محمد بن عيسى الجابر والعراق: رحلة مبادئ وسط تضحية شخصية كبيرة
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
آخر تحديث: 3 فبراير 2026 - 5:21 ص
شبكة اخبار العراق – القاهره
لأكثر من عقدين من الزمن، كان الشيخ محمد بن عيسى الجابر أحد الشخصيات العربية القليلة التي وقفت باستمرار إلى جانب الشعب العراقي خلال بعض أحلك أوقاته.
في أواخر التسعينيات، عندما فرض نظام صدام حسين حصاراً شديداً على العراق بفرض عقوبات دولية قاسية، التزمت معظم الأصوات في العالم العربي وخارجه الصمت.
كان نظام العقوبات المفروضة على العراق بعد حرب الخليج قاسياً. فقد وضع برنامج الأمم المتحدة للنفط مقابل الغذاء، الذي أُنشئ عام ١٩٩٦، الاقتصاد العراقي برمته تحت سيطرة دولية صارمة. لم يكن بوسع الحكومة بيع قطرة نفط واحدة أو إدارة الموارد الأساسية دون موافقة، وما وصل من غذاء ودواء كان بالكاد يكفي لإبقاء الناس على قيد الحياة.
رأى الجابر في ذلك تهديدًا وجوديًا لا أقل. جادل علنًا بأن الشعب العراقي يتضور جوعًا، وأن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو كسر الحصار تمامًا، لا ترقيعه، بل إنهائه. لم يتردد في قول ذلك بوضوح، حتى في الوقت الذي تجرأ فيه قليلون في المنطقة على ذلك. في مقابلة أجريت معه عام 2006 في جامعة لندن، أوضح كيف شعر بأنه مُلزم “بالوقوف إلى جانب العراقيين والتعبير عن موقفه بوضوح” في السعي لإنهاء حكم صدام القمعي. وقال إنه لو كان عراقيًا، كعربي، لتوسل إلى العالم طلبًا للمساعدة للخروج من وضع شعر فيه وكأنه “بيع للعراق بثمن بخس”.
حظي هذا النوع من الصراحة بالاهتمام؛ إذ اعتُبر أحد الأصوات العربية النادرة التي تدعم تغيير النظام والتحرر النهائي من الديكتاتورية. بالنسبة للجابر، لم يكن تدخل التحالف عام 2003 مجرد إسقاط زعيم، بل كان يهدف إلى كسر المزيج السام من الديون المتراكمة والعقوبات القاتلة والسيطرة الاستبدادية. كان التحرر الحقيقي، في نظره، يعني إعادة السيادة والكرامة والسيطرة على موارد العراق ومستقبله إلى العراق.
بالنظر إلى الماضي، يشعر بفخر حقيقي بالتقدم الكبير الذي أحرزه العراق. ففي غضون ما يزيد قليلاً عن عشرين عاماً، شهدت البلاد ست انتخابات برلمانية وست انتخابات رئاسية، وتعاقبت عليها حكومات متعاقبة، وهو مستوى من التقدم الديمقراطي يستغرق عادةً أجيالاً بعد عقود من الديكتاتورية والحرب. أما على الصعيد الاقتصادي، فالتحول مذهل: فقد قفز إنتاج النفط من 1.5 إلى 2 مليون برميل يومياً في عام 2003 إلى أكثر من 6 ملايين برميل حالياً، مع توقعات بتجاوز 8 ملايين برميل بحلول عام 2030. وقد تم التعامل مع الديون الهائلة التي ورثتها البلاد آنذاك، والتي بلغت حوالي 860 مليار دولار، والتي كان من الممكن أن تتفاقم بشكل كبير، كما تم إعادة بناء البنية التحتية، رغم أنها لا تزال قيد الإنشاء، بشكل مطرد.
مع ذلك، ورغم كل هذا التقدم، فقد تطلب دور الجابر تضحيات شخصية جسيمة. فقد انخرط بكل حماس في خطط طموحة لإعادة إعمار العراق، معتبراً إياها فرصة لبناء شيء دائم – أشبه بخطة مارشال حديثة للبلاد. وشملت رؤيته استثمارات ضخمة في البنية التحتية: المطارات، والموانئ، والطرق، وشبكات الطاقة، وغيرها. كان حجم المشروع هائلاً – إذ تجاوزت قيمته 300 مليار دولار – وحظي بدعم شخصيات بارزة مطلعة على تفاصيله، من بينهم الجنرال ديفيد بترايوس، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي، والرئيس الأسبق برهم صالح.
لكن المشروع انهار في حوالي عام 2007. فقد أدى الرفض الإقليمي، لا سيما من دول الجوار كسوريا تحت حكم الأسد آنذاك، بالإضافة إلى الانسحاب الأمريكي السريع، إلى إجهاض الزخم. لم ينجح المشروع برمته، وتكبد الجابر خسائر بمليارات الدولارات نتيجة لذلك. والأهم من ذلك، أنه خرج خالي الوفاض – لا عقود، ولا أرباح، ولا مكاسب شخصية من التغييرات التي شهدها العراق. وهذا أمرٌ مُسلّم به في أوساط الحكومة العراقية، وكذلك في الأوساط البريطانية والأمريكية.
كان التزامه دائمًا قائمًا على المبدأ: المساعدة في استعادة استقلال العراق وازدهاره، حتى لو تطلب ذلك تحمله شخصيًا. ويعتقد الجابر اليوم أن العراق قد تجاوز نحو 70% من صراعاته التي أعقبت عام 2003، مستعيدًا كرامته الحقيقية، وثروته، وقدرته على اتخاذ قراراته بنفسه. وقد ساهم دعمه المبكر والثابت في تشكيل نظرة المجتمع الدولي إلى إمكانات العراق.
في بعض تقييمات الاستخبارات الغربية، وُصف بأنه “عقل استثنائي” لبصيرته ومثابرته. في منطقةٍ غالبًا ما تُهيمن فيها المصالح الشخصية والانتهازية، يبرز مسار الشيخ محمد بن عيسى الجابر. لم يكن يسعى وراء المكاسب، بل كان مؤمنًا راسخًا بحق العراق في مستقبل أفضل، مستعدًا لتحمل خسائر فادحة في سبيل الدفاع عن هذا المبدأ. تُذكّرنا قصته بماهية القناعة الحقيقية، حتى عندما تكون الصعاب والتكاليف باهظة.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..