سلطنة عمان تحتفل باليوم العالمي للسرطان .. ومحاربوه يرون قصص هزيمة المرض
تاريخ النشر: 3rd, February 2026 GMT
تحتفل سلطنة عُمان غدًا الأربعاء باليوم العالمي للسرطان، الموافق 4 فبراير من كل عام، لتسليط الضوء على المرض ورفع الوعي المجتمعي حوله، مع التركيز على الجوانب الإنسانية والتجارب الشخصية للمرضى وأسرهم، إلى جانب جهود الكوادر الطبية المتخصصة.
وأوضحت الدكتورة ديمة إسماعيل، اختصاصية أمراض الدم وأورام الأطفال، أن السرطان هو اضطراب خلوي يؤدي إلى نمو غير متحكم فيه للخلايا الشاذة، ما يحل محل الخلايا الطبيعية ويعيق أداء وظائفها الحيوية، مشيرةً إلى أن هذا المرض يُعد من أبرز التحديات الصحية العالمية.
وأشارت الدكتورة ديمة إلى أن أكثر أنواع السرطان شيوعًا بين الأطفال تشمل أورام الدم (اللوكيميا)، تليها أورام الدماغ والجهاز العصبي، مع ملاحظة أن نسب الإصابة بين الذكور والإناث متقاربة، وأن بعض الأنواع تصيب الأطفال في أعمار محددة، مثل أورام الكلى والأرومة العصبية للأطفال تحت سن الخامسة، بينما تصيب أورام العظام والغدد اللمفاوية المراهقين أكثر.
وأوضحت أن أسباب سرطان الأطفال غالبًا غير واضحة، وقد يكون هناك في حالات نادرة سبب وراثي أو جيني، مشددة على أن الوقاية المباشرة غير ممكنة، لكن التغذية الجيدة والالتزام باللقاحات يعززان من مناعة الطفل ويساهمان في الوقاية من أمراض أخرى قد تؤثر على صحته العامة.
وحثت الاختصاصية أولياء الأمور على الانتباه للأعراض المبكرة، مثل التعب الشديد والمستمر، وفقدان الوزن غير المبرر، والكدمات المتكررة، والصداع المستمر مع القيء، أو التورم غير الطبيعي في أي جزء من الجسم، موضحة أن الاكتشاف المبكر يلعب دورًا حاسمًا في نجاح العلاج وتحسين فرص الشفاء. وأضافت أن أي شكوى ألم متكررة يجب التعامل معها بجدية، وعدم الاكتفاء بتبريرها بأن الطفل يبالغ أو يسعى لجذب الانتباه، خاصة إذا أثرت على النوم أو التغذية أو الأنشطة اليومية.
محاربو السرطان: قصة ألم وأمل
وجهت الدكتورة ديمة إسماعيل، اختصاصية أمراض الدم وأورام الأطفال، رسالة لمحاربي السرطان وأسرهم قائلة: «إلى كل طفل شجاع يحارب السرطان، أنت بطل حقيقي، لست وحدك، فنحن معك لنكمل الرحلة سويًا حتى الشفاء. وإلى كل أم وأب يسهرون خوفًا على أطفالهم، نحن نُقدّر ما تمرون به، فالصبر والدعاء والالتزام بالعلاج سيؤتي ثماره. كونوا أقوياء، فطفلكم يستمد منكم الأمل، والطب قد تطور، ونسب الشفاء عالية جدًا وتتجاوز 90%.»
رحلة إسحاق: تحدٍّ وأمل
تحكي رحمة الشيدية، أم الطفل إسحاق، عن رحلة ابنها الطويلة مع المرض بقولها: «بدأت معاناة طفلي منذ عامه الأول، حيث لاحظنا خمولًا وتعبًا غير طبيعي، بالإضافة إلى انتفاخ رأسه. أُرسل إلى مستشفى خولة، وتم إجراء عملية تصريف بالأنبوب وإزالة ورم في الدماغ. في ظل جائحة كوفيد-19، كان الوضع صعبًا وتم نقله إلى العناية المركزة قبل العودة إلى المنزل».
