طبيب نرويجي قضى 43 عاما مدافعا عن فلسطين: أوروبا تنهار أخلاقيا وبعمق
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
كوبنهاغن- "هذا الكيل بمكيالين جزء مخزٍ جدا من التاريخ الأوروبي". بهذه العبارة الحاسمة يصف الطبيب النرويجي مادس فريدريك غيلبرت موقف أوروبا من القضية الفلسطينية مقارنة بالحرب في أوكرانيا، معتبرا أن ما يحدث "انهيار أخلاقي عميق لأوروبا".
وغيلبرت ولد عام 1947 في مدينة بورسجرون جنوب العاصمة النرويجية، وتخرج في جامعة أوسلو عام 1973، وقضى منها 43 عاما إلى جانب القضية الفلسطينية منذ عمله الأول في بيروت عام 1982، حيث شاهد "مدى وحشية الهجمات الإسرائيلية" وكيف كان الاحتلال "يقصف كل شيء: المستشفيات، وسيارات الإسعاف، وخطوط الأنابيب، وشبكات الصرف الصحي".
وفي حوار مع الجزيرة نت على هامش مؤتمر "المتضامنون.. معا من أجل الإنسانية" في العاصمة الدانماركية كوبنهاغن نهاية الشهر الماضي، تحدث الطبيب والأكاديمي والناشط السياسي العالمي عن تجربته في مستشفيات غزة خلال الهجمات الإسرائيلية في أعوام 2006 و2009 و2012 و2014، وعن استهداف النظام الطبي الفلسطيني الذي يصفه بأنه "الأفضل"، وعن مقتل أكثر من 1700 عامل في القطاع الطبي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 من دون أي محاسبة.
ويقول بغضب: "تخيّلوا أن بعض أعداء إسرائيل قتلوا 1700 طبيب وممرّض وطالب طب يهودي، ماذا كان سيقول العالم حينها؟ كانت ستقوم ضجّة عارمة".
وأشاد غيلبرت "بالصحفيين الفلسطينيين والعرب الشجعان للغاية في غزة، لا سيما الجزيرة" الذين تمكنوا من أن ينقلوا للعالم جرائم الحرب الإسرائيلية، وكيف تبدو الإبادة الجماعية"، رغم استشهاد نحو 250 صحفيا، يقول عنهم إنهم "في قلبي أبطال".
من متطوع صهيوني إلى مواجهة الاحتلال
كانت بداية مادس غيلبرت مختلفة تماما؛ فقد نشأ لوالد متخصص في الفنون وأم متطرفة تعمل ممرضة، ولطالما أخبرته عن إسرائيل ونظام "الكيبوتس" ومخططات الاحتلال في "جعل الصحراء تزهر".
بل إنه خلال حرب عام 1967 قدم طلب تطوع للعمل في "الكيبوتسات" مع العسكريين الإسرائيليين، لكن محادثة واحدة مع إحدى صديقات أخته غيرت مجرى حياته، فسحب طلبه وألغى رحلته وأصبح عضوا في اللجنة النرويجية الفلسطينية.
إعلانيتذكر غيلبرت لحظة الصدمة الأولى في بيروت عام 1982: "كانت تجربتي الأولى، وأول مرة بدأت فيها العمل مع المقاومة الفلسطينية، في بيروت عندما غزت إسرائيل لبنان ووصلت حتى بيروت لقتل أبو عمار ياسر عرفات (زعيم منظمة التحرير الفلسطينية آنذاك)".
وكان غيلبرت في ذلك الوقت ضمن مجموعات من أطباء وممرضين نرويجيين ذهبوا لدعم الهلال الأحمر الفلسطيني، ولأول مرة رأى "الوحشية الإسرائيلية" على حقيقتها.
ويضيف الطبيب النرويجي بنبرة ساخرة ممزوجة بالمرارة: "كنت ساذجا جدا؛ جئت من النرويج وكنت أقول: ما هذا؟ ألا توجد حماية للناس؟ ألا توجد اتفاقية جنيف؟ ألا يوجد قانون دولي؟" وسرعان ما أدرك أنه لا يوجد شيء من ذلك "عندما يتعلق الأمر بإسرائيل".
43 عاما في مواجهة الإبادةمنذ ذلك الحين، عمل غيلبرت بشكل مستمر مع الرعاية الصحية الفلسطينية، ومنذ الانتفاضة الأولى عام 1987 زار غزة كل عام للتدريس والعمل مع زملائه وإجراء الأبحاث، حيث عمل في مستشفى الشفاء وغيره من المستشفيات الفلسطينية خلال الهجمات الإسرائيلية المتتالية في أعوام: 2006، و2009، و2012، و2014. لكن سلطات الاحتلال قررت عام 2014 منعه من دخول قطاع غزة نهائيا "لأسباب أمنية"، في محاولة لإسكات شاهد مهم على جرائمها.
وبخبرة تمتد أكثر من 4 عقود علمته حقيقة مهمة، يقول عنها مادس بفخر واضح: "نظام الرعاية الصحية الفلسطيني هو الأفضل، وكان بوسعهم إدارة كل هذا من دون أي منظمات غير حكومية تأتي من الغرب لو توفرت لهم فقط المقومات اللازمة: الماء، والطاقة، والكهرباء، والأدوية، والمعدات الطبية". لكن كل ذلك -كما يؤكد- "تم خنقه بفعل حصار غزة" المستمر منذ 18 عاما.
