آخر تحديث: 5 فبراير 2026 - 10:20 ص بقلم: د. نوري حسين نور الهاشمي قراءة في السيادة الناقصة وتحوّل الدستور إلى زمن مؤجَّل

في لحظات الأزمات الكبرى، لا تُقاس قوة الدولة بكمية نصوصها الدستورية، بل بمدى التزامها بها عند الامتحان الحقيقي. الدستور ليس شعارًا يُرفع عند الحاجة، بل قيد على السلطة وضمان لاستقرار الدولة، وما لم يُختبر في اللحظات الحرجة، يبقى مجرد حبر على ورق.

ومن بين أكثر الإشكالات التي تكشف هشاشة النظام السياسي العراقي بعد عام 2003، يبرز انتهاك المدد الدستورية، لا سيما في تسمية رئيس الجمهورية، كمرآة تعكس أزمة أعمق في الشرعية الدستورية والسياسية لمجلس النواب، وتفضح في الوقت نفسه حدود السيادة الوطنية الناقصة التي تتحكم بالسلطة أكثر من الدستور نفسه.
لم يكن هذا الانتهاك مجرد خطأ إجرائي أو عارض تقني، بل نتيجة مسار سياسي جعل من الدستور وثيقة قابلة للتعليق عند التضارب مع مصالح القوى المتنفذة. ففي ظل نظام محاصصاتي تشكّل برعاية خارجية، أُعيد رسم بنية الحكم على أساس التوازنات القبلية والسياسية، ووُضعت المناصب السيادية داخل قوالب مغلقة، خُصصت عرفًا للأكراد حصرًا، ما حوّل رئاسة الجمهورية من استحقاق وطني مفتوح إلى حصة تفاوضية، ومن موقع سيادي دستوري إلى ورقة في سوق المساومات القومية.
وهكذا، لم يعد الزمن الدستوري التزامًا ملزمًا، بل صار مؤجّلًا، انتظارًا لتوافقات داخلية تُفرض لاحقًا على بقية المكوّنات، في تجاوز صارخ لمبدأ المواطنة وفكرة الدولة الجامعة، وانكشاف واضح لحدود السيادة العراقية، التي تتلقى الإيقاع من خارجه أكثر مما تُفرض داخليًا.
الدستور العراقي لم يكن نصًا إنشائيًا أو خطابًا أدبيًا مفتوح التأويل بلا حدود، بل حدّد مددًا زمنية واضحة قصد منها منع الفراغ، وكبح المماطلة، وإجبار القوى السياسية على حسم خياراتها ضمن سقف زمني يحمي الدولة من الشلل. فانتخاب رئيس الجمهورية خلال ثلاثين يومًا من الجلسة الأولى لمجلس النواب لم يكن تفصيلًا إجرائيًا، بل ركيزة في هندسة الانتقال السلس للسلطة، وضمانة لعدم تحويل الاستحقاقات الدستورية إلى أدوات ابتزاز سياسي.
غير أن الواقع السياسي العراقي حوّل هذه المدد، في أكثر من دورة، من التزام دستوري إلى مجرد أرقام قابلة للتجاوز تحت ذرائع “الانسداد” و”التوافق” و”الظرف الاستثنائي”. وهي ذرائع لم تكن في حقيقتها سوى تعبير عن عجز بنيوي في نظام حكم فاقد للقرار السيادي المستقل، وعاجز عن فرض إيقاعه الدستوري دون الرجوع إلى معادلات خارج النص وخارج الدولة.
هنا يبرز السؤال المركزي: ماذا يعني، سياسيًا ودستوريًا، أن تُنتهك هذه المدد؟ وهل يفضي هذا الانتهاك إلى سقوط مجلس النواب أو زوال شرعيته؟ من حيث النص، لا ينص الدستور العراقي صراحة على جزاء مباشر يترتب على مخالفة المدد الدستورية، فلا توجد مادة تقول إن البرلمان يُحل تلقائيًا إذا أخفق في انتخاب رئيس الجمهورية ضمن المدة المحددة. وقد دفع هذا الغياب في النص العقابي كثيرين إلى الاعتقاد بأن المدد شكلية أو تنظيمية لا أكثر. غير أن هذا الفهم، وإن بدا قانونيًا في ظاهره، ينطوي على خطر عميق، لأنه يختزل الدستور في حرفيته الجامدة، ويتغافل عن روحه ووظيفته بوصفه إطارًا ناظمًا لإرادة الدولة لا مجرد جدول مواعيد.
