جنوب لبنان يحترق.. هل يملك القانون الدولي أسناناً؟
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
الدخان الأسود كان يُغطي سماء الجنوب لأسابيع. الأرض التي كانت تُزهِر خضرة وخصباً تحولت إلى رُكام أسود. لا حديث هنا عن أهداف عسكرية، بل عن بساتين الزيتون والحقول الزراعية والغابات التي التهمتها النيران. السؤال الذي يُطرَح بإلحاح: أين القانون الدولي عندما تُحترق الأرض والشجر ويُباد نظام بيئي بأكمله؟
وفقاً لمصدر قضائي تواصل معه "لبنان24"، قال إن الدمار البيئي في الجنوب يفوق أي تصور.
المشهد المُروّع في الجنوب يُجسّد الفجوة الخطيرة بين النظري والعملي في القانون الدولي. بروتوكول جنيف الأول (المادة 55) يَنص بوضوح على أن "تدمير البيئة الطبيعية... محظور". اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر تُلزم الدول بحماية الأراضي. القرارات الأممية المتعددة تُجرم استخدام التدمير البيئي كأسلوب حرب. كل هذه النصوص تتحول إلى حبر على ورق عندما تُواجه بإرادة سياسية ترفض التنفيذ. ويبقى السؤال الجوهري ليس عن وجود القوانين، بل عن آليات إنفاذها. المحكمة الجنائية الدولية، على سبيل المثال، يمكنها النظر في تدمير البيئة كجريمة حرب، لكن العوائق السياسية وشروط الاختصاص القضائي تُحيل التحقيق إلى متاهة قد تمتد لسنوات. في غضون ذلك، تستمر الأرض في الاحتراق.
حالة جنوب لبنان تكشف عن ثغرة قاتلة: القانون موجود، لكن الإفلات من العقاب هو القاعدة السائدة. فالاستجابة الدولية للكارثة البيئية في الجنوب تكاد تكون غير موجودة. وفي الوقت الذي تُستنفر فيه الوسائل الدبلوماسية لأزمات أخرى، تمر قضية تدمير النظام البيئي ببرود لافت، وهذا الصمت يُرسل رسالة خطيرة مفادها أنّ تدمير البيئة هو "تكلفة مقبولة" في الصراعات، وهو أمر مُجاز طالما أن الضحايا هم أشجار وأرض وحيوانات، وليس فقط بشر. الدولة اللبنانية هنا، تجد نفسها في موقف بالغ التعقيد. فمن ناحية، هي مُلزمة بحماية سيادتها وبيئتها، ومن ناحية أخرى، قدراتها محدودة في مواجهة آلة حربية متفوقة، والجهد الدبلوماسي، رغم كثافته، يصطدم بحائط الصمت الدولي. السجلات القضائية مُتخمة بالتقارير، ولكن من سيُترجم هذه الوثائق إلى قرارات مُلزمة؟
حماية البيئة زمن الحروب.. ماذا يقول القانون الدولي؟
حماية البيئة في النزاعات المسلحة ليست بنداً ثانوياً في القانون الدولي الإنساني، بل تدخل ضمن قواعد القتال نفسها. البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف يفرض واجب حماية البيئة الطبيعية من الضرر "الواسع الانتشار وطويل الأمد والشديد"، ويحظر استخدام وسائل أو أساليب قتال يُتوقع أن تُحدث هذا النوع من الأذى، كما يمنع التعامل مع البيئة كهدف للانتقام. وفي القانون العرفي، تُطبق على البيئة قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات، بما يعني أن أي ضرر بيئي "عرضي" يجب ألا يكون مفرطاً مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة. وعلى مستوى المسؤولية الجنائية، ينص نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية على إمكان اعتبار الهجوم جريمة حرب إذا نُفّذ مع العلم بأنه سيسبب ضرراً بيئياً بهذه المواصفات وبشكل مفرط بوضوح. وإلى جانب ذلك، توجد اتفاقية دولية منفصلة تحظر استخدام تقنيات التعديل البيئي كوسيلة عدائية عندما تكون آثارها واسعة أو طويلة الأمد أو شديدة. وأخيراً، طوّرت لجنة القانون الدولي مبادئ مخصصة لحماية البيئة المرتبطة بالنزاعات تشمل أيضاً ما بعد الحرب، مثل التعامل مع المخلّفات والمواد الخطرة التي قد تُبقي الضرر البيئي قائماً.
الأرقام التي يجمعها الخبراء المحليون والدوليون ترسم خطورة هذه المرحلة تحديدا. الدمار لا يقتصر على المحاصيل الموسمية، بل يصل إلى تسمم التربة لفترات طويلة، وانقراض أنواع نباتية محلية، واختلال النظم البيئية التي تحتاج عقوداً لتعود. الحرب تنتهي، لكن أثرها البيئي يبقى جيلاً كاملاً، والقانون الدولي، بتركيزه على الخسائر البشرية والمادية المباشرة، يتعامل مع الكارثة البيئية كـ"ضرر جانبي" وليس كجريمة قائمة بذاتها.
