خلال حرب إسرائيل على قطاع غزة، لم تعد الرصاصات والقذائف وحدها مصدر الموت.

هناك عقل آخر يعمل في الخلفية… لا ينام، لا يشعر، ولا يتردد… يراقب من فوق السحاب… ومن تحت الأرض… ومن داخل الشاشات.. ولا يرى في البشر سوى أنماط تتحرك على خريطة… وأهداف محتملة.

هذا ليس مستقبل الحروب… بل حاضرها.

ففي هذه الحرب، يظهر ما يمكن وصفه بـ “الجندي السايبورغ”.

والحديث هنا عن جندي يرى بعين الخوارزمية، ويتحرك داخل إطار قرار صُمّم له مسبقًا، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا فعليًا في القرار العسكري والأمني والاستخباراتي.

والسؤال لم يعد هل تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي؟
بل: إلى أي مدى أصبح هو من يستخدم البشر؟

…..

قتل وتجسّس بالخوارزميات

أنظمة ذكاء اصطناعي مثل Lavender و Gospel لم تُستخدم فقط لتحليل الصور، بل لربط:
• صور الطائرات المسيّرة
• بيانات الاتصالات
• أنماط الحركة
• شبكات العلاقات
• السجلات الرقمية الضخمة

ثم إنتاج ما هو أخطر من التحليل.. قوائم أهداف مقترحة.

تقارير صحفية إسرائيلية أشارت إلى أن أحد هذه الأنظمة ولّد عشرات الآلاف من “الأهداف البشرية المحتملة” خلال ذروة العمليات في غزة.


وفي السياق نفسه، طوّرت وحدة 8200 نماذج لغوية مدعومة بالذكاء الاصطناعي دُرّبت على كميات هائلة من المكالمات والرسائل المعترضة، بحيث تتعلم اللهجات، وتفهم السياق، وتربط الأسماء بالأماكن، وتستنتج العلاقات… بما يحوّل مجتمعًا كاملًا إلى قاعدة بيانات حيّة.. وأهداف محتملة.

……

استثمارات ضخمة

قطاع التكنولوجيا الدفاعية في إسرائيل، خاصة المرتبط بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتات، شهد قفزات تمويلية كبيرة خلال 2024–2025، مع تركيز واضح على الحلول المرتبطة بالمراقبة، تحليل البيانات، والأنظمة الذاتية.

تقديرات إسرائيلية تشير إلى وجود آلاف الشركات الناشئة العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي، ونسبة معتبرة من الاستثمارات التقنية تتجه نحو الأمن السيبراني — وهو مجال يتقاطع مباشرة مع الاستخبارات والعمليات العسكرية.

في الميدان، لم تعد الروبوتات مجرد أدوات يتم التحكم بها عن بعد، بل أنظمة مزوّدة برؤية حاسوبية، وتمييز أهداف، وملاحة ذاتية، مثل:

• مركبات برية ذاتية الحركة للدوريات المسلحة

• روبوتات صغيرة تدخل الأنفاق والمباني بدل الجنود

• درونز ترسم خرائط ثلاثية الأبعاد داخل المدن

• أنظمة تعمل في بيئات بلا GPS داخل الأنفاق

هذه الروبوتات لم تعد “متحكمًا بها عن بعد” فقط، بل مزودة برؤية حاسوبية وأنظمة تمييز أهداف وملاحة ذاتية.

وفي الوقت نفسه، تحدثت قيادات عسكرية إسرائيلية علنًا عن خطط متعددة السنوات لوضع الذكاء الاصطناعي والروبوتات في قلب التطور العسكري في مجالات الدفاع والهجوم والاستطلاع.

…..

الجندي السايبورغ!

السايبورغ هنا ليس نصف إنسان ونصف آلة كما في أفلام الخيال العلمي، بل منظومة دعم تجعل الجندي متصلًا لحظيًا بالشبكات والبيانات:

• خوذات واقع معزّز تعرض معلومات فورية

• أنظمة رؤية حرارية وليلية مدمجة

• توصيات لحظية صادرة عن أنظمة ذكاء اصطناعي

• هياكل خارجية تعزّز القدرة البدنية

والنتيجة.. جندي يرى ويقرر داخل إطار صممته خوارزميات… في بيئة يصبح فيها القرار مشتركًا بين الإنسان والآلة.


