بين الفيضانات والإجلاء القسري.. عربي21 ترصد تفاصيل كارثة إنسانية بالمغرب (شاهد)
تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT
لم يكن طارق، الشاب الثلاثيني، يتخيّل يوما أنّ خروجه من مدينة القصر الكبير سيأتي بهذه السرعة، ولا أن يتحول قرار احترازي إلى تجربة نزوح قسري قصيرة الأجل، لكنها مفتوحة على كل الاحتمالات.
في ساعات متأخرة من ليل الأحد 1 شباط/ فبراير، وتحت ضغط التحذيرات من ارتفاع منسوب المياه، حمل طارق أطفاله ووثائق أسرته، واحتياجاته الضرورية، وغادر منزله متّجها نحو مدينة تطوان، حيث تقيم عائلته، بحثا عن مأوى يقيهم خطرا داهما.
في بيت العائلة بتطوان، لا يبدو طارق مطمئنا كما يُفترض لمن نجا من الخطر المباشر. يتابع نشرات الطقس بدقّة، يتفقد هاتفه باستمرار، ويعيد قراءة أخبار مدينته التي أُفرغت من سكانها في ظرف وجيز.
يروي طارق لـ"عربي21": "خرجنا لكي نحمي أولادنا، ولكن الخوف لم ينتهي صراحة؛ أخاف من تكرار المعاناة هنا، أو أن يطول هذا الوضع أكثر، خاصّة وأنّ شهر رمضان على الأبواب".
هذا القلق، كما يؤكد طارق، لم يعد شعورا فرديا معزولا، بل حالة جماعية أصبحت تسيطر على وجدان سكّان القصر الكبير الذين أُجبروا على مغادرة المدينة، وتوزّعوا بين بيوت الأقارب، ومراكز الإيواء المؤقتة، ومدن مجاورة، في مشهد نزوح داخلي فرضته ظروف استثنائية.
وباشرت السلطات المغربية، منذ يوم الإثنين، عملية إجلاء واسعة شملت أكثر من 50 ألف شخص، أي ما يقارب نصف سكان مدينة القصر الكبير شمال غرب البلاد، بعد تهديد فيضانات غير مسبوقة بإغراق أحياء كاملة؛ فيما أخبر مسؤول محلي "عربي21" أنّهم: "يفكّرون اليوم الثلاثاء في عملية إجلاء سكّان كامل المدينة دون استثناء".
ونشر الجيش وحدات إنقاذ وشاحنات ومعدات وطواقم طبية لدعم عمليات الإجلاء، كما تم نقل السكان من المدينة بالحافلات. فيما أقامت السلطات ملاجئ ومخيمات مؤقتة ومنعت الدخول إلى قصر الكبير مع ارتفاع منسوب المياه في نهر لوكوس الذي غمر عدة أحياء؛ مع قطع الكهرباء عن أجزاء منها، وصدور أوامر للمدارس باستمرار الإغلاق حتى يوم السبت.
عرض هذا المنشور على Instagram تمت مشاركة منشور بواسطة 2mtv (@2mtv)
مدينة أُفرغت..
خلال الأيام القليلة الماضية، عاشت مدينة القصر الكبير المدينة، الواقعة على بعد نحو 190 كيلومترا شمال العاصمة المغربية، الرباط، على إيقاع متصاعد لحالة الطوارئ، فرضتها تساقطات مطرية غزيرة ومتواصلة، تزامنت مع بلوغ سد وادي المخازن مستويات حرجة تجاوزت عتبة الأمان. ومع ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس، اتخذت السلطات المحلية قرارا بإخلاء الأحياء السكنية، ومنع الدخول إلى المدينة، مع السماح فقط بالمغادرة، في إجراء وصف بالوقائي والاحترازي لغرض حماية الأرواح.
ولم يكن الفيضان مجرد حدث، بل خسارة مباشرة لأثاث المنازل، والمحاصيل، وذكريات عائلية جرفها الماء في دقائق، في أحياء كثيرة بالمدينة، مثل: سيدي الكامل، عزيب الرفاعي، البوعناني، الأندلس، المرينة، الأمل، الشروق، الضحى وأخرى..
وكان رئيس المجلس الجماعي لمدينة القصر الكبير، محمد السيمو، قد دعا خلال كلمة ميدانية وجّهها إلى ساكنة مدينة القصر الكبير، إلى الإخلاء الفوري للمدينة، محذّرا من وضعية مائية حرجة جرّاء تجاوز منسوب المياه الداخلة إلى سد وادي المخازن لقدرته التصريفية.