فالمدد الدستورية، حتى وإن لم تُقرن بجزاء صريح، ليست نصائح أخلاقية ولا مواعيد إدارية قابلة للتأجيل، بل التزامات جوهرية يُفترض أن تضبط السلوك السياسي وتحول دون العبث بإرادة الناخبين. وانتهاكها المتكرر لا يخلق فراغًا قانونيًا فحسب، بل يؤسس لفراغ أخطر: فراغ في الثقة، وفراغ في معنى الدولة، وفراغ في مفهوم الشرعية ذاته. وبهذا المعنى، فإن خرق هذه المدد يكشف مجلس النواب، منذ جلساته الأولى، بوصفه مجلسًا يُدار أكثر مما يُدير، وسلطة تتلقى الإيقاع بدل أن تفرضه، ما يؤدي إلى سقوطه شعبيًا ومعنويًا، حتى وإن ظل قائمًا شكليًا من الناحية الدستورية.
الشرعية هنا لا تُفهم بمعناها الإجرائي الضيق، أي بقاء البرلمان قائمًا شكليًا، بل بمعناها الأوسع والأخطر: هل ما زال هذا البرلمان يعبر عن إرادة الناخبين؟ هل يمارس صلاحياته ضمن سيادة وطنية مكتملة؟ أم أنه تحوّل إلى كيان يمدد لنفسه الأمر الواقع خارج الزمن الدستوري، وداخل معادلات سيادة منقوصة تتحكم بها القوى الداخلية والخارجية أكثر مما تحكمها الإرادة الشعبية؟
من هذه الزاوية، يمكن القول إن انتهاك المدد لا يُسقط مجلس النواب قانونيًا، لكنه يُضعف شرعيته السياسية والأخلاقية، ويجرده من ادعاء تمثيل الإرادة العامة. فهو يظل موجودًا بنص القانون، لكنه يصبح مكشوفًا أمام الرأي العام، فاقدًا للقدرة على الادعاء بأنه يحكم باسم الدستور الذي خالفه، وباسم السيادة التي عجز عن صونها.
أما المحكمة الاتحادية العليا، فقد وُضعت في قلب هذا الاشتباك. فهي الجهة المخولة بتفسير الدستور، لكنها تعمل داخل بيئة سياسية مشحونة وحدود سيادية معقدة. تدخلها غالبًا ما يكون عبر التفسير والإلزام الإجرائي، لا عبر فرض عقوبات جذرية كحل البرلمان، ما جعل دورها، في كثير من المحطات، يقتصر على إعادة تشغيل النظام دستوريًا بدل الذهاب إلى مساءلة بنيوية شاملة، وهو انعكاس مباشر لطبيعة التوازنات المفروضة على الدولة نفسها.
غير أن الأخطر من كل ذلك هو تطبيع الانتهاك. حين يتحول خرق المدد الدستورية إلى سابقة تتكرر دون كلفة سياسية حقيقية، يصبح الدستور نصًا مؤجل التنفيذ، وتتحول الدولة إلى كيان يُدار بالتوافقات اللحظية لا بالقواعد المستقرة. عندها لا يعود السؤال: هل يسقط البرلمان؟ بل: ماذا يتبقى من فكرة الدولة ذات السيادة أصلًا؟
إن التجربة العراقية تكشف بوضوح أن الخلل لا يكمن في غياب النصوص، بل في غياب السيادة القادرة على فرض احترامها. فآليات حل مجلس النواب موجودة نظريًا، لكنها مشروطة بتوازنات سياسية معقدة تجعل اللجوء إليها شبه مستحيل. وبدل أن تكون المدد الدستورية أداة لحسم الخلاف، تحولت إلى ورقة ضغط تفاوضية، تُعطَّل حين لا تخدم مصالح القوى المتنفذة، وتُفعَّل حين تنسجم مع إرادات خارج النص وخارج الدولة.
الخلاصة أن انتهاك المدد الدستورية في تسمية رئيس الجمهورية لا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط مجلس النواب، لكنه يُسهم في تآكل شرعيته، ويكشف هشاشة العقد السياسي بين الحاكم والمحكوم، ويعرّي واقع السيادة الناقصة التي تحكم النظام السياسي العراقي. وهو خرق لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلًا تقنيًا، بل ينبغي قراءته كعرض من أعراض أزمة أعمق في فهم الدولة، والدستور، ومعنى الاستقلال السياسي.
فالدساتير لا تموت حين تُلغى، بل حين تُنتهك بلا ثمن. وفي العراق، يبقى التحدي الحقيقي ليس في كتابة النص، بل في استعادة السيادة القادرة على تحويله من ورق مُعلّق إلى زمن مُلزِم، ومن شعارات تُرفع عند الحاجة إلى قواعد تُحترم حتى حين تكون مكلفة.

