بوابة الوفد:
2026-06-03@02:39:29 GMT

عماد ابوصالح يكتب : محمد خير.. شاعر الخسائر

تاريخ النشر: 4th, February 2026 GMT

يدهشني محمد خير بتنوُّع فنونه وتعدُّد صنائعه. إذا كان المَثَل الشهير عن الصنائع السبع يتحسَّر على ضياع بخت صاحبها، فإن "خير" يمارسها كلها بنجاح لافت، ولا نلمح في ما يبدعه شُبهة فشل أو ذرَّة ادعاء. شاعر فصحى، شاعر عامية، روائي، قاص، كاتب مقال، صحفي، محرر أدبي، ولو فتشتَ أكثر، ربما تضيف صنعة أو صنعتين.

 

بدأ النشر سنة ٢٠٠٢، وأصدر ديوانين بالعامية ومجموعة قصصية، ثم فاجأنا بديوان فصيح بعد ثماني سنوات من الصبر. يتهيأ لي أنه كان يسوِّي روحه على نار هادئة قبل أن يخوض معركة "قصيدة النثر". كأنه كان يعدُّ خططه ويدرس طرق الهجوم والانسحاب حتى لا يرمي نفسه في تهلكة فَنٍّ لا يرحم. أتاح له تمكنه من الإيقاع كشاعر "غنائي" أن "يَزِن" كل كلمة في قصائده النثرية، لتجيء دون زوائد ولا ترهلات ولا استطرادات. وقادته خبرته بالقصة القصيرة إلى انتقاء مَشاهد لقصائده لا تفقد شحنتها الشعرية، برغم ما فيها من مكان وحدث ودراما وشخوص. وساعده عمله كروائي شَبِع من السرد، على النجاة من وباء التجريد الذي يجتاح معظم قصائد هذه الأيام للأسف، بعد أن ظننا أنه مات ودُفِن مطلع الألفية. شقَّ طريقه بقوة في ديوانه الأول "هدايا الوحدة" ٢٠١٠، وصنع بَصمته الخاصة في ديوانه الثاني "العادات السيئة للماضي" ٢٠١٥، وها هو مع ديوانه الأحدث "شاعر أسود في مدينة بيضاء" ٢٠٢٦، يكرس نفسه صوتًا لا يُنسى في المشهد الشعري الراهن.

يدخل محمد خير إلى الشعر من الباب الذي أُحبه؛ الباب الهش، الفقير، الضيِّق. هش لأنه لا يستعرض عضلاته الفنية، وفقير لأنه بلا زركشة ولا بهرجات، وضيِّق لأنه لا ينفتح على مصراعيه لألاعيب التجريب، أو فوضى الأفكار وشهوة الإبهار. تتكدس دواوينه الثلاثة بالهزائم. كأنها مستودع خيبات أو خزَّان انكسارات، وكأنه هو المثال الحي على عبارة لوركا: "الشاعر مع الخاسر". هذه قصيدة بعنوان "موعد" من ديوانه الجديد:

("الأغاني جمادات يحييها الحب"

قالت وهي تكشط بظفرها

بقايا مشروب لاثنين كانا هنا

ولم يستكملا جلستهما

قاما

لأن البنت آلمها شيء

فسكبت الكأس

وتابعهما النادل والتقط النقود

ولم يمسح المائدة ولم يغير الأغنية).