في هذا السياق، يؤكد المصدر القضائي لـ"لبنان24" أنّ الأرقام المتداولة في تقارير دولية تمنح نقطة انطلاق واضحة لبناء ملف قانوني. التقديرات تشير إلى تضرر أو تدمير نحو 2193 هكتاراً، بينها 1917 هكتاراً من الغابات و275هكتاراً من الأراضي الزراعية، مع خسائر مباشرة في الزيتون والحمضيات والموز وأشجار مثمرة أخرى. وفي موازاة المساحات المحروقة، تتحدث التقديرات أيضاً عن تعطّل الانتفاع بأكثر من 12 هكتارا في الجنوب والنبطية بسبب الحرب، ما يعني خسارة إنتاج قبل أن تكون خسارة تربة.
ويشدد المصدر في هذا السياق على أن المشكلة ليست في غياب النصوص بل في غياب الملف. لكي يتحول حريق الأحراج والبساتين إلى قضية قابلة للمحاسبة، نحتاج 3 أعمدة: توثيق مكاني وزمني للهجمات والحرائق، إثبات الأثر البيئي والزراعي عبر خبرة علمية، وربط هذا الأثر بمعيار التناسب والاحتياطات. ومن دون هذه السلسلة، تبقى الشكوى سياسية مهما كانت قاسية."
ويقول:" أي مسار قضائي دولي يفرض أن تكون الدولة واضحة. إما تتجه إلى آلية قضائية وتلتزم بها وتتحمل تبعاتها، أو تبقى في دائرة المراسلات التي لا تُنتج قراراً ملزماً. الردع يبدأ من قرار داخلي قبل أن يبدأ من محكمة خارجية."في هذا السياق، يبرز دور الحكومة ووزارة البيئة، فلا يجب أن يبقى محصوراً في الإدانة أو "التقييم العام". ما ينقص عملياً هو تحويل التقييم إلى وثيقة رسمية تصلح كملف قضائي من خلال تأمين خرائط دقيقة للحرائق، وتقدير كلفة الخسائر الزراعية والغابات، وتحديد ملكيات أو نطاقات متضررة، وتقرير علمي حول التربة والمياه مع منهجية جمع وتخزين. ومن دون توحيد بيانات الزراعة والبيئة والبحوث والدفاع المدني، سيبقى كل رقم منفصلاً عن الآخر، وكل رقم منفصل يضعف الملف بدل أن يقوّيه.
في الخلاصة، ما جرى في الجنوب لم يعد ملفاً بيئياً يُعالَج بالتقارير وحدها، بل قضية مسؤولية قانونية تحتاج قراراً تنفيذياً واضحاً من الدولة. إذا بقيت المقاربة محصورة في الإدانة والمراسلات، ستبقى النتائج سياسية بلا أثر ملزم، والمطلوب عملياً هو خطوة واحدة جامعة ألا وهي تحويل كل المعطيات المتفرقة إلى ملف قضائي موحّد قابل للاستخدام، يتضمن خرائط دقيقة بإحداثيات وتواريخ، تقارير مخبرية موثقة عن التربة والمياه، تقديراً رسمياً للخسائر الزراعية، وسلسلة حفظ أدلة واضحة. عندها فقط يصبح الحديث عن "المحاسبة" ممكناً".
المصدر: خاص "لبنان 24" مواضيع ذات صلة سلام: باتت الدولة تملك سيطرة كاملة على منطقة جنوب الليطاني Lebanon 24 سلام: باتت الدولة تملك سيطرة كاملة على منطقة جنوب الليطاني
المصدر
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: القانون الدولی جنوب لبنان فی الجنوب
إقرأ أيضاً:
عشائر خلدة في دار الطائفة: تأكيد على التضامن والجبل
استقبل شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة ببيروت، وفداً من ممثلي عائلات عشائر خلدة برئاسة طلال الضاهر وبحضور والد الشهيد حسن الغصن وعدد من الفاعليات. وتأتي الزيارة التقديرية لإعادة تأكيد التضامن وتعزيز التواصل بين العشائر العربية ومختلف مكونات الجبل والمجتمع اللبناني.
كما التقى شيخ العقل كلاً من معتمد المشيخة السابق في واشنطن رياض أبو فخر والأستاذ عائد سلمان.
