طهران- بعد مرور أكثر من 6 أعوام على إعلان إيران إسقاط طائرة تجسس أمريكية مسيّرة من طراز غلوبال هوك لدى اختراقها المجال الجوي للبلاد، عاد المشهد ليتكرّر بشكل معكوس، حيث أعلن الجيش الأمريكي، أمس الثلاثاء، أنه ​أسقط ​مسيّرة إيرانية من طراز شاهد 129 بعد ​اقترابها من حاملة الطائرات أبراهام لينكولن في بحر العرب.

الحادثة العسكرية وإن كانت محدودة في أعالي البحار، بيد أنها جاءت بالتزامن مع ترتيبات متقدمة لعقد جولة تفاوضية بين الجانبين الإيراني والأمريكي، في مسقط بعد غد الجمعة، ما يطرح تساؤلات محورية حول أهدافها الحقيقية وهل كانت مجرد اختبار روتيني للدفعات الأمريكية، أم أنها رسالة مُحكمة عشية المفاوضات؟

وفي خضم التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران ومخاوف عالمية من نشوب حرب بينهما، ظل الرد الأمريكي رسميا محدودا في الإعلان عن إسقاط المسيّرة "دفاعا عن النفس" دون تصعيد خطابي كبير، في حين لم تعلق طهران رسميا على الحادث، لكن وكالات أنباء محسوبة على الحرس الثوري مثل تسنيم وفارس أكدتا صحة التقارير ونقلتا عن مصادر مطلعة بأن المسيّرة أنجزت مهمتها بنجاح.

ورغم حرص الجانبين على عدم استغلال الحادث مبررا للانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد، فإن مراقبين في طهران يقرؤون الحادثة في سياق التصعيد المحسوب بينهما والرسائل المتبادلة، إذ تقدم الرواية الأمريكية الحدث "انتصارا دفاعيا"، في حين تروّج الرواية الإيرانية على أنه "انتصار استخباراتي".

الأهمية والتوقيت

وعلى وقع الحشد العسكري في المنطقة حيث تسعى الولايات المتحدة إلى استعراض قوتها من خلال نشر قطعها الحربية، تكشف حادثة المسيّرة الإيرانية عن تحول في المعادلة الأمنية، وفق الباحث العسكري محمد مهدي يزدي، الذي يرى أن هذا الحدث لا يمثل مجرد عملية استطلاع روتينية، بل هو "بيان عملي" عن تطور القدرات الاستخباراتية والإلكترونية الإيرانية، وجزء من إستراتيجية أوسع لإعادة رسم حدود الردع في المياه الإقليمية.

إعلان

وفي حديث للجزيرة نت، يضيف الباحث الإيراني أن الأهمية الإستراتيجية للحادثة، تكمن في نجاح المسيّرة في الوصول إلى نقطة قريبة جدا من حاملة الطائرات الأمريكية، بعد تجاوزها أنظمة الدفاع المتطورة.

ويشير إلى أن مهمة هذه الطائرة المسيّرة المجربة مسبقا في سوريا والعراق، تقتصر على "التصوير والإرسال المباشر للصور"، مما يعني أنها حققت هدفها الاستخباراتي الأساسي قبل إسقاطها، وأن تدميرها لاحقا لا يلغي القيمة المعلوماتية التي حصلت عليها.

ويسلط يزدي الضوء في تحليله على منطق اقتصادي وعسكري يُقدّر فيه أن قيمة المعلومات والبيانات التي جمعتها الطائرة المسيّرة تفوق بكثير قيمتها المادية كمنصة قابلة للإتلاف، فحتى في حال إسقاطها، فإن المهمة الاستطلاعية تستمر بطائرات أخرى ضمن منظومة متكاملة، مما يعني أن الخسارة تكتيكية ومحدودة، في حين أن المكاسب المتعلقة بفهم القدرات الدفاعية الأمريكية وتقنياتها تعتبر إستراتيجية.

من عرض سابق للأسلحة الإيرانية الثقيلة، وبينها الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة. في ميدان بهارستان قرب البرلمان الإيراني (وكالة الأناضول)موازين القوة

وبرأي، الباحث ذاته، فإن "الإشراف على ميدان المعركة" لم يعد يحتاج بالضرورة إلى حضور قريب من الهدف، موضحا أن القدرات الإيرانية في مجال "الرصد الإلكتروني" تسمح لجمع وتحليل بيانات الأهداف البحرية من مسافات بعيدة، مما يُعيد موازنة القوى لغير صالح الأنظمة التقليدية الضخمة والمكلفة مثل حاملات الطائرات.