القرار الاحترازي الصارم، الذي أفرغ المدينة من ساكنتها، حوّل القصر الكبير بين ليلة وضحاها إلى فضاء شبه معزول، وهو ما تداوله رواد مواقع التواصل الاجتماعي، برصد صورا ومقاطع فيديو لشوارع مغلقة، متاجر موصدة، مدارس معلّقة، وانقطاع للكهرباء عن أجزاء واسعة، في وقت لم تتضح فيه بعد المدة المتوقعة للإجلاء، ولا السيناريوهات المحتملة لما بعد ذلك.
ووفق معطيات رسمية، فإنّ سد "وادي المخازن" بلغ طاقته الاستيعابية القصوى، ما اضطر وكالة الحوض المائي إلى فتح بوابات السد لتصريف المياه الفائضة، ما رفع صبيب الوادي إلى مستويات غير مسبوقة. إذ يتم الحديث اليوم بالنسبة للسلطات المحلية، عن: "إمكانية بلوغ الصبيب 1500 متر مكعب في الثانية، ما يعني ثلاثة أضعاف المعدلات التي غمرت أحياء المدينة سابقا، مع احتمال وصول منسوب المياه إلى 5 أمتار في بعض المناطق المنخفضة".
إلى ذلك، يرتقب أن تعيش المدينة اليوم الثلاثاء وغدا الأربعاء، ما وصف بـ"أسوأ اللحظات في تاريخها" جرّاء توقعات بلوغ التساقطات ذروتها بأقاليم العرائش ووزان وشفشاون، وهي التي تصبّ كلّها في السد الذي تجاوزت نسبة ملئه 140 بالمائة وبات مصدر تهديد حقيقي للمدينة والمناطق القريبة منها.
كذلك، ما زاد من تخوّف عدد من السكان هو أن خيم الإيواء التي أقامتها السلطات خلال الأيام القليلة الماضية، لم تعد صالحة لاستقبال المتضررين، لتصبح بدورها عاجزة عن حماية المقيمين فيها من التهديد المتزايد للفيضانات، إذ شرعت السلطات بشكل مستعجل في إخلاءها، ونقل من كان فيها عبر حافلات إلى مراكز بمدينة الفنيدق.
ورصدت "عربي21" جُملة من الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق بالصور والصورة، مضاعفة معاناة سكان البوادي، من هذه الأزمة الكارثية الإنسانية، منها غياب الأعلاف وكلأ الماشية، في ظلّ انتظار تحرك حكومي يهدف إلى دعم الفلاحين.
عرض هذا المنشور على Instagram تمت مشاركة منشور بواسطة ???? مولأجيتصور ???? (@kamalbenjelil.official)
بين الضرورة والكلفة الاجتماعية
لا يشكك طارق، ولا غيره من السكان، في أهمية القرارات الوقائية حين يتعلق الأمر بحماية الأرواح. غير أن الإشكال، في نظرهم، يكمن في غياب رؤية اجتماعية واضحة ترافق هذه القرارات. فالإجلاء، كما يقول، رغم أنّه أرفق بخيم الإيواء التي وفّرتها السلطات المحلية، والتي اضطرّ إليها من لم يجد أين يذهب، إلاّ أنّه لم يُرفق بضمانات اقتصادية أو اجتماعية تحمي الأسر من الانزلاق السريع نحو الهشاشة.
طارق، الذي يشتغل في عمل تجاري غير قار داخل القصر الكبير، وجد نفسه فجأة بلا مصدر دخل، وبلا منزل، وبمسؤوليات مضاعفة تجاه أسرته. قال في حديثه لـ"عربي21": "الدار تسدّات (أُقفلت)، الخدمة وقفات، والمصاريف كيزيدو"، مردفا في الوقت نفسه: "طبعا لا أنكر أنّ الإجلاء كان ضروري، وأنّ حياتنا أهم، ولكن المعاناة قد بدأت، نسأل الله اللطف والسلامة".
وفي تحديث مستجد لنشرتها الإنذارية، قامت مديرية الأرصاد الجوية صباح اليوم الثلاثاء 03 شباط/ فبراير، برفع مستوى اليقظة إلى "اللون الأحمر" في عدد من الأقاليم الشمالية، بينهم شفشاون وتطوان؛ كما حذّرت من استمرار الأجواء غير المستقرة بعدد من مناطق المملكة، إثر توافد اضطرابات جوية نشطة ستؤدي إلى أمطار مهمة أحيانا رعدية، ورياح قوية، وانخفاض ملحوظ في درجات الحرارة، مع تساقطات ثلجية فوق المرتفعات.