وأضافت: «لاحقًا ظهرت أعراض جديدة على إسحاق، منها الحمى الشديدة والتشنجات وتغير لون الجلد، فتم نقله إلى المستشفى السلطاني، حيث اكتشفنا تحرك مسار أنبوب التصريف إلى الكبد بدلًا من المعدة، وتم حل المشكلة. بعدها بدأ العلاج الكيميائي لمدة ستة أشهر، مع كل التعب والألم والسهر، وبفضل الله اكتمل العلاج وواصلنا رحلة العلاج في الهند، شملت سحب النخاع وزراعة ناجحة له، إضافة إلى متابعة العلاج الكيميائي والإشعاعي عند عودتنا إلى سلطنة عُمان».
واختتمت الشيدية حديثها قائلة: «على مدار أربع سنوات، استمرت رحلة العلاج الشاقة، تضمنت جلسات العلاج الطبيعي والتعامل مع مضاعفات مثل مرض الربو. والحمد لله، تماثل إسحاق للشفاء جزئيًا، وكل هذا لم يكن ممكنًا لولا جهود الكادر الطبي المبذولة والمتابعة الدقيقة التي تلقاها ابني».
هذه القصة الإنسانية تبرز صمود الأطفال وحرص الأهل، وتسلط الضوء على أهمية التشخيص المبكر، والالتزام بالعلاج، والدعم الطبي المستمر، لتجعل من رحلة المرض رحلة أمل وفرصًا للشفاء.
ملائكة الرحمة ورحلة العلاج
تروي الممرضة مريم الحارثية تجربتها في رعاية أطفال السرطان بالمستشفى السلطاني قائلة: «بين أروقة جناح أمراض الدم والأورام للأطفال، تجمعنا نحن طاقم التمريض علاقة دافئة أشبه بحضن العائلة. نقضي أيام العلاج مع المكافحين لأشهر وسنوات بصدر رحب وقلب مليء بالمشاعر، تتخللها دموع الفرح أحيانًا والحزن أحيانًا أخرى عند فقدان أحد أبطالنا الصغار. في لحظة التشخيص، نكون الحضن المطمئن للأم، نحتويها بالكلمات الإيجابية والتشجيع لإكمال رحلة العلاج، ونكون السند للأب التائه بأسئلته المليئة بالقلق مثل: كيف سيكون ابني؟ وهل سيتم علاجه؟ وما تأثير العلاج الكيميائي؟»
وأضافت الحارثية: «في زوايا هذا الجناح، تُكتب قصص مؤثرة للشجعان. قصص مثل قيس الذي يطمئن والده قائلًا: "أبي أنا قوي مثلك، سأتعافى قريبًا لأنك معي"، أو حين يتحمل الانتكاسة الثالثة بابتسامة مشرقة ويقول: "أنا بخير". وفي المقابل، هناك لحظات حزينة حين نفقد طفلًا لم يرَ ضوء الحياة بعد، أو عندما تصرخ طفلة صغيرة من ألم الأنيميا: "سستر ساعديني، أنا طفل ما أقدر أتحمل".»
وتابعت: «من أشد المواقف التي استوقفتني مؤخرًا، خلال مناوبتي الليلية في قسم الأورام، كانت مع الأم الشجاعة والصابرة لأطفالها توأم (أربع وخمس سنوات). طفلتها الأولى تتلقى العلاج الكيميائي، والثانية عادت مؤخرًا من الهند بعد إزالة ورم خبيث. وبأسلوب فكاهي، سألت كيف ستفرق بينهما عند إعطاء الدواء؟ أجابت: "الأولى بشعر، والثانية بدونه". شعرت بالقشعريرة من صبرها وقوة قلبها، ورغم شدة الموقف، لم تفقد ابتسامتها».
واختتمت الحارثية حديثها بتوجيه نصائح لممرضي الأطفال قائلة: «طبطبوا على الأطفال، فأنتم اليد الحانية لهم وقت الشدة. تحلوا بالصبر والقوة في تقبل أي سلوك نابع منهم، ولا تقارنوا بينهم، فلكل منهم طاقته الخاصة. نصف العلاج يكمن في تغيير نفسية الأطفال للأفضل. دعم مرضى السرطان، وتعزيز الوعي بالكشف المبكر، وتكاتف الجهود الصحية والمجتمعية، يمثل حجر الأساس لتقليل معاناة المرضى ورفع فرص الشفاء».
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: العلاج الکیمیائی رحلة العلاج
إقرأ أيضاً:
أميمة بنت علي الراشدية
كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.
ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!
قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.
لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.
لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.
في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".
غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.
المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.
لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!
كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.
لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.