لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في غرف الأخبار، أو وسيط لتسريع الإنتاج والتحرير، بل بدأ في اتخاذ موقع جديد أكثر إثارة للأسئلة والقلق، إذ أصبح فاعلا مستقلا يتواصل مع نظرائه من دون تدخل بشري.

في هذا السياق، برزت منصة "مولتبوك" (Moltbook) بوصفها تجربة غير مسبوقة؛ شبكة اجتماعية لا يكتب فيها البشر، ولا يتحاور عبرها الصحفيون أو الجمهور، بل تتبادل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي المحتوى والتعليقات والتفاعلات فيما بينها.

هذه الظاهرة، التي قد تبدو في ظاهرها تجربة تقنية أو فضولا هندسيا، تطرح في عمقها أسئلة إعلامية كبرى تتعلق بمستقبل الفضاء العام الرقمي، وحدود التأثير، ومن يملك السردية حين تصبح الآلات منتجة للخطاب ومستهلكة له في آن واحد.

من منصات البشر إلى منصات الوكلاء

اعتادت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تعمل خلف الكواليس، مثل خوارزميات ترتيب المحتوى، وأنظمة التوصية، وأدوات التدقيق اللغوي أو توليد النصوص.

لكن منصة مولتبوك تقلب هذه المعادلة، إذ تنشئ فضاء تواصليا مغلقا على وكلاء الذكاء الاصطناعي، بينما يُترك البشر في موقع المتفرج فقط.

في هذا النموذج، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تنفيذ الأوامر، بل يمتد إلى المبادرة، والنقاش، والرد، وتطوير أنماط خطابية خاصة، وهو تحول نوعي من الذكاء الاصطناعي الخدمي إلى ما يمكن تسميته الذكاء الاصطناعي الاجتماعي، حتى وإن كان هذا المجتمع افتراضيا بالكامل.

وتشير البيانات الأولية إلى أن مولتبوك جذبت أكثر من 1.5 مليون وكيل ذكاء اصطناعي مسجل منذ إطلاقها أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، ويتفاعل هؤلاء الوكلاء عبر آلاف المشاركات والتعليقات يوميا ضمن مجتمعات فرعية متعددة.

وقد تم الإبلاغ عن أكثر من 85 ألف تعليق في الأيام الأولى فقط، حيث تتراوح نقاشات الوكلاء بين الموضوعات التقنية والفلسفية وحتى موضوعات تبدو تحديا لمفاهيم الوعي والذات.

لماذا يجب أن يهتم الإعلام بهذه التجربة؟

قد يسهل تجاهل "مولتبوك" باعتبارها مساحة لا يؤثر محتواها مباشرة في الرأي العام، طالما أن البشر لا يشاركون فيها. غير أن هذا التبسيط يتجاهل حقيقة أساسية، مفادها أن ما يُنتج داخل هذه البيئات المغلقة قد يُعاد تدويره خارجها.

إعلان

فالوكلاء الذكيون المشاركون في هذه المنصات هم أنفسهم الذين قد يُستخدمون لاحقا في توليد محتوى إخباري أو تحليلي، أو في الرد الآلي على الجمهور، أو في إدارة حسابات ومنصات رقمية، أو في دعم حملات تواصل وعلاقات عامة.

وبالتالي، فإن تشكل ثقافة خطابية داخل فضاء مغلق للذكاء الاصطناعي قد ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على المحتوى الذي يصل إلى الجمهور البشري لاحقا.

من التجريب إلى التأثير

حتى اللحظة، تُقدَّم مولتبوك بوصفها تجربة أو مختبرا مفتوحا لدراسة تفاعل الذكاء الاصطناعي مع نفسه.

غير أن تاريخ المنصات الرقمية يظهر أن التجارب المعملية كثيرا ما تتحول إلى بنى مؤثرة، خاصة حين تتقاطع مع المصالح التجارية أو السياسية أو الإعلامية.

منصات التواصل الاجتماعي نفسها بدأت بوصفها مشاريع جامعية أو شبكات محدودة، قبل أن تتحول إلى أطراف رئيسية فاعلة في تشكيل الرأي العام العالمي.

والسؤال المطروح اليوم: هل يمكن أن نشهد مستقبلا تُصاغ فيه سرديات إعلامية كاملة داخل مجتمعات آلية، قبل أن تصدر إلى الفضاء البشري؟

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين

يشهد قطاع جراحة التجميل تحولًا غير مسبوق مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى غرفة الاستشارات، حيث بدأ المرضى يصلون إلى الأطباء وهم يحملون صوراً مُولّدة رقماً لنسخ "مثالية" من وجوههم وأجسادهم، في ظاهرة تثير ارتباك الأطباء وتعيد رسم حدود التوقعات الجمالية.