وفي دارته بشانيه، عقد الشيخ أبي المنى سلسلة لقاءات شملت وفداً من مشايخ آل أبو إبراهيم من راشيا، إلى جانب شخصيات وفاعليات محلية وفلسطينية. وعلى صعيد آخر، أجرى اتصالين هاتفين بكل من الشيخ أبو علي طلال أبو شقرا والبروفسور الأب جورج حبيقة، مستعرضاً معهما روابط التقدير المتبادل. مواضيع ذات صلة بدء توافد رؤساء الطوائف الى دار الطائفة الدرزية Lebanon 24 بدء توافد رؤساء الطوائف الى دار الطائفة الدرزية 23/07/2026 20:28:45 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر) Lebanon 24 انطلاق القمة الروحية في دار الطائفة الدرزية (بث مباشر) 23/07/2026 20:28:45 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 لودريان في بعبدا: تأكيد فرنسي على الدعم والتضامن مع لبنان Lebanon 24 لودريان في بعبدا: تأكيد فرنسي على الدعم والتضامن مع لبنان 23/07/2026 20:28:45 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 رئيس وزراء باكستان يؤكد لولي العهد السعودي التضامن الكامل مع السعودية Lebanon 24 رئيس وزراء باكستان يؤكد لولي العهد السعودي التضامن الكامل مع السعودية 23/07/2026 20:28:45 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 الموحدين أبو علي الطائف واشنطن فلسطين الدروز بيروت بو علي قد يعجبك أيضاً سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء Lebanon 24 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 20:30 | 2026-07-23 23/07/2026 08:30:54 Lebanon 24 Lebanon 24 براءة مارون الصقر في قضية نيترات الأمونيوم Lebanon 24 براءة مارون الصقر في قضية نيترات الأمونيوم 21:24 | 2026-07-23 23/07/2026 09:24:42 Lebanon 24 Lebanon 24 وزيرة السياحة تطلق مهرجان الدوار: ركيزة للإنعاش والتضامن Lebanon 24 وزيرة السياحة تطلق مهرجان الدوار: ركيزة للإنعاش والتضامن 21:02 | 2026-07-23 23/07/2026 09:02:15 Lebanon 24 Lebanon 24 السفير الفرنسي من صور: نطالب بوقف دائم لإطلاق النار والانسحاب Lebanon 24 السفير الفرنسي من صور: نطالب بوقف دائم لإطلاق النار والانسحاب 20:57 | 2026-07-23 23/07/2026 08:57:46 Lebanon 24 Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة Lebanon 24 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:49 | 2026-07-23 23/07/2026 08:49:02 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد Lebanon 24 مُفاجأة طقس تموز: بعد موجة الحر التي تضرب لبنان انخفاض بالحرارة وأمطار في هذا الموعد 11:15 | 2026-07-23 23/07/2026 11:15:09 Lebanon 24 Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ Lebanon 24 للبنانيين الذين يحملون الذهب... ماذا سيحصل بالأسعار؟ 21:30 | 2026-07-22 22/07/2026 09:30:00 Lebanon 24 Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون Lebanon 24 حزب الله يقيّم زيارة عون… ما بين الشكل والمضمون 11:00 | 2026-07-23 23/07/2026 11:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة Lebanon 24 زوطر الغربية… أول نموذج للعودة تحت المراقبة 12:00 | 2026-07-23 23/07/2026 12:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ Lebanon 24 تقرير تركي يتحدث عن علاقة مسيحيي لبنان بأنقرة.. ماذا ستشهد؟ 23:45 | 2026-07-22 22/07/2026 11:45:00 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك أيضاً في لبنان 20:30 | 2026-07-23 سلسلة قرارات إدارية وإنمائية... إليكم أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء 21:24 | 2026-07-23 براءة مارون الصقر في قضية نيترات الأمونيوم 21:02 | 2026-07-23 وزيرة السياحة تطلق مهرجان الدوار: ركيزة للإنعاش والتضامن 20:57 | 2026-07-23 السفير الفرنسي من صور: نطالب بوقف دائم لإطلاق النار والانسحاب 20:49 | 2026-07-23 جولة لنواب "القوات" جنوباً.. دعم للأهالي ورهان على الدولة 20:17 | 2026-07-23 إحباط محاولات تهريب كميات كبيرة من الحشيش والكبتاغون من لبنان إلى سوريا فيديو سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) Lebanon 24 سيُنافس أحدث هواتف أندرويد.. شركة itel تُطلق هاتفها الجديد (فيديو) 09:35 | 2026-07-22 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل Lebanon 24 بث مباشر????.. قداس إلهي في بقاعكفرا في عيد القديس شربل 19:13 | 2026-07-18 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام Lebanon 24 ميقاتي: ندعم موقف رئيس الجمهورية وسنعمل جاهدين لإقرار العفو العام 18:42 | 2026-07-15 23/07/2026 20:28:45 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد عربي-دولي متفرقات أخبار عاجلة Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24