وشملت النشرة الإنذارية مناطق واسعة كانت قد أعلنتها المديرية أمسِ بـ"مستوى يقظة برتقالي"، إذ من المرتقب هطول أمطار تتراوح ما بين 60 مليمترا و100 مليمتر في كل من: المضيق، الفنيدق، طنجة، أصيلة، وزان، العرائش، فحص أنجرة، الحسيمة وتاونات، من منتصف نهار اليوم الثلاثاء إلى الحادية عشرة ليلا من يوم غد الأربعاء، بتوقيت المغرب.
كراء تحت الضغط.. حين تُستغل الأزمات
مع انتقال مئات الأسر إلى مدن مجاورة مثل تطوان والعرائش ووزان وشفشاون، رصدت "عربي21" بروز إشكالية حادّة تتعلق بالكراء المؤقت. محمد (شاب عشريني رفقة أخته ووالديه) مثل كثيرين، بدأ يفكر في استئجار منزل يضمن لأسرته بعض الخصوصية والاستقرار، غير أن الواقع اصطدم به سريعا.
"الأسعار ارتفعت بشكل صاروخي" روى محمد لـ"عربي21" مؤكّدا أنّ: شققا كانت تُعرض بمبالغ معقولة قبل الأزمة، باتت اليوم خارج متناول الأسر المتضررة. وأضاف: "هناك من يُتاجر في الأزمة، ويرى فيها فرصة للربح، مع أن الناس خرجو مكرهين، ومرغومين، ولا حول لهم ولا قوّة".
هذه الزيادات المفاجئة في أسعار الكراء، أو في بعض المنتوجات الأساسية المهمة في الأزمة، من قبيل الشمع مثلا، أو المواد الغذائية، والتي يؤكدها المتضرّرون أنفسهم وفاعلون محليون عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وضعت الأسر المُجلية أمام خيارات صعبة: إما البقاء في بيوت الأقارب في ظروف اكتظاظ، أو تحمّل كلفة كراء تفوق إمكانياتهم المحدودة، أو البقاء في خيم الإيواء، في وقت توقّفت فيه مصادر دخل كثيرة بشكل شبه كلي.
في خضم هذا الوضع، يوجّه طارق، ومحمد، وغيرهم من الشباب الذين تحدّثوا لـ"عربي21" نداء وصفوه بـ"الأخلاقي" قبل أن يكون اجتماعيا، بالقول: "هاذا ليس وقتا للرّبح المادي، بل فرصة للرّحمة والتعاون"، معتبرين أنّ: "ما تعيشه القصر الكبير ليس مجرد أزمة عابرة، بل كارثة إنسانية لا يد للناس فيها، وممكن أن تهدّد أي مدينة أخرى".
"اليوم أنا، وغدا يمكن أي شخص آخر" بهذه الكلمات اختصر المتحدّثين لـ"عربي21" شعورا عاما لدى فئة واسعة من المُجلين، ممّن يرون أن التضامن المجتمعي بات خط الدفاع الأول في مواجهة هشاشة الواقع.
أيضًا، باشرت السلطات المحلية بمدينة تطوان، بتنسيق مع مختلف المصالح المختصة، تنفيذ عمليات إجلاء احترازية شملت سكان عدد من الأحياء القريبة من واد المحنش، وذلك في ظل الارتفاع المتواصل لمنسوب مياه الوادي وما يرافقه من مخاوف من تفاقم الوضع. ويأتي هذا الإجراء في إطار مقاربة استباقية لحماية الأرواح وضمان سلامة الساكنة، خاصة القاطنين بالمناطق المحاذية للوادي، وعلى رأسها أحياء المحنش وكويلما وموكلاتة.
ولأجل سلامة التلميذات والتلاميذ، وكذا الأطر التربوية والإدارية وعموم المرتفقين، قرّرت مديريات عمالة المضيق الفنيدق ومديرية تطوان ووزان والفحص أنجرة، بتنسيق مع السلطات الإقليمية ومديرة الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، تعليق الدراسة يومي الثلاثاء والأربعاء، كإجراء احترازي فرضته التطورات المناخية المسجلة.
المجتمع المدني.. أي حضور؟
في مقابل هذا الواقع الإنساني الذي يوصف بكلمات مثل: "الصعب والمأساوي"، برز دور ملحوظ لعدّة مبادرات من المجتمع المدني، التي حاولت، بجلّ إمكانياتها، التخفيف من وطأة الأزمة. جمعيات محلية ومتطوعون انخرطوا في توفير مساعدات غذائية، ومواكبة نفسية، ومحاولات لإيجاد حلول إيواء مؤقتة للأسر الأكثر.
