التراجيكوميديا في الإعلام الأمريكي الساخر
تاريخ النشر: 2nd, February 2026 GMT
د. يوسف الشامسي **
يبتدئ جون ستيوارت مقدم برنامج "ذا دايلي شو The Daily Show" حواره الكوميدي عن هدف ترامب في فنزويلا ساخرًا من محاولات مستشاري الرئيس تبرير العملية بـ"حقوق الإنسان" فيقول: "عادةً، نغلّف التَّدخلات بذريعة نبيلة: تحرير شعب، نشر ديمقراطية، أو تعريف اليابانيين على البيسبول! فما المبادئ الأخلاقية التي سنُؤطر فيها صراعنا في فنزويلا؟"، يقتبس بعدها تصريحًا لترامب: "سنتحكم بنفط فنزويلا.
هذا الـ"مونولوج" الساخر- بقدر ما يختزل السياسة الهمجية الأمريكية التي باتت تفتقر لأبجديات الدبلوماسية في التعاطي مع الشأن الداخلي والخارجي- يكشف كذلك جانبًا من التحول الدرامي في البرامج المسائية الساخرة في التلفزيون الأمريكي؛ إذ لم تعد مسألة "خلق السخرية" لتفكيك الأحداث السياسية الجارية وتقديمها للجمهور في قالب كوميدي مبسّط بحاجة لعبقرية وحذاقة، فتصريحات "الزعيم" الخاوية من الاتساق المنطقي بذاتها كفيلة بقلب الجديّة الإخبارية لمُفارقة ساخرة.
هكذا يبدو تحول الإعلام الأمريكي الساخر في عهد ترامب من مرحلة "الدهشة" إلى مرحلة "التراجيديا الكوميدية". ما عاد الساخر بحاجة لجهد وفطنة في تلفيق وإتقان النكات، ولم تعد محاولة كشف الركاكة المنطقية في تصريحات الرئيس الهائج وسلوكه- الطافح بالمتناقضات- مسألة معقدّة؛ لذا أصبحوا يكتفون بعرض مدى سخافة المشهد بما ينطوي عليه من سخرية سوداء، مختزلين قرارات مصيرية تمس 340 مليون أمريكي إلى مجرد نزوات شخصية لعقاريّ مقامِر، يمكن تلمّس هذه النزعة في برامج "التوك شو" لجيمي فالون وسيث ميارز وستيفن كولبير وغيرهم، خصوصا في تلك اللحظات التي ينزع فيها هؤلاء قميص التهكم والسخرية ليخاطبوا الجمهور بجديّة مُباشرة وبمشاعرهم الصادقة.
قبل أيام وجّه الإعلامي جيمي كيميل- وهو يحاول كبح دموعه- عبر برنامجه رسالة تضامن وتعاطف لسكّان مينيابوليس إثر مقتل الممرض أليكس بريتي من قبل عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (ICE)، وذلك بعد سخريته اللّاذعة من قناة "فوكس نيوز" واتهامها بالتضليل، داعيًا أتباع ترامب لنبذ تحيزاتهم والوقوف ضد "بلطجية" (ICE) والمطالبة بتحقيقات شفافة. هذا الأسلوب المشحون والمباشر- من المنظور الإعلامي- يبدو في غاية التأثير، فهو يشكّل صمّام تنفيس بالنسبة للمتعاطفين مع كيميل، فيعزز ارتباطهم العاطفي المنحاز أصلًا ضد سياسات ترامب، فيشعر المشاهد بأنَّ المذيع "واحدٌ منهم" يعبر عن غضبهم الشخصي، في الحين ذاته هو يرمي بالترفيه والفكاهة لملعب السياسة فيُتداول المقطع خارج نطاق جمهوره التقليدي ليصل للملايين، فيؤثر تلقائيا على الرأي العام في الداخل الأمريكي وفق ما يعرف بـ"التدفق على مرحلتين" والتداعيات التي يثيرها البرنامج ليتم بالتالي مناقشتها في وسائل الإعلام الكبرى في أمريكا سواء بالمدح أو القدح، مما يُساعد في تعبئة "اليسار" المشحون ضد ترامب، مكرّسًا في المقابل الانقسامات الداخلية في المجتمع الأمريكي. وتبقى المحصّلة الأهم في مثل هذا الأسلوب أنه-– وفق العديد من الدراسات الإعلامية- يزيد من قوة البرامج الساخرة كأداة سياسية تثير المجال العام.