وتُظهر الحادثة، بحسب يزدي، سمة رئيسية للصراعات المعاصرة في المنطقة، حيث تُحدث التكنولوجيا المتقدمة والمتوفرة لدى طهران نوعا من "التكافؤ غير المتماثل"، حيث تصبح القطع البحرية العملاقة أكثر عرضة للمراقبة والاستهداف المحتمل من قبل أصول أقل تكلفة وأكثر مرونة.

ويخلص يزدي إلى أن الصورة النهائية التي تقدمها الحادثة هي صورة "الحاملة العملاقة" التي تتحرك بقوتها النارية الهائلة، ولكنها تراقبها وتجمع أسرارها "طائرة صغيرة" من بعيد.

وشدد على أن هذا المشهد يرمز إلى تحول أعمق في موازين القوى الإقليمية، ويعكس "تراجع الهيمنة التقليدية" للولايات المتحدة في مياه المنطقة، حيث لم يعد التفوق في الحجم والتقنية التقليدية كافيا لضمان التفوق المعلوماتي أو الإستراتيجي، على حد تعبيره.

سلوك تفاوضي

من جانبه، يشير الباحث السياسي حميد آصفي، إلى أن توقيت الحادث يأتي عشية محادثات سياسية متوقعة مما يضفي عليه طابعا استباقيا يرتبط بإدارة ملف التفاوض أكثر من ارتباطه بالحسابات العسكرية البحتة، مضيفا أنه ليس محاولة للاشتباك أو اختبارا حقيقيا للقوة، بل حلقة ضمن "نمط سلوك تفاوضي معروف" تمارسه طهران.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى أن إرسال طائرة مسيّرة مفردة نحو مجموعة حربية محصنة مثل حاملة طائرات لا يحمل قيمة عملية كبيرة، ذلك لأن الهجمات العسكرية اليوم تستدعي عادة عمليات مركبة ومتعددة الطبقات، معتبرا أن العملية "مقصودة ومحدودة ومتحكم بها ومُصممة لغايات سياسية تهدف إلى إرسال رسائل محددة وليس لتغيير التوازن العسكري".

إعلان

ويتابع أن النظام الإيراني غالبا ما يقترن دخوله في جولات تفاوضية بـ"أفعال تصعيدية لكنها محكمة" من أجل إدارة الرواية والصورة المحيطة بالمفاوضات، مؤكدا أن السعي هو لترسيخ انطباع داخلي وخارجي بأن الحوار ليس نتاجا للضغوط والاضطرار، بل هو "خيار يتخذ من موقع القوة والاختيار الواعي".

وبرأي آصفي فإن الجمهور الحقيقي لهذه الرواية هو المشهد الداخلي الإيراني، وتحديدا القاعدة الأيديولوجية والجماعات السياسية الموالية لخطاب "المقاومة والمواجهة"، والتي تنظر إلى أي مفاوضات مع واشنطن بشك كبير وتراها مرادفة للتراجع وأن العملية تهدف إلى تهدئة مخاوف هذه القطاعات وإعدادها نفسيا لمرحلة تفاوض محتملة.

وتعمل مثل هذه الخطوات المحسوبة في مرحلة ما قبل التفاوض، وفق آصفي، كأداة لـ"تخفيض الكلفة السياسية" التي قد تترتب على القيادة الإيرانية عند الجلوس إلى طاولة الحوار، مؤكدا أن الرسالة الضمنية الموجهة للنخبة والشارع هي أن "أدوات الضغط والردع لا تزال قيد الخدمة"، وأن الدخول في محادثات لا يعني التخلي عن أوراق القوة أو الاستسلام.

وختاما، إذا كان إرسال المسيّرة الإيرانية إلى قرب حاملة الطائرات الأمريكية يدخل في إطار تسويغ فكرة الحوار داخليا وبناء سردية مفادها أن طهران تتحدث من موقع القوة، ووفق شريحة من المراقبين الإيرانيين، فإنها في الوقت نفسه، تعمل كرسالة تحذيرية مشفرة للطرف الأمريكي بأن الخيارات العسكرية وإن كانت محدودة ليست خارج الطاولة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات حاملة الطائرات

إقرأ أيضاً:

تراجع بورصة مسقط وترقب طرح «أوميفكو» يعزز جاذبية السوق

سجل مؤشر بورصة مسقط انخفاضاً بمقدار 23.2 نقطة، وأغلق عند حاجز 7772.18 نقطة، وبلغت قيمة التداول 37.731 مليون ريال عماني، وبلغت القيمة السوقية 37.04 مليار ريال.

