مؤلفتا «صوت الحضارة الخفي»: نُجيب عن سؤال «هل نحن امتداد حقيقي للمصريين القدماء؟»
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
في إطار فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الحالية السابعة والخمسين، استضافت قاعة «كاتب وكتاب» ندوة ثقافية لمناقشة كتاب «صوت الحضارة الخفي»، للكاتبة صفاء عبد المنعم، والدكتورة هويدا صالح، بحضور نخبة من الأكاديميين والمفكرين والمتخصصين في التاريخ والآثار والفنون، وإدارة الكاتبة والفنانة التشكيلية سعاد نوح.
شارك في مناقشة الكتاب كل من: الدكتورة نيهال بركات، الفنانة التشكيلية، والمؤرخ المصري بسام الشماع، والدكتور أحمد بدران، أستاذ الآثار والحضارة المصرية القديمة بكلية الآثار جامعة القاهرة، والدكتور رضا عبد الحليم، عضو البعثة المصرية المرافقة للآثار المصرية في ولاية تينيسي الأمريكية.
في مستهل الندوة، قالت الفنانة التشكيلية سعاد نوح إن كتاب «صوت الحضارة الخفي» لا يكتفي بقراءة الحضارة المصرية من خلال النقوش والآثار الصامتة، بل يسعى إلى الإنصات لصوت الإنسان المصري القديم كما تجلّى في الأغاني والحِكم والحياة اليومية.
وأضافت مُقدمة الندوة: «الكتاب يقدم قراءة نسقية جديدة للأدب المصري القديم، تعيد اكتشاف جوهر الإنسان بعيدًا عن الصور النمطية المرتبطة بالقصور والمعابد، ومنفتحة على تفاصيل الحياة اليومية وأصوات البشر الذين شكّلوا الوجدان المصري عبر العصور».
بدورها، قالت الكاتبة صفاء عبد المنعم إن فكرة الكتاب انطلقت من البحث عن إجابة جوهرية: هل نحن امتداد حقيقي للمصريين القدماء؟ قبل أن تجيب: «اللغة تطورت لكن العادات والتقاليد والوجدان الثقافي ما زالت ممتدة».
وأضافت مؤلفة الكتاب: «العمل ركّز بشكل أساسي على حياة الناس البسطاء، كيف عاش العامل والحرفي والفلاح، وليس فقط الملوك والكهنة»، معتبرة أن هذا هو الهدف الجوهري من الكتاب، الذي اعتمد على البحث في المصادر التراثية.
أما الدكتورة هويدا صالح، فقالت إن الحياة المصرية القديمة لا تزال حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية، نرثها ونعيد إنتاجها اجتماعيًا وثقافيًا.
وأضافت مؤلفة الكتاب: «نقدم قراءة ثقافية تحليلية لنصوص التراث الشعبي المصري، بما يشمله من رسائل وعقود وأغانٍ وأمثال وتعاليم، بهدف كشف النسق الثقافي المصري كنظام متكامل من القيم والتصورات والممارسات، التي شكّلت وعي المصري ورؤيته للعالم عبر التاريخ».
من جهته، أشاد الدكتور أحمد بدران بالكاتبتين، معتبرًا أن عنوان «الصوت الخفي» يعكس بوضوح فكرة الامتداد الحضاري للمصري القديم، مضيفًا: «الكتاب دعوة للمصريين للكتابة عن حضارتهم بأقلامهم، بعيدًا عن الرؤية الغربية، فالمصريون هم الأقدر على فهم حضارتهم».
وتابع «بدران»: «جذور المصري القديم ما زالت حاضرة في العادات واللغة، والعديد من مفردات اللغة المصرية القديمة لا تزال متداولة حتى اليوم»، متحدثًا في الوقت ذاته عن ريادة المصري القديم في العلوم، مثل حساب الزمن، والساعة المائية، والطب، والرياضيات، والهندسة الدقيقة في بناء الأهرامات.
وواصل: «مصر كانت منطلقًا أساسيًا للحضارة الإنسانية»، منوهًا إلى وجود بعض الملاحظات المتعلقة بدقة مسميات شهور السنة الواردة في الكتاب.
وفي مداخلة ثرية، ألقى المؤرخ بسام الشماع تحية «حتب» باللغة المصرية القديمة، موضحًا أنها تعني السلام والرضا، قبل أن يشير إلى أهمية الكتاب للشباب، لما يقدمه من تفسير مبسط وعميق لتاريخ وعادات المصري القديم البسيط.
وأشاد بالإهداء الوارد في الكتاب، واصفًا إياه باللمسة الإنسانية الراقية، وهو مقدم لروح الكاتبة الراحلة سمية رمضان، صاحبة فكرة الكتاب.
كما تطرق إلى الرومانسية والشعر في الحضارة المصرية القديمة، مبينًا بعض الاختلافات اللغوية في نطق وكتابة أسماء مثل «حتشبسوت» و«نفرتاري».
بينما قال الدكتور رضا عبد الحليم إن خبرته الممتدة لأكثر من 45 عامًا في مجال الآثار، جعلته يؤمن بأن كثيرًا من آثارنا ما زالت مجهولة للمصريين أنفسهم، معتبرًا أن مثل هذا الكتاب يسهم في نشر الوعي الأثري.
وشدد «عبد الحليم» على أن «حماية الآثار تبدأ بالمعرفة والدراسة»، مشيرًا إلى ضرورة مواجهة الشائعات التي لحقت بالحضارة المصرية مثل «لعنة الفراعنة»، وتشويه صورة المرأة، داعيًا علماء الآثار للتصدي للأطروحات المغلوطة مثل «الـ«أفروسنتريك».
وتمنى أن يحمل غلاف الكتاب صورة لوجه مبتسم يعكس روح الحضارة المصرية.
اختتمت الندوة بمداخلة الدكتورة نيهال بركات، التي أكدت أن عظمة المرأة المصرية تجلّت بوضوح في كتاب «صوت الحضارة الخفي»، باعتبارها رمزًا للاستدامة والاستمرارية الحضارية.
وأضافت: «عبقرية المصري القديم ظهرت في الفن والألوان والرومانسية»، مشيدة بقدرة الكاتبتين على تقديم محتوى يصلح للقراءة النقدية والعامة في آن واحد، بلغة بسيطة وطرح عميق.
وأشارت إلى أن الكتاب سيكون مرجعًا مهمًا لها، لما يطرحه من فكرة الاستمرارية الحضارية، وقيمة المرأة كأم وأخت، مؤكدة أن رسالة السلام والمحبة التي ينادي بها العالم اليوم كانت متجذرة في الحضارة المصرية القديمة.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: معرض القاهرة الدولي للكتاب كاتب وكتاب المصریة القدیمة الحضارة المصریة المصری القدیم
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.