حرب روسيا وأوكرانيا.. ضغط عسكري بموازاة الدبلوماسية
تاريخ النشر: 31st, January 2026 GMT
موسكو- تصاعدت المعارك بين القوات الروسية والأوكرانية بشكل لافت بعد ساعات قليلة من انتهاء مباحثات الطرفين في أبو ظبي، في تطور يرى فيه مراقبون روس أنه مؤشر على محاولات من كلا الجانبين لتعزيز مواقفهما قبل جولة الحوار المقبلة مطلع فبراير/شباط المقبل.
ويتناقض ذلك مع التفاؤل الذي أعربت عنه الأطراف عقب المباحثات، على الرغم من بقاء القضايا الحدودية عالقة، واعتراف ممثلي حلف شمال الأطلسي (الناتو) بضرورة تقديم أوكرانيا تنازلات.
ويعزو خبراء روس تصاعد الأعمال القتالية إلى فشل التوصل لحلول وسط بشأن القضايا الرئيسية، كملف انسحاب القوات الأوكرانية من دونباس، وهو ما تصر عليه موسكو بينما ترفضه كييف رفضا قاطعا.
فبعد المباحثات مباشرة، شنت القوات الروسية هجمات صاروخية وطائرات مسيرة مكثفة على البنية التحتية للطاقة في كييف وخاركيف، بينما استهدفت أوكرانيا مواقع في مقاطعة بيلغورود.
بموازاة ذلك، أظهرت الظروف الجوية الصعبة تأثيرا على سير العمليات القتالية، حيث يؤكد خبراء عسكريون روس أنها جاءت لصالح تعزيز الضغط العسكري على القوات الأوكرانية.
جولة جديدة
ويرى الخبير في الشؤون الإستراتيجية نيقولاي بوزين، أن تكثيف العمليات على خطوط المواجهة جاء كوسيلة لإظهار صمود كل طرف وإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات.
ويضيف، للجزيرة نت، بأن التصعيد الحالي، على الرغم من تحديد موعد الاجتماع القادم في أبوظبي، يُعدّ نتيجة لعدم ترجمة العملية الدبلوماسية حتى الآن إلى التزامات ملموسة واتفاقات رسمية بوقف إطلاق النار.
ويلفت إلى أنه وسط الجدل الدائر حول الاعتراف بنقل دونباس إلى السيادة الروسية، بات من الواضح أن قضية سيادة القرم قد أُزيلت تماما من جدول الأعمال الدبلوماسي، بحيث لم يعد مصير شبه الجزيرة موضع تساؤل، على حد وصفه.
إعلانووفقا له، فقد أسهمت العمليات الناجحة للجيش الروسي في منطقة الحدود الشمالية الغربية في إخراج قضية سيادة القرم من دائرة النقاش.
ويتابع بأنه بمقارنة الخطاب الأوكراني والغربي في بداية العملية العسكرية الخاصة، يتضح كيف تضاءلت مواقف السلطات الأوكرانية من الوصول إلى حدود عام 1991 إلى التوقف على طول خطوط التماس.
ووفقا له، فإن المناطق الأخرى التي سيُعاد توحيدها مع روسيا ستشهد اعترافا تدريجيا مماثلا من جانب كييف وداعميها الغربيين.
وبينما تواصل القوات الروسية تصعيد عملياتها في الداخل الأوكراني، تقوم القوات الأوكرانية بتكثيف هجماتها على مناطق روسية، لا سيما تلك المتاخمة للحدود، في تركيز لافت على استخدام الطائرات المسيّرة.
وتستمر المعارك العنيفة بين الطرفين وسط ظروف جوية معقدة وانخفاض حاد لدرجات الحرارة، لم تشهده ساحات القتال منذ بدء الحرب في فبراير/شباط 2022.
يعتقد الخبير العسكري فيكتور ليتوفكين أن أنظمة الدفاع الجوي الروسية حسّنت في الآونة الأخيرة من أدائها بشكل ملموس في حماية المنشآت الإستراتيجية والمناطق السكنية.
ويشير في تعليق للجزيرة نت إلى البيانات الرسمية الروسية، التي تُقدّر فعالية الدفاعات الجوية ضد التهديدات الجوية الأوكرانية بنسبة 97% حتى نهاية عام 2025.
ويتابع أنه بحلول عام 2026، حسّنت روسيا بشكل ملحوظ تقنيات مكافحة الطائرات المسيرة، مما قلّل من تفوق أوكرانيا في هذا المجال من خلال إدخال تقنيات جديدة واكتساب خبرات متراكمة.
مع ذلك، يوضح بأن الطائرات المسيرة التي تحلّق على ارتفاعات تتجاوز قدرات بعض الأنظمة، أو التي تستخدم التضاريس للتخفّي، تُشكّل تحديات أمام اعتراضها.
كما أن تزايد أعداد الطائرات المسيّرة الهجومية يتطلّب زيادة مستمرة في كثافة تغطية الدفاع الجوي، وتنسيقها مع أنظمة الحرب الإلكترونية.
ووفقا له، تعمل روسيا بنشاط على تطوير أنظمة موحدة لمراقبة المجال الجوي، بما في ذلك تلك المخصصة للقطاع المدني، والتي من شأنها تعزيز مراقبة المجال الجوي بشكل أكبر بحلول مارس/آذار 2026.
بموازاة ذلك، يؤكد أن درجات الحرارة المنخفضة وتساقط الثلوج الكثيفة تسببت بمشاكل عديدة للقوات الأوكرانية على الجبهة وباتت تُعقّد عملها، بحيث أصبح من الصعب على المقاتلين الأوكرانيين التحرك والمشاركة في القتال.
ويوضح بأن تساقط الثلوج تسبب بانعدام الرؤية بالنسبة لهم، فضلا عن أن عُمر بطاريات الطائرات المسيّرة يقل، وتتجمد مراوحها في درجات الحرارة المنخفضة.
كما أن الصعوبات التي تواجهها القوات الأوكرانية تشمل أيضا إجلاء الجرحى من المسلحين، حيث باتت تستغرق عدة أيام، بعد أن كان يتم نقلهم إلى وحدات طبية في غضون ساعتين أو 3 ساعات قبل عام.
ويستغل الجيش الروسي هذا الوضع ويركز على المناطق التي انسحبت منها القوات الأوكرانية، غير المستعدة للحملة الشتوية، حسب تأكيده.
ويخلص إلى أن استخدام الأسلحة الغربية، التي غالبا ما تكون غير مُلائمة للقتال في ظروف الشتاء القاسية، يُشكل أيضا مشكلة للقوات الأوكرانية، خلافا للأسلحة الروسية، الأكثر مُلاءمة للمناخ البارد.
إعلان
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..