رئيسة جمعية "يلاه نتعاونو"، نوال الفيلالي، واحدة من الفاعلين في هذه الأزمة الإنسانية، سخّرت حسابها على موقع التواصل الاجتماعي "إنستغرام" إلى جانب شبكة الجمعية، للتّجاوب المُتسارع مع تطورات الوضع في القصر الكبير. فمنذ الساعات الأولى، عملت على حثّ السكان على الاستجابة لنداءات السلطات ومغادرة المناطق المهدّدة، مع توثيق الحاجة العاجلة للإجلاء، والمساهمة في التنسيق الميداني لنقل الأسر نحو مراكز الإيواء أو إلى مدن مجاورة، عبر توفير وسائل نقل مجانية للمتضررين.
https://www.instagram.com/reel/DUQZyzIiJCa/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=MzRlODBiNWFlZA==
دور الجمعية نفسها لم يقتصر على الإخلاء، بل امتد إلى إرسال وجبات الطعام والمساعدات الأساسية إلى خيم الإيواء، في محاولة للتخفيف من وطأة المعاناة اليومية للأسر المُجلية. وفي الوقت ذاته، لم تتردّد الفيلالي في توجيه انتقادات مباشرة لما وصفته بـ"تجارة الأزمات"، معتبرة أنّ: استغلال هشاشة المتضررين ورفع أسعار الكراء أو الخدمات في هذا الظرف الاستثنائي يشكّل مساسا بالقيم الإنسانية، وداعية إلى تغليب منطق التضامن والرحمة في مواجهة كارثة لا يد للناس فيها.
وفي السياق ذاته، برزت مبادرات مدنية أخرى عكست حضور روح التضامن في مواجهة ثقل الأزمة. أميمة أكدي، رئيسة جمعية "نبراس"، أقدمت رفقة أعضاء الجمعية ومتطوعين، إلى إرسال مساعدات أساسية لفائدة سكان القصر الكبير المتوجّهين نحو مراكز الإيواء، شملت مواد غذائية ولوازم ضرورية لمواجهة الأيام الأولى من الإجلاء.
هذه المبادرات، التي جاءت في وقت حرج، رمت إلى سدّ جزء من الحاجيات الملحّة للأسر التي غادرت بيوتها على عجل، دون استعداد مسبق. وبموازاة ذلك، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حركية لافتة، إذ بادر عدد من النشطاء ورواد هذه المنصات لإبراز قيم التعاون والتكافل، عبر الدعوة إلى تقديم الدعم والمساعدة، فيما أعلن بعضهم عن توفّر منازل أو شقق في عدد من المدن المغربية، قادرة على إيواء أسر متضررة، إما بأسعار رمزية أو بالمجان، في محاولة جماعية للتخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية.
https://www.instagram.com/reel/DUQswh_CFBi/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=MzRlODBiNWFlZA==
أزمة تتجاوز حدود القصر الكبير
ما تعيشه القصر الكبير، بحسب متابعين، ليس حادثا معزولا وإن كان الأقسى من نوعه، بل مؤشّر على تحديات أعمق ترتبط بتغيّر المناخ بعد سنوات من الجفاف، مقابل استمرار اعتماد مقاربات تدبيرية ظرفية لا تستحضر الكلفة الاجتماعية بشكل كاف، حيث أبرز عدد من المتحدّثين لـ"عربي21" أنّه: "في غياب استثمارات كافية في التأهيل الحضري، وإدماج البعد الاجتماعي في خطط الطوارئ، تتحول الكوارث الطبيعية من أحداث استثنائية إلى أزمات إنسانية".
https://www.instagram.com/reel/DUQ5Gj7iFKR/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=MzRlODBiNWFlZA==
رئيسة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، نجوى كوكوس، طالبت الحكومة المغربية التي يترأسها عزيز أخنوش، بـ"التدخل الفوري لحماية ضحايا الفيضانات"؛ مؤكّدة في كلمة لها خلال أشغال الدورة الـ31 للمجلس الوطني للحزب على: "أهمية إقرار تعويضات للمتضررين جراء هذه التقلبات المناخية".
من جهته، القائد المنتدب للحامية العسكرية لمنطقة طنجة- العرائش، هشام الجيراوي، قال عبر تصريح رسمي لوكالة المغرب العربي للأنباء: "تنفيذا للتعليمات الملكية، تم تسخير مجموعة من الوحدات، المتخصصة في مجال الإنقاذ والإغاثة والدعم اللوجستيكي والتطبيب، وذلك من أجل دعم ومساعدة الساكنة المتضررة، وهذا بالتعاون مع جميع السلطات المحلية المتواجدة في عين المكان".
وبالتوازي مع التدخلات الميدانية، يذكر أنّ مقر وزارة الداخلية بالرباط، عرف اجتماعا للجنة الوطنية لليقظة، بحضور وزراء ومسؤولين من مختلف القطاعات، خُصّص لتتبع تطورات الوضع بالقصر الكبير، وتنسيق التدخلات. مع استعراض التدابير المتخذة لاحتواء ارتفاع منسوب مياه وادي اللوكوس ووادي سبو والمجاري المرتبطة بهما، والحد من اتساع رقعة المناطق المتأثرة بالغمر، وتقليص الانعكاسات المحتملة على السكان والممتلكات والبنيات.
