ثم عاد بولس مجددًا… ولكن لماذا الآن؟
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
ثم عاد بولس مجددًا… ولكن لماذا الآن؟
محمد الحسن محمد نور
عاد مسعد بولس إلى الواجهة مجددًا، متحدثًا عن اختراقات حقيقية هذه المرة، غير أنه ما يزال ناقلًا للخطاب الأمريكي القديم نفسه، بعد أن خفت حضوره مؤقتًا إثر تصريحات وزير الخارجية الأمريكي، والتي بدت – في توقيتها – وكأنها تنسف فكرة “الضغط المتوازن” وتمنح الجيش السوداني هامش حركة أوسع.
توقيت عودة بولس لا يبدو بريئًا. فهو يأتي في توقيت دقيق، وفي ظل تقدم ميداني واضح للجيش السوداني، وانحسار تدريجي ومضطرد لقدرات قوات الدعم السريع في عدة محاور. وهو ما أعاد واشنطن، على ما يبدو، إلى نقطة القلق الأساسية: فقدان القدرة على التأثير في مسار الصراع عبر أدواتها السياسية المعتادة.
في مقابلته مع سكاي نيوز عربية، قدّم بولس ما أسماه “إضافات جديدة”، لكنها في الجوهر إعادة تدوير لنفس الطرح، مع محاولة تغليفه بعناوين أكبر. فقد قال إن لدى واشنطن خطة سلام جاهزة، وإن اللجنة الرباعية وافقت عليها، وإن هذه الخطة ستُرفع إلى مجلس الأمن الدولي، رافق هذه النقاط حديثه بإسهاب عن الشق الإنساني، مشيرًا إلى التبرعات الأمريكية (700 مليون دولار) والإماراتية (500 مليون دولار).
لكن المستمع المتابع لهذه المقابلة لا يحتاج إلى كثير جهد ليلاحظ بوضوح أن الحديث غير متماسك سياسيًا، وأن بولس يقفز بين مسارات متناقضة. فهو من جهة يروّج لدور مجلس الأمن، ومن جهة أخرى يتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها هي التي همّشت دور مجلس الأمن عمداً وعلنًا في ملفات أكبر وأكثر خطورة ووضوحًا: فنزويلا، إيران، غزة… بل وحتى اليمن، حيث لم تعترض واشنطن على الحسم العسكري، ولم تعرضأىوساطة، ولم تقترح أي “خطة سلام”.
هنا تحديدًا تبدأ الأسئلة المشروعة.
بولس شدد خلال المقابلة على “الآلية الأممية” ومبادرات “الرباعية”، وهو يعلم يقينًا أن الحكومة السودانية ترفض أحد أطراف هذه الرباعية تحديدًا: دولة الإمارات العربية المتحدة. وليس ذلك من باب المكايدة السياسية، بل بسبب اتهامات واضحة ومعلنة بدعم قوات الدعم السريع عسكريًا ولوجستيًا وسياسيًا. تجاهل هذه النقطة لا يمكن أن يكون سهوًا، وانما يشير إلى تعمّد أمريكي واضح لإعادة فرض وسيط مرفوض.
ولا يمكن فصل مضمون المقابلة عن المنصة التي بُثت عبرها. فقناة اسكاي نيوز عربية ليست قناة محايدة في هذا الملف، وهي مرتبطة مباشرة بالإمارات، ما يجعل الرسالة مزدوجة الاتجاه؛ فهي تُقرأ كرسالة ضغط على الحكومة السودانية، وقد تُفهم في الوقت نفسه كرسالة تطمين لحلفاء واشنطن في أبوظبي بأن نفوذهم لم يُستبعد بعد.
أما الشق الإنساني، الذي أسهب بولس في الترويج له باعتباره الوجه الأخلاقي الذي يهم واشنطن، فلا يمكن التعامل معه كتفصيل عابر. فالحكومة السودانية تنظر إلى المسار الإنساني بوصفه مدخلًا مفخخًا لإعادة تدويل الصراع، وفرض ترتيبات ميدانية جديدة – من قبيل الانسحابات، والمناطق العازلة، والإدارة الأممية – دون حسم سياسي أو عسكري حقيقي. وهو سيناريو جُرّب سابقًا وأنتج واقعًا أكثر تعقيدًا.
على التوازي، تظهر حركة دبلوماسية نشطة في الإقليم. فقد أعلن وزير الخارجية المصري موقفًا متريثًا وواضحًا، يرفض أي تسوية تُبقي المليشيات كفاعل سياسي أو عسكري. كما برزت تحركات رئيس الوزراء السوداني دكتور كامل إدريس في سويسرا، في سياق البحث عن مخرج لا يصطدم مع مفهوم الدولة. إلى جانب ذلك، تعقد اجتماعات مكثفة لوزير الخارجية السوداني، تهدف إلى إعادة تعريف الصراع دوليًا باعتباره حرب دولة ضد مليشيا، لا نزاعًا متكافئًا بين طرفين.
وسط هذا المشهد، يكرر بولس العبارة الأمريكية المألوفة: “لا يوجد حل عسكري”.
غير أن الوقائع التي شهدتها المنطقة، وتحت سمع وبصر واشنطن، تقول غير ذلك. ففي اليمن، لم تعارض الولايات المتحدة الحل العسكري عندما خدم مصالحها. وفي غزة، لم تطرح حلًا سياسيًا من الأساس. أما في أوكرانيا، فقد شجعت الحرب حتى آخر جندي.
لذلك، يصبح من حق الحكومة السودانية أن تتساءل: لماذا يصبح “الحل العسكري” محرّمًا فقط عندما يتقدم الجيش السوداني؟
هنا نصل إلى جوهر السؤال: ماذا تريد واشنطن فعليًا من السودان؟
هل تسعى إلى إعادة سيناريو التقسيم عبر بوابة إنسانية بعد أن فشل عسكريًا؟
أم إلى إعادة إنتاج سلطة مدنية ضعيفة أو موالية، على شاكلة حكومة حمدوك، قابلة للضغط والتوجيه؟
أم إلى حماية مصالح حلفائها الإقليميين الداعمين لقوات الدعم السريع؟
أم إلى تجميد الصراع عند نقطة تمنع الحسم، وتُبقي السودان ساحة مفتوحة للتفاوض والابتزاز؟
ما يقدمه مسعد بولس لا يشكّل إجابة عن هذه الأسئلة، بل يبدو أقرب إلى محاولة للهروب منها أو الالتفاف عليها. أما الواقع، فيشير بوضوح إلى أن واشنطن عادت إلى الملف لأنها بدأت تشعر بأن زمام المبادرة قد يفلت من يدها.
الأربعاء، 4 فبراير 2026
[email protected]
المصدر
المصدر: صحيفة التغيير السودانية
كلمات دلالية: الواجهة مجدد ا مسعد بولس
إقرأ أيضاً:
تاس: استئناف المفاوضات مع أوكرانيا مرتبط بنهاية الصراع حول إيران
ذكرت وكالة تاس نقلا عن مصدر روسي، منذ قليل، ان استئناف المفاوضات مع أوكرانيا مرتبط بنهاية الصراع حول إيران، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.