سودانير تعود.. والدولة غائبة من السماء

إبراهيم هباني

ليست عودة الطيران المدني إلى مطار الخرطوم خبراً تقنياً عابراً، بل رسالة سياسية ثقيلة الدلالة. أول رحلة قادمة من العاصمة المؤقتة بورتسودان قُدِّمت إعلامياً بوصفها مؤشراً على عودة الحياة، وبوابة أمل تسمح للنازحين واللاجئين بالتفكير في العودة إلى ديارهم التي هجروها منذ اندلاع حرب أبريل 2023.

غير أن السياسة لا تُدار بالصور، ولا تُقاس بالإشارات الرمزية.

فالطائرة لا تعني عودة الدولة، كما أن المدرج لا يختصر معنى السلام. النازح لا يعود لأن طائرةً هبطت، بل لأنه يثق بأن أسباب الفرار قد انتهت، وأن الخوف لم يعد مقيماً في السماء قبل الأرض. وهذه الحقيقة، مهما بدت قاسية، لم تتحقق بعد في السودان.

منذ استقلال السودان عام 1956، حافظت الخطوط الجوية السودانية على ريادتها بوصفها إحدى أعرق شركات الطيران في إفريقيا والمنطقة العربية. وحتى في أقسى فترات الاضطراب السياسي والانقلابات والعقوبات، لم تتوقف الملاحة الجوية العالمية إلى السودان بهذا الشكل الكامل. ما جرى بعد أبريل 2023 هو السابقة الأخطر في تاريخ الدولة الحديثة: توقّف شبه تام للحركة الجوية الدولية لنحو ثلاث سنوات.

لهذا، فإن هبوط الطائرة ذات الشعار الأصفر لا يُقرأ بوصفه استئنافاً عادياً للنشاط، بل كسؤال مفتوح على المصير. سؤال عن سيادة المجال الجوي، وعن قدرة سلطة الأمر الواقع على ضمان الفصل الصارم بين الطيران المدني وساحات الحرب، في بلد أصبحت السماء فيه جزءاً من المعركة بفعل استخدام المسيّرات واستباحة المجال الجوي بلا إطار واضح أو مساءلة.

الرسالة التي أُريد بثّها هي أن الأمور تحت السيطرة، وأن الدولة تعود تدريجياً. لكن الدولة لا تعود بالرمزية وحدها. الدولة تعود حين يتوقف السلاح، وحين يصبح المجال الجوي آمناً فعلاً لا وصفاً. من دون ذلك، يتحول الهبوط إلى مجازفة سياسية وأخلاقية، لا إلى إنجاز.

فالمواطن لن يكون آمنًا لأن طائرةً هبطت، بل سيكون آمنًا فقط حين تتوقف الحرب وتنتفي أسبابها.

وبالنسبة للنازحين واللاجئين، الأمن يسبق العودة، ووقف الحرب يسبق هبوط الطائرات.

وحتى ذلك الحين، ستظل كل رحلة مدنية فوق السودان اختباراً صعباً، لا إعلان عودة. وستبقى السماء، كما الأرض، مرآة لحقيقة لا تقبل التجميل: لا طيران مدني بلا أمن للمواطن.

الوسومإبراهيم هباني استقلال السودان الخطوط الجوية السودانية السودان الطيران المدني النازحين مطار الخرطوم

المصدر

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: استقلال السودان الخطوط الجوية السودانية السودان الطيران المدني النازحين مطار الخرطوم

إقرأ أيضاً:

الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية

تصدت الدفاعات الجوية الكويتية منذ قليل لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية إثر العدوان الإيراني الآثم.
وأوضحت رئاسة الأركان العامة للجيش الكويتي في بيان أن أصوات الانفجارات إن سُمعت فهي نتيجة اعتراض منظومات الدفاع الجوي للهجمات المعادية, داعية الجميع إلى التقيد بتعليمات الأمن والسلامة الصادرة عن الجهات المختصة.

مقالات مشابهة

  • تخريج 2,298 فردًا في برامج الدفاع المدني
  • الأردن يؤكد أمان مجاله الجوي أمام حركة الطيران المدني
  • الدينالي: أزمة الكهرباء تعود عدة عوامل متداخلة منها الفنية والسياسية والأمنية
  • الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية
  • الطيران الحربي الإسرائيلي يستهدف مخيم البريج وسط قطاع غزة
  • بعد اعترافها بقتل والدتها.. تصريحات سابقة لسالي الجباس تعود للواجهة
  • شردي: الرئيس وجه رسالة تقدير للمصريين.. والدولة مستمرة في بناء الجمهورية الجديدة
  • أمجد فريد يكشف تفاصيل مباحثات مهمة في أنقرة بشأن السودان
  • اختراق لأنظمة هيئة الطيران الحوثية وتسريب بيانات للرحلات الإيرانية
  • 5 ناقلات نفط تغيّر مسارها و3 تعود من باب المندب وسط تصاعد التهديدات