وشدّد البلاغ الرسمي، على "التعبئة القصوى"، و"التنسيق المحكم"، و"الجاهزية للتدخل الفوري"، كما ثمّن في الوقت نفسه، التعليمات الملكية القاضية بتدخل القوات المسلحة الملكية لدعم الساكنة المتضررة. لكن، وبين لغة البلاغات وواقع الأحياء الغارقة، ظلّ سؤال أساسي، يتم تداوله على نحو واسع، خاصة على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي: لماذا لم تُعلن المدينة منطقة منكوبة؟
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية القصر الكبير المغربية فيضانات كارثة إنسانية المغرب فيضانات كارثة إنسانية القصر الكبير المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة مواقع التواصل الاجتماعی مدینة القصر الکبیر السلطات المحلیة الیوم الثلاثاء منسوب المیاه ارتفاع منسوب عدد من من الم
إقرأ أيضاً:
الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
بينما تتخذ روسيا موقعا بين إسرائيل وإيران اليوم، يجد مراقبون صعوبة في فهم سياساتها المتناقضة. فهي تحتفظ بشراكة إستراتيجية مع طهران، وتعمق التعاون العسكري والاقتصادي في السنوات الأخيرة، وتحافظ على علاقات وثيقة بسوريا، وتتحدى باطراد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، ورغم ذلك، حافظت موسكو على قنوات اتصال بإسرائيل، وتعرض وساطتها دوريا بين تل أبيب وإيران، وتتجنب اعتبار إسرائيل خصما غربيا آخر.
يقول جون ميرشايمر وبول غرينييه، اللذان فتحا مؤخرا ملف الدور السوفياتي في إقامة إسرائيل، قد يبدو هذا متناقضا للبعض، لكنه ليس كذلك. وتكمن الإجابة في إحدى أكثر حلقات الجغرافيا السياسية غرابة بالقرن العشرين، حين لعب السوفيات دورا حاسما في قيام إسرائيل.
مفارقة جيوسياسية كبرى
تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية. فقد دافع الدبلوماسيون السوفيات عن تقسيم فلسطين بالأمم المتحدة، وقدمت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات آنذاك، الخبراء والأسلحة التي أدت لصمود إسرائيل في حربها الأولى، وكان السوفيات من أوائل الحكومات التي اعترفت بالدولة الجديدة.
يكشف فهم هذا التاريخ المنسي اختلافا جوهريا بين النظامين السياسيين السوفياتي والأمريكي. ففي أمريكا، نشأت خلال عقود منظومة قوية من جماعات المصالح ومنظمات المناصرة وشبكات الضغط، شكلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وأصبحت منظمات -مثل "أيباك"– جهات فاعلة مؤثرة في النظام الأمريكي، لتصبح سمة راسخة في السياسة الأمريكية. واليوم، تمارس "أيباك" وأمثالها نفوذا كبيرا في مؤسسات الحكومة الأمريكية.
لم يكن ممكنا ظهور حالة مماثلة في الاتحاد السوفياتي، فالدولة لم تتسامح مع أي مراكز مستقلة للسلطة السياسية. ولم تكن المؤسسات الدينية والمنظمات الإثنية والجمعيات المدنية واللوبيات موجودة إلا في حدود خدمة أهداف الحزب. شغل اليهود السوفيات مناصب بارزة بالحكومة والعلوم والثقافة والجيش، لكن لم يكن ممكنا وجود بنية تحتية سياسية يهودية مستقلة ومؤثرة في سياسة الدولة خارج الحزب الشيوعي.
إعلانأثبت هذا التمايز أهميته. لفترة وجيزة، اعتقد ستالين أن إسرائيل يمكن أن تصبح شريكا جيوسياسيا مفيدا، وربما دولة اشتراكية. لكن عندما أدى قيام إسرائيل لمظاهر هوية يهودية قومية واضحة داخل الاتحاد السوفياتي، سرعان ما انقلبت حماسة موسكو شكا وريبا.
فالدولة السوفياتية التي ساعدت في إنشاء إسرائيل ستبدأ لاحقا بتفكيك المؤسسات اليهودية، واعتقال يهود بارزين، وشن حملات "معادية للسامية" طبعت سنوات حكم ستالين الأخيرة. هذه القصة ليست مجرد تاريخ قيام إسرائيل، بل قصة تنافس القوى العظمى، وسوء تقدير إستراتيجي، ومفارقة جيوسياسية كبرى في بدايات الحرب الباردة.
تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية
الصهيونية سلاح ضد بريطانيا
لفهم أسباب دعم ستالين للتقسيم، يشير ميرشايمر وغرينييه لأهمية فهم تدهور موقف بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.
بحلول عام 1945، وجدت بريطانيا نفسها في مأزق. فقد بات الانتداب البريطاني على فلسطين متعثرا، وواجهت لندن ضغوطا متزايدة من المجتمعين العربي واليهودي، بينما كانت تعاني استنزافا اقتصاديا حادا عقب الحرب. وتطلب الحفاظ على موقف بريطانيا عشرات آلاف الجنود وموارد مالية هائلة بينما بدأت الإمبراطورية بالانكماش.
جاء التحدي الأبرز من المنظمات اليهودية السرية. فقد باتت الهاغاناه، والإرغون (إتسل)، وليحي (عصابة شتيرن) ترى بريطانيا -وليس العرب- العقبة الرئيسية أمام قيام دولة اليهود. ورغم اختلاف هذه المنظمات الكبير أيديولوجيا وتكتيكيا، فإنها تعهدت معا بشن حملة أوسع لجعل الحكم البريطاني غير قابل للاستمرار.
وقع الهجوم الأشهر في 22 يوليو/تموز 1946، عندما فجر عناصر الإرغون فندق الملك داود بالقدس، حيث مقر الإدارة البريطانية والقيادة العسكرية. وأسفر عن مقتل 91 شخصا. صدم الهجوم بريطانيا، وأظهر تفاقم صعوبة استمرار الانتداب البريطاني.
خلال الفترة بين 1945 و1947، هاجمت جماعات يهودية سرية منشآت عسكرية بريطانية، وسكك حديدية، ومراكز شرطة، ومحطات رادار، وبنية تحتية بأنحاء فلسطين. وتعرض جنود بريطانيون لكمائن، واختطفوا، وأعدموا. لم يكن الأثر التراكمي هزيمة عسكرية، بل استنزافا سياسيا.
لم يغب هذا التطور عن أنظار موسكو. فمن منظور ستالين، باتت الحركة الصهيونية أداة ضد أحد أهم مواقع الإمبراطورية البريطانية بالشرق الأوسط. أدرك القادة السوفيات أن التقسيم سيسرع انسحاب بريطانيا، ويزيل ركنا أساسيا للنفوذ البريطاني.
وكما لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى. يرجح أن ستالين توقع أن يكون لانسحاب بريطانيا من فلسطين تداعيات واسعة بالمنطقة.
فقد احتفظت لندن آنذاك بمواقع عسكرية رئيسية بمصر (قناة السويس)، والعراق، والأردن (الفيلق العربي)، والخليج. وساد اعتقاد بأن انسحاب بريطانيا من فلسطين يسرع ترسيخ فكرة تراجع الإمبراطورية بمناطق أخرى.
إعلانهدف ستالين.. إضعاف بريطانيا بالشرق الأوسط
جاء أوضح تعبير علني عن سياسة السوفيات من نائب وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو. ففي خطابه أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بفلسطين في 14 مايو/أيار 1947، ألقى غروميكو أحد أهم الخطابات بتاريخ الشرق الأوسط الحديث. وفي إشارة للمحرقة قال:
"إن عجز أي دولة من دول أوروبا الغربية عن ضمان الحقوق الأساسية للشعب اليهودي وتأمينه من عنف الجلادين الفاشيين يفسر تطلع اليهود لإقامة دولتهم الخاصة".
يستشهد كثيرا بهذا التصريح كدليل تعاطف السوفيات مع قيام دولة يهودية. لكن الجانب الأهم للخطاب تمثل بتأييد غروميكو للتقسيم إذا ثبت استحالة تعايش العرب واليهود بدولة واحدة. ومثّل هذا تحولا جذريا عن السياسة السوفياتية السابقة، وأشار لاستعداد موسكو لدعم حل سياسي يعجل برحيل بريطانيا عن فلسطين.
لاحقا، صوت السوفيات لصالح قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، رقم (181) في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. بالنسبة لموسكو، لم يكن التقسيم مجرد استجابة إنسانية لمعاناة اليهود، بل أداة جيوسياسية تهدف لتسريع انسحاب بريطانيا من فلسطين وإضعاف نفوذها بأنحاء الشرق الأوسط.
على المدى القصير، نجح ستالين! أنهت بريطانيا الانتداب وانسحبت. وعلى المدى البعيد، أسفرت هذه الإستراتيجية عن إحدى مفارقات القرن العشرين الجيوسياسية الكبرى، لتصبح الدولة التي سهلت موسكو إقامتها أقرب الحلفاء لأمريكا بالشرق الأوسط.
لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى
المفاجأة الأمريكية والسجلات الأرشيفية
يكشف أرشيف العلاقات الخارجية الأمريكية (FRUS) كيف تفاجأ صناع السياسة الأمريكيون بالدعم السوفياتي. فقد افترض مسؤولون بالخارجية الأمريكية أن موسكو تعارض القومية خارج السيطرة الشيوعية. وخشي البعض أن يستخدم الكرملين الدولة اليهودية الجديدة كأداة لتعزيز النفوذ السوفياتي بالمنطقة.
ويظهر الأرشيف نقاشات مستفيضة داخل إدارة ترومان حول نوايا السوفيات. فقد قلق جورج كينان وآخرون من أن الدعم السوفياتي للتقسيم يعكس مسعى أوسع لتعزيز نفوذ موسكو بالشرق الأوسط.
ووجد الباحثان ميرشايمر وغرينييه مفارقة تاريخية أخرى، إذ خشي المسؤولون الأمريكيون عام 1947 من أن تصبح إسرائيل دولة تابعة للسوفيات. لكن تبين أن الواقع مختلف تماما.
واشنطن تحظر الأسلحة وموسكو تسلح إسرائيل
لم يكن الدعم الدبلوماسي وحده كافيا لضمان بقاء إسرائيل. ففي ديسمبر/كانون الأول 1947، فرضت الولايات المتحدة حظرا على توريد الأسلحة لفلسطين. ورغم أن الهدف كان الحياد، فإن الحظر قيد وصول الأسلحة للقوات اليهودية التي تستعد لما بدا حربا حتمية.
في هذه اللحظة بالذات، تقدم المعسكر السوفياتي. فبواسطة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، سمحت موسكو بشحن كميات كبيرة من البنادق والرشاشات والمدفعية والذخيرة والطائرات. ووفقا لدراسات غابرييل غوروديتسكي ومواد أرشيفية درسها لوران روكر بمشروع التاريخ الدولي للحرب الباردة (CWIHP) التابع لمركز ويلسون، مثلت هذه الشحنات أهم المساهمات الخارجية في بقاء إسرائيل خلال حرب 1948.
ومن أشهر هذه الشحنات طائرات "أفيا إس- 199" "Avia S-199" المقاتلة، التي كانت نسخة مرتجلة من طائرة "ميسر شميت" "Mtesserschmit" الألمانية، لكنها أثبتت أهمية بالغة لسلاح الجو الإسرائيلي الناشئ. لاحقا، أقر رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بأهمية شحنات الأسلحة التشيكية. واستنتج مؤرخون عسكريون إسرائيليون أن هذه الشحنات أدت لتغيير ميزان القوى العسكرية خلال أشهر الصراع الأولى الحاسمة.
إعلانخلق هذا إحدى مفارقات تأسيس إسرائيل. فبينما كانت واشنطن تسعى لمنع التصعيد بفرض حظر، أصبحت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات، المورد الرئيسي لأسلحة القوات اليهودية. ونتج وضع بدا مستحيلا بعد سنوات قليلة فقط. كان ستالين يسلح إسرائيل بينما كانت واشنطن تقيد شحنات الأسلحة.
تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.
تطلع السوفيات لإسرائيل الاشتراكية
تجاوزت حسابات موسكو طرد بريطانيا، واعتقد مسؤولون سوفيات أن الدولة الجديدة في طريقها نحو الاشتراكية. سادت تيارات عمالية التوجه الحركة الصهيونية، وبدا نظام المزارع الجماعية "الكيبوتس" اشتراكيا مثاليا. بل ينحدر قادة إسرائيليون كثر من أوروبا الشرقية، بروابط ثقافية مع التقاليد الاشتراكية. لذلك، اعتقد الكرملين أن إسرائيل ستكون محايدة أو متعاطفة مع السوفيات.
يرى ميرشايمر وغرينييه هذا الافتراض أحد أكبر أخطاء ستالين الإستراتيجية. فقادة إسرائيل رأوا مصالحهم الاقتصادية والأمنية المديدة مع الغرب. ولكن، قبل اتضاح التحول تماما، غيّر حدث استثنائي بموسكو نظرة ستالين لإسرائيل واليهود السوفيات.
غولدا مائير والمعبد اليهودي الذي أثار قلق ستالين
في سبتمبر/أيلول 1948، وصلت غولدا مائير لموسكو كأول سفيرة لإسرائيل. ما تلا ذلك صدم السلطات السوفياتية. في 3 أكتوبر/تشرين الأول، خلال احتفالات رأس السنة العبرية ويوم الغفران، احتشد اليهود السوفيات بعشرات الآلاف حول كنيس موسكو "الكورالي" لتحيتها، وهتفوا "ناشا غولدا" !Our Golda.