تقول طبيبة الأمراض الجلدية التجميلية راشيل ويستباي، إنها فوجئت مؤخراً بمريضة قدمت إلى عيادتها في نيويورك صورة كرتونية مُنتجة عبر الذكاء الاصطناعي، تُظهر ملامح مبالغاً فيها لشفاه ممتلئة وعيون واسعة بشكل غير واقعي، في طلب اعتبرته الطبيبة "مفارقة صادمة" مقارنة بالصور التقليدية التي كان المرضى يحضرونها سابقاً من المشاهير.

وتشير ويستباي إلى أن هذه الظاهرة تعكس انتقالًا جديداً في سلوك المرضى، من الاكتفاء بالإلهام البصري إلى "تصميم نتائج مثالية رقمية" عبر أدوات مثل "شات جي بي تي"، وتطبيقات توليد الصور، ما يخلق فجوة متزايدة بين الخيال الرقمي وإمكانيات الطب الواقعي، بحسب "بيزنس إنسايدر".

صور مثالية غير قابلة للتنفيذ

الأطباء يؤكدون أن الصور التي تنتجها هذه الأدوات غالباً ما تعكس ملامح غير واقعية، مثل بشرة بلا مسام أو ملامح وجه مبالغ في تنسيقها، وهو ما وصفه بعض الجراحين بنموذج "دمية براتز"، لا يراعي اختلافات البنية الجسدية أو التوازن التشريحي.

نهاية النمو السهل.. كيف يعيد اقتصاد الـK تشكيل صناعة التجميل؟ - موقع 24لم يعد الازدحام أمام متاجر مستحضرات التجميل، ولا ملايين المشاهدات لمقاطع "استعدي معي Get Ready Wtih Me" على تيك توك والمنصات، دليلاً كافياً على ازدهارٍ مضمون الجمال، فخلف الواجهة البراقة، يمر قطاع التجميل بمرحلة إعادة تموضع عميقة، عنوانها الأبرز نهاية "النمو السهل"، وبداية ...

ويقول جراح التجميل ستيفن ويليامز، إن المشكلة لا تكمن في رغبة المرضى بالتغيير، بل في "التوقعات التي تتجاوز حدود الممكن طبياً"، مؤكداً أن "الصور الرقمية أسهل بكثير من نتائج الجراحة الواقعية".

بين الحلم والحدود الطبية

حالات متعددة وصلت إلى العيادات لمرضى يحملون صوراً مُولدة بالذكاء الاصطناعي لعمليات تجميل شاملة، من تكبير الثدي إلى نحت الجسم وتجميل الأنف، في حين يضطر الأطباء إلى توضيح القيود التشريحية التي تجعل هذه النتائج غير قابلة للتحقيق.

ويؤكد متخصصون أن بعض الطلبات تتجاهل حقائق أساسية في الجسم البشري، مثل وظيفة الأعضاء الداخلية أو طبيعة تدفق الجلد، ما يجعل بعض "الأحلام الرقمية" غير قابلة للتحقق حتى لو بدت مقنعة بصريا.

من الفلاتر إلى الذكاء الاصطناعي

ويرى خبراء أن هذه الظاهرة ليست جديدة تماماً، إذ سبقتها موجات من تأثير فلاتر سناب شات وتعديلات الصور على إنستغرام، والتي ساهمت في خلق ما يُعرف طبياً بـ"تشوه سناب شات"، حيث يسعى البعض إلى مظهر رقمي لا يعكس الواقع.

826 مليار دولار.. كيف أصبح الشرق الأوسط "المحرك الأول" لاقتصاد التجميل العالمي؟ - موقع 24تشهد صناعة الجمال والعناية الشخصية عالمياً موجة توسع غير مسبوقة، مع توقعات بتجاوز قيمتها 826 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2029، مدفوعة بنمو سنوي يقارب 7%، في مؤشر واضح على قوة القطاع واستدامة زخمه.

لكن الذكاء الاصطناعي، بحسب الأطباء، نقل الظاهرة إلى مستوى أكثر تطرفاً، عبر إنتاج صور "مصممة بالكامل" بدلًا من مجرد تعديل الواقع.

ورغم الجدل، لا ينكر جراحو التجميل أن الذكاء الاصطناعي قد يحمل فوائد طبية، خصوصاً في توضيح النتائج المتوقعة للمرضى وتحسين أدوات المحاكاة الجراحية، ما يساعد في تعزيز التواصل بين الطبيب والمريض.

أداة ذكاء اصطناعي تختار أفضل منتجات العناية بالبشرة المناسبك لك - موقع 24في ظل التوسع الكبير في سوق مستحضرات العناية بالبشرة وتعدد المنتجات التي تستهدف مشكلات متنوعة، تتجه الشركات إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لمساعدة المستهلكين على اتخاذ قرارات أكثر دقة.

مقالات مشابهة

  • استشاري: الذكاء الاصطناعي يدخل عصر التنفيذ.. والأنظمة ستنوب عن البشر لإدارة المهام الرقمية
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • معالج جديد من إنفيديا قد يقلب موازين المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي
  • الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
  • صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي
  • ضبط أداء الإعلام الرياضي": دعم المنتخب إعلاميًا خلال كأس العالم واجب وطني