وبغضّ النظر عن أنماط ومدى ذلك التأثير، يبقى المضمون شاهدًا على تحولٍّ في الخطاب ذاته، فأدوات السخرية لم تعد تشتغل كثيرًا لـ"فضح الحقيقة" لأجل تغيير السياسات العنصرية الترامبية، وإنما باتت تنشد "التعايش مع الكارثة"- كأقصى ما بيدها- عبر أفانين الضحك المبكي، فعوضًا عن دق جرس الإنذار والتهكّم بذلك السياسي "المتغطرس المجنون" الذي "يجب إيقافه!"- كما كان سائدا في فترة ترامب الأولى- تحولت الكوميديا إلى حالة أشبه بالرثاء، كما يصوّرها البرنامج التجسيدي الساخر (ساتردي نايت لايف Saturday Night Live)، ففي مشهد (في ذكرى الراحلين) من حلقة (جوائز ترامب) الساخرة، يدخل إيلون ماسك- يلعب دوره الممثل مايك مايرز- بدعوة من ترامب ليقرأ "رسالة تأبين" للفنانين الراحلين، على غرار المعمول به في جوائز الأوسكار؛ ولكن عوضًا عن رثاء شخصيات حقيقية، يصعد ماسك لرثاء مفاهيم "ماتت" مثل "الحقوق المدنية" و"آليات الرقابة والتوازن Checks and Balances"، وحلف الناتو، والجناح الشرقي للبيت الأبيض، وعضوة الحزب الجمهوري مارجوري تايلر التي كانت من أشد مؤيّدي ترامب إلى وقت قريب، حتى أصبحت من المنبوذين مؤخرًا بسبب انتقادها خطورة تأثير اللوبي الصهيوني بأمريكا، وعوضًا عن دمج العرض بخلفية حزينة؛ تظهر صور "الراحلين" على وقع الموسيقى المرحة والعبثية لبرنامج "أطرف الفيديوهات المنزلية الأمريكية America's Funniest Home Videos".
يوجز هذا المشهد الساخر قمة المفارقة في السياسة الأمريكية؛ إذ يُجسِّد انهيار الديمقراطية وكأنها "سقطة مضحكة" (Blooper) في برنامج ترفيهي، وينقلب الضحك فيه من أداة للمقاومة والتصدّي إلى بحثٍ يائس عن التطبيع والتكيّف مع مأساة جثمت على المشهد السياسي الأمريكي بطريقة مشروعة؛ حيث يقوم الجاني وأعوانه بتأبين ضحاياه "المعنويين" بابتسامته الباردة. هكذا أضحت البرامج الساخرة في الإعلام الأمريكي مساحة للتراجيكوميديا- إن جاز التعبير- وبقدر يأسها من طرح الحلول لإحداث التغيير المنشود وإصلاح عطب المنظومة البائسة، باتت تدوّن توثيقًا مباشرا للسقوط. وكأنها جوقة موسيقية على سفينة جانحة؛ تبدع موسيقاها جمالية واتقانا، في حين الجميع يدرك أنهم على مشارف الهلاك وأن السفينة تغرق؛ بيد أن الضحك هنا هو الطريقة الوحيدة للحفاظ على رباطة جأش العابرين على متن السفينة الترامبية، حتى النهاية.
** أكاديمي بقسم الإعلام الجماهيري بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.