في مذكراتها "حياتي"، استذكرت غولدا مائير قائلة: "شعرت وكأنني غارقة في عذاب حب جارف لدرجة أنه سلب أنفاسي وأبطأ نبضات قلبي".
تقدر روايات أن الحشد قارب 50 ألفا. بالنسبة لليهود السوفيات، مثّل قيام إسرائيل لحظة عاطفية عميقة. لكن بالنسبة لستالين، حمل هذا التجمع معنى مختلفا؛ فالدولة السوفياتية تطالب بولاء مطلق. وأبدى الظهور العفوي لتظاهرة جماهيرية حاشدة، تمحورت حول الهوية اليهودية، وجود ولاءات وانتماءات خارجة الحزب الشيوعي.
وبحسب يعكوف روعي، شكل هذا الحدث نقطة تحول نظرة السوفيات للصهيونية. فلم تعد إسرائيل مجرد أداة سياسة خارجية، بل أصبحت مصدرا محتملا للهوية ومصدر إلهام لليهود السوفيات. وقد أزعج هذا الإدراك ستالين بشدة.
دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود
نهاية شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي
تقاطعت واقعة غولدا مائير مع إحدى أغرب المآسي الشخصية بالقيادة السوفياتية. كانت بولينا جيمتشوجينا، زوجة وزير الخارجية السوفياتي فياتشيسلاف مولوتوف، أبرز يهودية سوفياتية، وربما اعتبرت سيدة أولى (غير رسمية) لمكانتها المرموقة لدى النخبة السوفياتية.
ووفقا لمذكرات ودراسات تاريخية لاحقة، التقت بولينا بغولدا مائير خلال زيارتها كسفيرة، ويقال إنها تحدثت معها بحرارة باللغة اليديشية. ويبقى التحقق من تفاصيل هذه الروايات موضع نقاش. أما ما تلا ذلك فلا جدال فيه. فبعد فترة وجيزة، أمر ستالين باعتقالها. وطردت من الحزب الشيوعي ونفيت. حتى مولوتوف لم يستطع حمايتها، وكان سقوطها أحد عوامل سرعة انهيار شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي القصير.
تغير موقف ستالين جذريا بداية الخمسينيات، وتعرضت المؤسسات اليهودية لضغوط متزايدة، واعتقل أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية وأعدموا، واشتدت الحملات ضد ما يسمى بـ"العالميين عديمي الجذور".
ولا يزال المؤرخون يناقشون هل كانت نية ستالين اتخاذ إجراءات أوسع ضد اليهود قبل وفاته في مارس/آذار 1953. لكن الواضح أن قيام إسرائيل، واستقبال غولدا مائير بموسكو، وتزايد مخاوف ستالين من الصهيونية، شكلت مجتمعة جزءا من بيئة سياسية غذت هذه الحملات. فالزعيم ذاته الذي ساعد على قيام إسرائيل بات يرى الصهيونية تهديدا محتملا.
أهمية هذا التاريخ اليوم
في نهاية المطاف، فشلت الإستراتيجية السوفياتية. طردت بريطانيا من فلسطين، لكن إسرائيل لم تصبح شريكا سوفياتيا، بل تطورت كأقرب حليف إقليمي لأمريكا، ومع ذلك، لم يختف إرث هذا التاريخ أبدا.
فقد استقر أكثر من مليون مهاجر من الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية بإسرائيل، وانتشرت بها اللغة والثقافة الروسية، وتربط البلدين روابط اقتصادية وثقافية وعائلية وتاريخية متينة. وهذا يفسر اختلاف علاقة روسيا بإسرائيل عن علاقاتها بحلفاء الغرب الآخرين.
إعلانحاليا، تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.
لا يرى ميرشايمر وغرينييه هذا تناقضا، بل يعكس تقليدا روسيا راسخا يرى الشرق الأوسط من زاوية مصالح الدولة وليس التحالفات الأيديولوجية. ويمكن تتبع جذور هذا النهج مباشرة لعامي 1947 و1948، حين أقدم ستالين على إحدى أخطر المغامرات الجيوسياسية بالقرن العشرين.
فسعيه لطرد بريطانيا من الشرق الأوسط، ساهم في قيام إسرائيل. وبأمله في كسب حليف، فقد عزز المعسكر الغربي، وأدى دعمه لإقامة دولة يهودية بالخارج لإحياء مخاوف هوية سياسية يهودية بالداخل، مما استتبع بعض أحلك فصول سنواته الأخيرة.
قلما خلفت قرارات جيوسياسية مثل هذه العواقب الدائمة. دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outline