هنا قصة حب عادية. ولد وبنت وفراق. حكاية مكررة منذ بداية الخلق، وستتكرر إلى أن يفنى الخلق. مملة، ويمكنك أن تقول: مبتذلة. لكن الشاعر يحيل هذه الخُردة الصدئة إلى سبيكة ذهب، ويقودنا عبر حوالي ثلاثين كلمة إلى متاهة من التأويلات والتساؤلات. لا يحكي محمد خير القصة من أولها لآخرها، ولا يتوسع في تفاصيلها. إنه يُشَفِّيها ويقدم لنا نخاعها: أي نهايتها. كأنَّ قصص الحب على كثرتها يمكن اختصارها في كلمة واحدة: الفراق. يدرك النادل (خبير الوداع) أنه لا حاجة لمسح المائدة. لا داعي لتغيير الأغنية. هذا جهد ضائع ووقت مهدور. سيأتي عاشقان جديدان ويجلسان إلى المائدة نفسها، ويستمعان إلى الأغنية نفسها، وتنسكب الكأس نفسها، وينتهيان النهاية نفسها. الثابت هو المكان، الدائم هو الهجر، الباقي هو الألم. العشاق مؤقتون أو زائلون، والخالد هو الحب، أو -على الأصح- عذاب الحب. لا تبتزُّنا القصيدة بمفردات عاطفية، لا تصرح بأن البنت عاشقة، ولا بأن الاثنين حبيبان. يدرك الشاعر أنه تكفي الإشارة إلى بنت وولد وأغنية وكافتيريا، لنعرف أنها قصة حب، لنتذكر ألمنا نحن، لنخلط بين العشاق في القصيدة وأنفسنا، ليتلخبط الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويتوه الزمن.

هذه القصيدة القصيرة لا تقدم كَسرة الحب عبر قصة واحدة أو قصتين متداخلتين كما يتبدى في قراءة سريعة. هنا سلسلة عشاق مكسورين؛ اثنان، إثر اثنين، إثر اثنين، إلى ما لا نهاية. يربكني ألف التثنية في الفعل "قاما". مَن هذان الاثنان؟ هما العاشقان السابقان، أم البنت وحبيبها؛ الجديدان؟ أيُّ واحدة من البنتين شعرت بالألم؟ هل البنت وحيدة أصلًا في الكافتيريا، وخمَّنتْ من البقعة على المائدة ما حدث للبنت الأخرى في زمان سابق؟ أم هي الآن مع حبيبها في "موعد" وبَدَر منه "شيء آلمها" وسكبت الكأس على المائدة، وستكشط البقعة بنتٌ ما في زمان لاحق؟ مَن هو راوي المشهد؟ البنت؟ أم الشاعر؟ ومَن هو الشاعر؟ حبيب البنت الأولى؟ حبيب الثانية؟ أم حبيب مهجور في قصة مشابهة؟ مَن أنت؟ مَن أنا؟ قارئ أم شاهد؟ محايد أم شريك؟

 

لا يتعارك محمد خير في قصائده مع الواقع الحي. لا رغبة له في الاشتباك، ولا قدرة لديه على الصراع والصراخ. يحوم بخفة حول الشعر، يمسُّه ولا يدهسه، يرجوه ولا يجبره. قصائده بلا حمولات بلاغية أو لغوية. يُجَوِّعها حتى تصير بلا لحم ولا شحم. كأنها طيف قصائد، وكأنه جياكوميتِّي كلمات. لا تغريه الأشياء في ذروتها أو وقت تأججها. هو مولعٌ باللحظات المطفأة أو الباردة أو الميتة. مشغول بالثمار الذابلة والقصائد الآفلة. ينحاز إلى الظل لا الشمس، إلى الصمت لا الصخب، إلى التأني لا اللهاث، إلى الاحتضار لا الحضور. يجيء دائمًا في نهاية المشهد، بعد المعركة، بعد الحفلة، بعد الوليمة، بعد السعادة. يجيء متأخرًا عن الحياة، ليكتب ما فعلت به وبنا الحياة. 

هاتفني علاء الديب ذات يوم، بعد أن أصدرت أحد دواويني، وقال لي: "اسم الله عليك". ثلاث كلمات؛ قالها بحرارة وبساطة وحنان أُم، ولا تزال تغنيني عن أي مديح آخر. لا أجد أجمل منها أهديه إلى محمد خير.

 

 

 

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: عماد أبوصالح محمد خير محمد خیر

إقرأ أيضاً:

وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد

لأول مرة منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تحول الخط الساخن بين واشنطن وتل أبيب إلى ساحة مواجهة مفتوحة وصلت لحد الشتائم.

بحسب تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، انفجر ترامب غاضبًا في وجه بنيامين نتنياهو بسبب التصعيد الإسرائيلي في لبنان.