آلات ذكية "متطرفة"؟!

الذكاء الاصطناعي لا يملك عقيدة، لكنه يتأثر بالبيانات والمعايير التي يُدرب عليها.. ويكتسب “توجهاته” من البيانات التي يتم تغذيته بها.

فماذا لو تم تزويد الذكاء الاصطناعي بتعليمات أو بيانات تستند إلى عقيدة دينية متطرفة؟

نظريا، إذا صُممت النماذج وفق بيانات منحازة أو معايير تصنيف ذات خلفية أيديولوجية، فإن مخرجاتها التحليلية قد تعكس هذا الانحياز.

ووقتها سيصنف الذكاء الاصطناعي الأهداف ويحدد الأولويات ويتخذ القرارات وفق تلك القيم "المتطرفة".

هذا السيناريو يعني بناء نموذج "جندي سايبورغي خارق".. يرى العالم من منظور محدد مسبقا.. ما يجعله أداة تحليلية متسقة مع العقيدة المبرمجة داخله.

غزة… ساحة تجارب للحرب المؤتمتة؟

ما يجري يمكن قراءته بوصفه نموذجًا متقدمًا للحرب المؤتمتة، والاستخبارات المؤتمتة، والمراقبة المؤتمتة.

هذا النموذج — نظريًا — قابل للتطبيق في أي مكان تتوافر فيه:
• كاميرات

• بيانات اتصالات

• بنية سحابية

• خوارزميات تحليل

وهي عناصر متاحة في معظم دول العالم اليوم.


إسرائيل لا تصنع “كائنا خارقا” كما في أفلام الخيال العلمي، لكنها تبني بيئة قتالية يصبح فيها الإنسان نفسه امتدادا للنظام التحليلي الذي يولده الذكاء الاصطناعي.

وفي هذه البيئة..  تقل الحاجة إلى الجواسيس مع وفرة البيانات.. ويقل الاعتماد على المخبرين مع صعود الخوارزميات.. ويصبح القرار مزيجًا من الحدس البشري والتحليل الآلي.
….
هل نحن مستعدون؟

قد لا يكون أخطر ما كشفته الحرب في قطاع غزة هو حجم الدمار… بل طبيعة 
من يصنع هذا الدمار.. ويبدو أن غزة أول ساحة ظهر فيها هذا النموذج بوضوح شديد.


وفي الوقت الحالي فإن القرار في ساحة القتال لم يعد إنسانيا خالصا… وإذا كان بإمكان الخوارزميات أن تختار وتنتقي الأهداف البشرية وتقرر "من يجب قتله" دون رادع… 
فالسؤال موجهة إلى الدول العربية هل أنتم مستعدون لمواجهة هذا النوع من الحروب؟

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي صحفية إسرائيلية غزة حرب إسرائيل على قطاع غزة الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟

كشفت مراسلات إلكترونية داخل الحكومة البريطانية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بخطة لتقديم هدية غير تقليدية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تمثلت في نسخة خاصة من "الصندوق الأحمر" الشهير الذي يستخدمه الوزراء والمسؤولون البريطانيون لحمل الوثائق الرسمية والملفات الحساسة. وبينما بدت الفكرة في البداية خطوة دبلوماسية لتعزيز العلاقات بين لندن وواشنطن، تحولت لاحقًا إلى ملف أثار جدلًا واسعًا داخل أروقة الحكومة البريطانية.