المصدر

المصدر: شبكة اخبار العراق

كلمات دلالية: المدد الدستوریة السیاسی العراقی رئیس الجمهوریة مجلس النواب من الدستور مجلس ا

إقرأ أيضاً:

برلماني: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى ثورة 23 يوليو تؤكد أن الجمهورية الجديدة امتداد حقيقي لمسيرة الاستقلال والبناء

أكد النائب محمود مرسي، عضو مجلس النواب، أن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والسبعين لثورة 23 يوليو، جاءت شاملة ومعبرة عن رؤية الدولة المصرية في هذه المرحلة الدقيقة، وحملت رسائل وطنية مهمة تؤكد أن الجمهورية الجديدة تمثل امتدادًا حقيقيًا للمبادئ التي أرستها الثورة، وفي مقدمتها بناء دولة قوية، مستقلة، وقادرة على تحقيق التنمية الشاملة.

ذكرى ثورة يوليو 

وقال مرسي، في بيان له، إن الرئيس السيسي نجح في تقديم قراءة واعية لمسيرة الدولة المصرية، من خلال الربط بين الإرث الوطني الذي صنعته ثورة يوليو، وما تحقق على أرض الواقع خلال السنوات الماضية من إنجازات غير مسبوقة في مختلف القطاعات، مؤكدًا أن مصر تواصل مسيرتها بثبات رغم ما يشهده الإقليم من تحديات ومتغيرات متسارعة.

وأضاف عضو مجلس النواب أن تأكيد الرئيس على أن وعي الشعب المصري كان الدرع الحقيقي الذي حمى الدولة من مخططات الفوضى والإرهاب، يعكس تقدير القيادة السياسية للدور الوطني الذي قام به المصريون في الحفاظ على مؤسسات الدولة وصون مقدراتها، مشيرًا إلى أن هذا الوعي سيظل الضمانة الأساسية لاستكمال مسيرة البناء والتنمية.

برلماني: ثورة 23 يوليو أرست أسس الدولة الحديثة والرئيس السيسي يقود استكمال مسيرة التنميةقيادي بالجبهة: الرئيس السيسي نجح في ترجمة مبادئ ثورة 23 يوليو إلى مشروعات وإنجازات

وأوضح مرسي أن حديث الرئيس السيسي عن السلام والاستقرار ورفض المساس بسيادة الدول، يجسد ثوابت السياسة الخارجية المصرية التي تقوم على احترام القانون الدولي، ودعم الحلول السياسية، والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة، وهو ما عزز من مكانة مصر كدولة محورية تمتلك رؤية متوازنة وتحظى باحترام المجتمع الدولي.

وأشار إلى أن استعراض الرئيس لحجم الإنجازات التي تحققت منذ عام 2014 في مجالات البنية التحتية، والطرق، والطاقة، والإسكان، والتعليم، والرعاية الصحية، والتحول الرقمي، يؤكد أن الدولة تنفذ مشروعًا وطنيًا متكاملًا يستهدف بناء الإنسان المصري، وتحسين جودة الحياة، وترسيخ أسس التنمية المستدامة للأجيال المقبلة.

وأكد النائب محمود مرسي أن الرسائل التي تضمنتها كلمة الرئيس عكست ثقة كبيرة في قدرة الدولة المصرية على مواصلة مسيرة التقدم، كما بعثت برسالة طمأنة وأمل للمواطنين بأن المستقبل يحمل المزيد من الإنجازات، في ظل قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة قوية لاستكمال بناء الجمهورية الجديدة.

واختتم عضو مجلس النواب بيانه بالتأكيد على أن الحفاظ على ما تحقق من مكتسبات وطنية يتطلب استمرار التكاتف والاصطفاف خلف القيادة السياسية، ومواصلة العمل والإنتاج، باعتبارهما السبيل الحقيقي لتعزيز قوة الدولة وتحقيق تطلعات الشعب المصري نحو مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.

طباعة شارك السيسي الرئيس السيسي البرلمان مجلس الشيوخ مجلس النواب

مقالات مشابهة

  • محمد بن راشد يعتمد البرنامج الوطني لتطوير النظام الإحصائي في الدولة
  • نواب البرلمان : توجيهات الرئيس بتعزيز المخزون الاستراتيجي تؤكد جاهزية مصر لمواجهة الأزمات
  • برلماني: التحركات الخارجية للرئيس السيسي تعزز مكانة مصر وتحمي مصالحها
  • برلماني : تأمين المخزون الاستراتيجي يعكس جاهزية الدولة لمواجهة التحديات
  • الزيدي بين واشنطن وطهران.. معركة تثبيت القرار العراقي
  • نجلاء العسيلي : تأمين السلع الاستراتيجية يعكس قوة الدولة وقدرتها على حماية المواطنين
  • عزلة القوة.. الفراغ الأمريكي يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيلية
  • برلماني: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى ثورة 23 يوليو تؤكد أن الجمهورية الجديدة امتداد حقيقي لمسيرة الاستقلال والبناء
  • بريطانيا تندد بهجمات الحوثيين على ناقلات النفط وتصفها بأنها "انتهاك خطير"
  • محكمة الانقلاب الدستورية: بقايا الإنقاذ و”قضاة الدفاع الشعبي”..!