشغل مركز المدير العام للدفاع المدني، بناء على طلب وزارة الداخلية والبلديات.
وأشارت المعلومات إلى أن أحدا من الوزراء لم يعترض على الاتفاقية. وناقش المجلس مطولا هيكلية وآلية إعادة الإعمار وأقرّها بعد إدخال تعديلات أساسية عليها. واعترض وزراء "القوات اللبنانية" على تعيين 30 مراقبا صحيا في وزارة الصحة.
وقالت مصادر وزارية لـ«اللواء» ان مناقشات جلسة مجلس الوزراء تركزت على بنود جدول الأعمال، وكان تشديد مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على تجنب الخوض في مواضيع خلافية، فيما طغت أجواء الموازنة على الجلسة.
ونجح مجلس الوزراء وفق هذه المصادر على إقرار إتفاقية نقل الاشخاص المحكومين من بلد صدور الحكم الى بلد جنسية الموقوف بين لبنان وسوريا،ما يتيح بالتخفيف من أعداد الموقوفين في السجون اللبنانية، ويبلغ عددهم ٣٠٠ شخص وليس معلوما ما اذا كان سيعاد محاكمتهم مجددا ام لا، وهناك استثناءات لعدم تسليم مسجونين،ويُفهم من المصادر ان هذه الإتفاقية إنجاز للحكومة.
واعتبرت ان الموافقة على انشاء آلية لإعادة الأعمار من دون رصد مبالغ معينة لا يعني ان العملية لن تتم متابعتها، اذ ان هناك إجراءات مسح ومواصلة كل ما يتعلق بهذا الشأن ووضع أولويات، ولهذا كانت اشارة الى اعطاء الأولوية لمن لا يزالون في مراكز الإيواء.
وعُلم ان ما من مبالغ محددة طرحت،ولن تطرح إلا بعدالإنتهاء من المسح والتدقيق. وافيد ان هناك إتصالات ستتم من اجل انضاج العملية برمتها. مواضيع ذات صلة مجلس الوزراء يقرّ هيكلية وآلية إعادة الأعمار مع تعديلات مهمة عليها Lebanon 24 مجلس الوزراء يقرّ هيكلية وآلية إعادة الأعمار مع تعديلات مهمة عليها
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: آلیة إعادة الإعمار مجلس الوزراء یقر قائد الجیش
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]