الصندوق الأحمر.. رمز السلطة البريطانية

يُعد الصندوق الأحمر أحد أبرز الرموز المرتبطة بالحكومة البريطانية، حيث يستخدمه الوزراء وكبار المسؤولين لنقل الوثائق الحكومية المهمة بصورة آمنة. ووفقًا لمراسلات تم الكشف عنها مؤخرًا، اقترح مسؤولون بريطانيون إعداد نسخة مخصصة من هذا الصندوق لتُهدى إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأوضحت الرسائل أن النسخة المقترحة كانت ستحمل شعارًا ذهبيًا وتصميمًا مستوحى من الصناديق الوزارية التقليدية، مع نقش عبارة "رئيس الولايات المتحدة" على سطحها الخارجي، في محاولة لمنح الهدية طابعًا رسميًا واستثنائيًا.

نقاشات مطولة داخل الحكومة

وأظهرت المراسلات أن مسؤولين كبارًا في الحكومة البريطانية ناقشوا تفاصيل المشروع خلال أغسطس 2025، حيث أشار بعضهم إلى أن الصندوق دخل بالفعل مرحلة الإنتاج، بينما أكدت رسائل أخرى أن التصميم والتكلفة قد تم تحديدهما تجاريًا، دون حسم مسألة الانتهاء من تصنيعه في ذلك الوقت.

كما تضمنت المراسلات تساؤلات حول مدى ملاءمة تقديم مثل هذه الهدية لرئيس دولة أجنبية، خاصة أنها ترتبط بأحد الرموز التقليدية للحكومة البريطانية.

"ملحمة لا تنتهي"

وفي خضم هذه المناقشات، عبّر السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة بيتر ماندلسون عن استيائه من الجدل المستمر حول المشروع، واصفًا ما يحدث بأنه "ملحمة لا تنتهي".

وشبّه ماندلسون الموقف بأحداث المسلسل السياسي الساخر الشهير "في قلب الأحداث"، الذي يتناول حالة الفوضى والتعقيدات داخل المؤسسات الحكومية، مؤكدًا في إحدى رسائله أنه أصبح يشعر بالإرهاق من استمرار النقاشات المرتبطة بالهدية.

تسليم الهدية وتداعيات سياسية

ورغم الجدل، تم تسليم الصندوق الأحمر المعدل إلى ترامب خلال لقاء جمعه برئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقر تشيكرز الريفي خلال سبتمبر الماضي.

لكن القضية لم تتوقف عند حدود الهدية، إذ شهدت الأشهر التالية سلسلة من التطورات السياسية، شملت إقالة بيتر ماندلسون من منصبه سفيرًا لبريطانيا لدى واشنطن، إلى جانب استقالات وإقالات أخرى طالت مسؤولين ارتبطت أسماؤهم بملف تعيينه أو بالإجراءات التي سبقت توليه المنصب.

 

تكشف هذه الوثائق جانبًا خفيًا من كواليس العمل الدبلوماسي والسياسي البريطاني، حيث تحولت هدية بروتوكولية كان الهدف منها تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة إلى قضية أثارت جدلًا واسعًا داخل دوائر الحكم في لندن. كما تعكس الواقعة كيف يمكن لتفاصيل تبدو بسيطة في ظاهرها أن تتحول إلى ملف سياسي معقد عندما تتداخل مع حسابات السلطة والتعيينات والاعتبارات الدبلوماسية.

طباعة شارك الصندوق الأحمر ترامب الحكومة دونالد ترامب

مقالات مشابهة

  • ولاية أمريكية تقاضي شركة للذكاء الاصطناعي بسبب مخاطر على المستخدمين
  • طريقنا للابتكار في زمن الذكاء الاصطناعي…
  • الذكاء الاصطناعي يمنع «الانتحار بالقفز»
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد
  • تقرير: ثورة الذكاء الاصطناعي قد ترسم مستقبل أسعار الفائدة
  • الصندوق الأحمر يشعل أزمة في لندن .. كيف تحولت هدية ستارمر لترامب إلى ملحمة سياسية وأشعلت غضب صديق إبستين؟
  • فقاعة أم طوق نجاة.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي الحامل الوحيد للاقتصاد الأمريكي؟
  • أمر رئاسي من ترامب لفحص نماذج الذكاء الاصطناعي قبل إطلاقها
  • "لم أكتب كوداً يوماً".. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مسار المستشارة القانونية لـ "OpenAI"؟
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي