صورة صغيرة تعيد فتح أسئلة كبرى عن ماء الكوكب الأحمر والحياة عليه
تاريخ النشر: 1st, February 2026 GMT
في 24 يوليو/تموز 2025، وأثناء "السول 4608″، (اليوم المريخي رقم 4608 من عمرها على سطح المريخ في فوهة غيل)، التقطت المركبة "كيوريوسيتي" -التابعة لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا)- صورة لصخرة صغيرة لا يتجاوز عرضها بضعة سنتيمترات، لكن مظهرها كان لافتا إلى حد غير مألوف.
بدا السطح متشعبا ومتعرجا على نحو يذكّر كثيرين بالمرجان أو الشعب المرجانية على الأرض، وحينها لم تتحول الصورة فورا إلى خبر واسع الانتشار، لأن ما تلتقطه المركبات الجوالة يوميا يعد بالآلاف، ويخضع لمسار علمي بطيء ودقيق يبدأ بالتحقق والمعايرة والمقارنة، ثم التحليل الجيولوجي، قبل أن يُحسم إن كانت اللقطة تمثل ظاهرة استثنائية أم هي مجرد تنويع بصري ضمن عمليات معروفة.
التأخر في إعلان الخبر حتى مطلع 2026 لا يعود إلى إخفاء أو تردد، بل إلى طبيعة العمل العلمي نفسه، فمؤسسات مثل مختبر الدفع النفاث التابع لناسا، الذي يدير مهمة "كيوريوسيتي"، لا تطرح تفسيرا علنيا قبل التأكد من السياق الجيولوجي الكامل للصورة، ومقارنتها باكتشافات سابقة، ومراجعتها من فرق متعددة التخصصات.
وعندما أعيد طرح الصورة إعلاميا بعد أشهر، كان ذلك بعد أن استقر الرأي العلمي حولها بوصفها مثالا واضحا على دور الماء القديم في تشكيل سطح المريخ، ليس أكثر.
بحسب بيانات وكالة "ناسا" وتحليلات الجيولوجيين، لا تمثل هذه الصخرة بقايا أي كائن حي، بل هي نتاج عملية جيولوجية معروفة جيدا على الأرض والمريخ معا.
وتقول الفرضية إنه في الماضي السحيق، حين كان المريخ أكثر دفئا ورطوبة، تسربت مياه جوفية محملة بالمعادن عبر شقوق دقيقة في الصخور الرسوبية، ومع تبخر الماء ترسبت المعادن داخل تلك الشقوق وتصلبت، مكونة عروقا صلبة.
إعلانولاحقا، وعلى مدى ملايين السنين، نحتت الرياح المحملة بالرمال الصخور الأضعف المحيطة، تاركة هذه العروق المعدنية بارزة على السطح بأشكال متشابكة تشبه أحيانا المرجان أو الزهور.
هذا النمط رصده العلماء مرارا، ففي عام 2022 وثقت "كيوريوسيتي" صخرة "زهرة" مريخية تشكلت بالطريقة نفسها تقريبا.
وتؤكد ناسا أن هذه العمليات شائعة في البيئات الصحراوية القاسية، حيث يكون النحت الريحي طويل الأمد هو العامل المهيمن بعد اختفاء الماء السائل.
رغم العناوين الجذابة، كان موقف المؤسسات العلمية واضحا وحذرا، فقد شددت ناسا في بياناتها على أن التشابه الشكلي مع المرجان لا يعني تشابها بيولوجيا.
فالمرجان على الأرض كائن حي بحري معقد، ينتمي إلى اللافقاريات، ويبني هياكله الكلسية عبر عمليات حيوية داخل محيطات غنية بالحياة، أما الصخرة المريخية فهي بنية معدنية صرفة، لا تحتوي على أي مؤشرات بيولوجية مثل الأنماط الخلوية، أو المركبات العضوية المعقدة المرتبطة بالحياة.
معهد علوم الكواكب في الولايات المتحدة أوضح أن "التشابه الشكلي وحده ليس معيارا لإثبات الحياة"، مشيرا إلى أن الطبيعة قادرة على إنتاج أشكال متقاربة بصريا عبر عمليات مختلفة جذريا.
كما أشار علماء في الجمعية الجيولوجية الأميركية إلى أن هذه الاكتشافات، بدلا من أن تكون دليلا على حياة، فهي دليل قوي على وجود نظم مائية قديمة، وهي شرط أساسي، لكنه غير كافٍ، لقيام الحياة.
بين الأمل والواقع
على الرغم من نفي أي صلة مباشرة بالحياة، فإن أهمية الصخرة "المرجانية" تكمن في ما تقوله عن تاريخ المريخ، وهو أن وجود عروق معدنية بهذه الأشكال يعني أن الماء لم يكن عابرا أو نادرا، بل كان نشطا بما يكفي لاختراق الصخور وحمل المعادن وإعادة تشكيل القشرة السطحية.
هذا يدعم الفرضية القائلة إن فوهة "غيل" (Gale Crater)، وجبل "شارب" (Mount Sharp) تحديدا، شهدا فترات طويلة من الاستقرار النسبي، ربما كانت صالحة لوجود بيئات ميكروبية في الماضي.
وكالة الفضاء الأوروبية علقت بدورها على مثل هذه الاكتشافات بالقول إن "كل دليل جيولوجي جديد يساعد على تضييق نافذة الزمن التي كان فيها المريخ صالحا للحياة".
ومع تراكم هذه الأدلة، تصبح لدى العلماء خريطة أوضح للأماكن التي تستحق البحث الأعمق، سواء عبر تحاليل أكثر تقدما أو عبر مهمات مستقبلية تعيد عينات إلى الأرض.
لماذا يعود الخبر إلى الواجهة الآن؟عودة القصة إلى الإعلام في 2026 ترتبط بسياق أوسع، إذ يتزايد الاهتمام العام بمهام المريخ مع اقتراب مراحل حاسمة في برنامج إعادة العينات، وازدياد دور الذكاء الاصطناعي في تحليل صور الكواكب.
ولم تكن إعادة نشر الصورة إعلانا جديدا بقدر ما كانت قراءة علمية جديدة مدروسة، وشرحا مبسطا للجمهور حول ما تعنيه هذه الأشكال الغريبة، وما لا تعنيه في الوقت نفسه.
فالصخرة التي بدت كمرجان على سطح المريخ لا تحمل دليلا على حياة، لكنها تحمل قصة أعمق عن كوكب كان يوما أكثر رطوبة وحركة.
إعلانوبين حذر العلماء وحماس الجمهور، تظل مثل هذه الاكتشافات تذكيرا بأن طريق فهم المريخ يمر عبر الجيولوجيا أولا، وأن البحث عن الحياة يحتاج صبرا بقدر ما يحتاج خيالا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.