وتباينت المؤشرات الرئيسية للبورصة، حيث بلغ ارتفاع مؤشر الصناعة بنسبة 0.1%، فيما انخفض مؤشر القطاع المالي بنسبة 0.8%، والمؤشر الشرعي بنسبة 0.2%، ومؤشر الخدمات بنسبة 0.04%.

واستحوذت أوكيو للصناعات الأساسية – المنطقة الحرة بصلالة على قيمة التداولات بـ14 مليون ريال، وبنك صحار الدولي بـ5 مليون ريال، وأوكيو لشبكات الغاز بـ4.6 مليون ريال.

وسجلت الشرقية لتحلية المياه أعلى نسبة ارتفاع بين الشركات المتداولة بنسبة 9.7%، وأغلق سهمها عند 181 بيسة، والعمانية للاستثمارات التعليمية والتدريبية بنسبة 9.6% وأغلق سهمها عند ريال و700 بيسة، والمها للسيراميك بنسبة 8.3% وأغلق سهمها عند 272 بيسة.

أبرز الخاسرين

وكانت (قيد التصفية) الحسن الهندسية أبرز الخاسرين خلال الجلسة بنسبة انخفاض بلغت 10% وأغلق سهمها عند 9 بيسة، تلاها ظفار الدولية للتنمية والاستثمار بنسبة 5.9% وأغلق سهمها عند 300 بيسة، والنفط العمانية للتسويق بنسبة 4.5% وأغلق سهمها عند ريال و150 بيسة.

واتجه المستثمرون العمانيون للشراء، حيث بلغت نسبة مشترياتهم 91.7% مقابل 84.4% لمبيعاتهم، وبلغت قيمة الشراء 34.6 مليون ريال وقيمة البيع 31.8 مليون ريال، وبلغت قيمة شراء غير العمانيين 3.1 مليون ريال وبنسبة 8.2%، وقيمة بيع غير العمانيين 5.8 مليون ريال وبنسبة 15.5%، وانخفض صافي الاستثمار غير العماني إلى 2.7 مليون ريال وبنسبة 7.3%.

على صعيد متصل أعلنت الشركة العُمانية الهندية للسماد ش.م.ع.ع (قيد التحول) عن عزمها المضي قدمًا في تنفيذ طرح عام أولي وإدراج أسهمها العادية ("الأسهم") للتداول في بورصة مسقط، وهي شركة إنتاج متكاملة للأمونيا اللامائية واليوريا الحبيبية.

وتشغّل أوميفكو أكبر مجمع لإنتاج الأسمدة في سلطنة عُمان، كما تُصنف ضمن أكبر خمسة منتجين للأسمدة في دول مجلس التعاون الخليجي. وسيهم هذا الطرح في دعم الأهداف الاستراتيجية للشركة، بما يشمل تعزيز الحوكمة والشفافية والمواءمة مع أفضل الممارسات المعتمدة في الأسواق العامة، حيث يعد خطوة مهمة في مسيرة التطور لأوميفكو.

حيث يعتزم المساهمون البائعون طرح ما يصل إلى 25% من الأسهم العادية الحالية في رأس مال شركة أوميفكو من خلال طرح عام أولي، مع احتفاظهم بالحق في تعديل حجم وهيكلة الطرح في أي وقت قبل نهاية فترة الاكتتاب، وذلك بعد التشاور مع المنسق العالمي المشترك، ورهنًا بالقوانين المعمول بها وبعد الحصول على موافقة هيئة الخدمات المالية. وتجدر الإشارة إلى أن جميع الأسهم المطروحة في الطرح هي أسهم عادية قائمة ومملوكة للمساهمين البائعين. وبناءً على ذلك، لن تحصل الشركة على أي متحصلات ناتجة عن بيع الأسهم ضمن الطرح، إذ ستؤول جميع العوائد إلى المساهمين البائعين، كما سيتحمل هؤلاء المساهمون المصروفات المرتبطة بالطرح.