ووصل الأمر إلى الشتائم وتبادل عبارات غير مسبوقة بين رجلين لطالما قُدِّما باعتبارهما أقرب حليفين سياسيين في العالم الغربي.

الوغد المجنون

وفق ما هو منشور فقد قال ترامب لنتنياهو: لولا وجودي لكنتَ في السجن الآن، أيها الوغد ناكر الجميل".

ترامب قال لنتنياهو أيضا: "أنا من ينقذك..الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ذلك".

كما وصف ترامب نتنياهو بأنه "مجنون".

قد تكون بعض تفاصيل المكالمة محل جدل، لكن الأهم من الألفاظ نفسها هو ما تكشفه الواقعة:

التحالف الذي بدا لسنوات صلبًا بين ترامب ونتنياهو لم يعد كما كان.

فكيف وصلت العلاقة إلى هذه النقطة؟

تحالف المصالح

لم تكن العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرد علاقة بين رئيس أمريكي ورئيس وزراء إسرائيلي.

فترامب ونتنياهو ينتميان إلى المدرسة السياسية نفسها تقريبًا:
مدرسة الزعيم الشعبوي الذي يبني شرعيته على الخوف، ويقدم نفسه باعتباره المنقذ الوحيد للأمة، ويحول السياسة إلى معركة دائمة بين "نحن" و"هم".

كلاهما استخدم القومية كسلاح انتخابي.

وكلاهما قدم نفسه باعتباره ضحية لمؤامرات النخب والقضاء والإعلام.

وكلاهما وجد في الحروب والأزمات وسيلة لتعزيز موقعه السياسي.

لهذا لم يكن تحالفهما يومًا قائمًا على القيم المشتركة بقدر ما كان قائمًا على المصالح المشتركة.


خلال ولاية ترامب الأولى، حصل نتنياهو على ما لم يحصل عليه أي زعيم إسرائيلي من قبل.

اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونُقلت السفارة الأمريكية إليها، واعترفت الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، كما رعت الاتفاقيات الإبراهيمية التي اعتبرها نتنياهو إنجازًا استراتيجيًا غير مسبوق.

في المقابل، وفر نتنياهو لترامب صورة الزعيم الأمريكي الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط ويقف بلا تردد إلى جانب إسرائيل.

كان كل منهما بحاجة إلى الآخر.

الصهيونية المسيحية.. الرابط الأعمق

العلاقة لم تكن شخصية فقط.

وراء ترامب تقف واحدة من أكبر الكتل الانتخابية في الولايات المتحدة: 
الإنجيليون المحافظون أو ما يعرف بالصهيونية المسيحية.

هذه الحركة لا تدعم إسرائيل لأسباب سياسية فحسب، بل لأسباب دينية وعقائدية أيضًا.

يعتقد كثير من أتباعها أن قيام إسرائيل وسيطرتها على القدس جزء من نبوءات توراتية مرتبطة بعودة المسيح ونهاية الزمان.

لهذا السبب أصبحت إسرائيل قضية داخلية أمريكية بقدر ما هي قضية خارجية.

وبالنسبة لترامب، فإن دعم إسرائيل كان وسيلة للحفاظ على ولاء ملايين الناخبين الإنجيليين الذين يمثلون إحدى أهم قواعده الانتخابية.

أما بالنسبة لنتنياهو، فقد أدرك مبكرًا أن الطريق إلى واشنطن لم يعد يمر فقط عبر المؤسسات الأمريكية التقليدية، بل أيضًا عبر الكنائس الإنجيلية المحافظة وقواعد الحزب الجمهوري.

هكذا نشأ تحالف بين اليمين الإسرائيلي والقومية المسيحية الأمريكية، تحالف تجاوز المصالح الاستراتيجية إلى مستوى الرؤية الأيديولوجية المشتركة.

لماذا يتشاجران الآن؟

الإجابة تكمن في حقيقة مجردة:
المصالح لم تعد متطابقة كما كانت.

ترامب يريد تسجيل إنجاز تاريخي يتمثل في التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران وإنهاء واحدة من أخطر الأزمات في الشرق الأوسط.

أما نتنياهو، فيرى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا ومساحة لإعادة بناء قوتها.

لذلك ينظر الطرفان إلى الملف نفسه من زاويتين مختلفتين.

بالنسبة لترامب، التصعيد الإسرائيلي في لبنان أو أي مواجهة إقليمية واسعة قد يؤدي إلى نسف المفاوضات مع إيران بالكامل.

أما بالنسبة لنتنياهو، فإن الضغط العسكري المستمر هو الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من تعزيز نفوذها الإقليمي.

لهذا السبب لم يكن غضب ترامب من لبنان وحده، بل من احتمال أن يؤدي السلوك الإسرائيلي إلى إفشال مشروعه السياسي الأكبر في المنطقة.

الانتخابات تصنع السياسة

هناك عامل آخر لا يقل أهمية.

كلا الرجلين يتحرك وهو ينظر إلى صندوق الاقتراع.

ترامب يدرك أن الناخب الأمريكي سئم الحروب الخارجية الطويلة، وأن أي انزلاق أمريكي إلى مواجهة جديدة في الشرق الأوسط قد يضر بشعبيته.

لذلك يحاول تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يوقف الحروب لا الذي يبدأها.

في المقابل، يواجه نتنياهو ضغوطًا داخلية غير مسبوقة.

المعارضة تتهمه بالفشل الأمني، وخصومه يتهمونه بالتبعية لواشنطن، بينما يضغط عليه اليمين المتشدد لإظهار مزيد من الحزم العسكري.

ومن هنا تبدو المفارقة واضحة:

ترامب يريد التهدئة ليكسب الانتخابات.

ونتنياهو يحتاج إلى التصعيد كي لا يخسرها.

نهاية شهر العسل

ربما تكون “مكالمة الأوغاد” مجرد لحظة غضب عابرة، أو خلاف مفاجئ بين حليفين تاريخيين.

وقطعا ما حدث ليس نهاية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بل تصادم بين مرحلتين.

عندما كانت أهداف ترامب ونتنياهو متطابقة، بدا الرجلان وكأنهما يتحدثان بصوت واحد.

وعندما بدأت الحسابات الانتخابية والاستراتيجية تتباعد، ظهرت الخلافات ومعاها الشتائم.

حاليا، ترامب يريد شرق أوسط أكثر هدوءًا يسمح له بلعب دور "رجل الصفقات صانع سلام"، من أجل أولوياته الداخلية ومعاركه الانتخابية.

أما نتنياهو فيواجه واقعًا مختلفًا تمامًا.

فكلما اقتربت الانتخابات أو اشتدت الضغوط الداخلية، ازدادت حاجته إلى خطاب التهديدات والمعارك المفتوحة واستدعاء المخاطر الوجودية التي أتقن توظيفها طوال عقود.

هنا بدأ التصادم.. وكلمة السر "تضارب المصالح"


في واشنطن الطريق إلى صندوق الاقتراع يمر عبر التهدئة، بينما الطريق إلى البقاء السياسي في تل أبيب ما زال يمر عبر التصعيد.

لهذا فإن ما جرى كان مواجهة بين مشروعين شعبويين خرجا من المدرسة نفسها، ثم اكتشفا أن مصالحهما لم تعد تسير في نفس الاتجاه.

وحين تتعارض المصالح، تصبح الشتائم.. أسرع من المجاملات.

طباعة شارك دونالد ترامب البيت الأبيض واشنطن تل أبيب

مقالات مشابهة

  • اليوم.. أمسية أدبية بالإسماعيلية احتفاء بالشاعر مدحت منير
  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • وائل الغول يكتب : مكالمة الأوغاد
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • أحمد عاطف آدم يكتب : ثغرة في خوارزميات وعي المشاهد
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • علاء رجب: مرض الحب يفقد العقل السيطرة على القلب
  • الأكثر حظًا في الحب خلال يونيو 2026.. ارتباطات منتظرة لـ7 أبراج
  • ارتفاع مصابي التسمم الغذائي داخل مزرعة بالمنيا لـ 27 حالة
  • غدا.. قصور الثقافة تحتفي بمسيرة الشاعر مدحت منير بالإسماعيلية