وقد أكد المساهمون أن أوميفكو تعتبر من أبرز الأصول الصناعية الناجحة في السلطنة على مستوى القوائم المالية والكفاءة التشغيلية؛ حيث تتمتع هذا العام بكفاءة تشغيلية عالية تفوق الكفاءة التشغيلية في 2025م، وأنها لم تتأثر بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة سواء من حيث الأمور اللوجستية والأوضاع المالية مستقرة. وأضافوا: إدراج أوميفكو في هذا الوقت يعد بديلا استثماريا للمستثمرين، والاستثمار في هذا الوقت يؤكد أن السلطنة تقدم بدائل استثمارية.

وقال هيثم بن سالم السالمي الرئيس التنفيذي لبورصة مسقط: "نحن سعداء باعتزام أوميفكو الإدراج في بورصة مسقط، إذ تمثل هذه الخطوة محطة مهمة في مسار تطور أسواق رأس المال في سلطنة عُمان. وباعتبارها واحدة من أكبر الشركات في قطاعها، من المتوقع أن يسهم اكتتاب أوميفكو في تعزيز عمق السوق وتوسيع الفرص

الاستثمارية، بالإضافة إلى ترسيخ دور بورصة مسقط في إبراز الأصول العُمانية الرائدة أمام قاعدة عالمية من المستثمرين على المستويين الإقليمي والعالمي".

الجدير بالذكر أن هذا الطرح يتيح للمستثمرين فرصة الاستثمار في شركة متكاملة لإنتاج الأسمدة، تشغل مجمعًا صناعيًا عالمي المستوى في مدينة صور الصناعية بسلطنة عُمان يتكون من مصنعين لإنتاج الأمونيا ومصنعين لإنتاج اليوريا، بما يتيح تحويل الأمونيا إلى يوريا ذات قيمة مضافة أعلى، الأمر الذي يدعم الكفاءة التشغيلية ويعزز مرونة العمليات واستدامتها. كما ترتكز عمليات الشركة على منظومة تشغيلية متكاملة تشمل اتفاقيات طويلة الأجل لتوريد الغاز، وعلاقات راسخة لتسويق الإنتاج، وبنية أساسية مخصصة للتصدير تشمل رصيفا بحريا عميقا مخصصا في صور، يتمتع بموقع استراتيجي، الأمر الذي يسهل لها الوصول إلى الأسواق العالمية دون انقطاع.

سياسة توزيع الأرباح

تتوقع الشركة توزيع أرباح إجمالية تبلغ نحو 71.2 مليون ريال عُماني، أي ما يعادل 185 مليون دولار أمريكي، عن السنة المالية 2026، وهي السنة التي تمثل أساس احتساب التوزيعات، على أن تُدفع هذه الأرباح على قسطين متساويين في سبتمبر 2026 وأبريل 2027. أما بالنسبة للفترة بين 2027 و2028، فمن المتوقع أن

تأتي توزيعات الأرباح بنسبة 90 من صافي الأرباح، أو بحد أدنى يتمثل في زيادة سنوية مركبة بنسبة 3% مقارنة بتوزيعات السنة المالية 2026، أيهما أعلى. واعتبارا من السنة المالية 2029 وما بعدها، تعتزم الشركة، بعد موافقة مجلس الإدارة، توزيع السيولة النقدية المتاحة التي لم يتم تخصيصها للأغراض المؤسسية العامة

أو للاستثمارات التوسعية أو لفرص الاستحواذ.

مقالات مشابهة

  • جيش الاحتلال يحقق في لغز المسيّرات الليلية.. هل امتلك حزب الله كاميرات حرارية؟
  • ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي
  • تراجع بورصة مسقط إلى 7772.1 نقطة
  • وزارة الزراعة تطلق تدريباً متخصصاً على تشغيل الطائرات المسيّرة
  • تراجع بورصة مسقط وترقب طرح «أوميفكو» يعزز جاذبية السوق
  • إغلاق المستشفى الإيراني في دبي وتجميد أمواله ومنع رئيسه من السفر
  • تركيا: التدخل الإسرائيلي المستمر في لبنان قد يعصف بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية
  • الأونصة فوق 4500 دولار.. الذهب يتعافى من خسائر سابقة رغم تعثر مفاوضات واشنطن - طهران
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • خلافات جديدة تعرقل الاتفاق الأمريكي الإيراني.. طهران تطلب تعديلات وترامب يتمسك بالتشدد