ويشيد غيلبرت بالعاملين الصحيين الفلسطينيين الذين يصفهم بأنهم "خبراء على مستوى العالم في تنظيم الرعاية الطبية في حالات ما نسميه الإصابات الجماعية"، مضيفا "عندما يصل مئات المرضى إلى المستشفيات فلا أحد يستطيع القيام بذلك أفضل من الفلسطينيين بسبب خبرتهم، وتدريبهم الأكاديمي العالي وأبحاثهم، وبسبب تفانيهم الشديد لشعبهم، فقلوبهم مع شعبهم ولا يرحلون".
ويذكرنا الطبيب النرويجي بحقيقة ضحايا القطاع الطبي "لا تنسوا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل أكثر من 1700 عامل في القطاع الطبي منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. هؤلاء أطباء وممرضون ومسعفون وطلبة طب وصيدلة، وكل من يعمل في الرعاية الصحية. ولم يُحاسِب أحد إسرائيل على ذلك".
ويضيف بتعابير الغضب: "اقلبوا الأمر، وتخيّلوا أن بعض أعداء إسرائيل قتلوا 1700 طبيب وممرّض وطالب طب يهودي، ما الذي كان سيقوله العالم حينها؟" ويجيب بصوت ممزوج بالأسى: "كانت ستقوم ضجّة عارمة".
أكثر ما يؤلم الطبيب الناشط، الذي شارك في أعمال التضامن الطبي في ميانمار وأنغولا وأفغانستان وكمبوديا ولبنان، هو موقف أوروبا من القضية الفلسطينية مقارنة بالحرب في أوكرانيا، إذ يقول بمرارة: "تماما كما نرى في أوكرانيا، حيث يقاتل الشعب الأوكراني روسيا بدعم كامل من المجتمع الأوروبي، فيزوّدونهم بالسلاح، ويمنحونهم المال، ويقدّمون لهم دعما سياسيا".
إعلانويضيف غيلبرت أنه خلال أسبوع واحد من بدء الحرب الروسية الأوكرانية، فُرضت كل العقوبات على روسيا، اقتصادية وسياسية. وماذا عن إسرائيل؟ ماذا عن فلسطين؟ ماذا عن غزة؟ لا شيء".
ويصف هذا الموقف بـ"اللسان المشقوق" للاتحاد الأوروبي و"المعايير المزدوجة". ويشرح وجهة نظره قائلا "فمن جهة يقولون: لكم الحق في قتال الاحتلال يا أوكرانيا، ولكم الحق في قتال الاحتلال بالسلاح، وهذا صحيح وموجود في القانون الدولي، فأي شعب واقع تحت الاحتلال له الحق في قتال المحتل بالسلاح ضمن حدود القانون الدولي. لكن عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين: آه، أنتم إرهابيون".
وفي ما يتعلق "بخطة السلام" التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فلا يجد غيلبرت كلمات كافية لوصفها، إلا أنه وصفها "بالسخف" وأنها تعكس واقعا "عبثيا، ويخيل إليك أنها مأخوذة من الكوميديا".
ويتساءل مستنكرا: هل ينبغي لمن قصفوا وكانوا مسؤولين عن الإبادة الجماعية أن يشكّلوا لجنة لإعادة إعمار غزة ولحكم غزة؟" ولكنه يجيب عن ذلك بأن "هذا أكثر استعمارية وإمبريالية مما رأيناه في أي وقت مضى، حتى في عهود الاستعمار القديمة".
الحقيقة هي السلاح الأقوى
ورغم قتامة كلماته السابقة، يجد غيلبرت بصيص أمل في حركة التضامن الشعبية العالمية مع القضية الفلسطينية، ويقول بفخر "أنا فخور جدا بأن أكون جزءا من حركة التضامن الشعبية مع فلسطين، التي نراها الآن في أنحاء العالم، وأنا مع حركة التضامن منذ أكثر من 40 عاما ولم أر قط حركة تضامن دولية مع فلسطين وغزة بهذه القوة والتفاني كما نراها الآن".
ويعزو ذلك إلى دور الصحافيين الفلسطينيين والعرب، "وهذا يعود جزئيا إلى أننا رأينا بأعيننا ما يجري في غزة، لذلك لا تستطيع وسائل الإعلام الكذب لأن الناس تعرض لهم الحقيقة". مبينا أن الصحافيين الفلسطينيين والعرب الشجعان للغاية في غزة، لا سيما الجزيرة، تمكنوا من أن يظهروا للعالم جرائم الحرب الإسرائيلية، وكيف تبدو الإبادة الجماعية".
ويشدد الطبيب النرويجي على أهمية التوثيق "فيجب أن نتحمل مسؤولية إظهار الحقيقة للعالم بالأرقام والعلم والتوثيق على النحو الذي نتحدث به، ليس فقط أن نهتف بشعارات فلسطين حرة، بل أيضا بأن نوثّق ما أسميه تضامنا قائما على الأدلة".
وفي ختام حديثه مع الجزيرة نت في كوبنهاغن، يوجه غيلبرت رسالة إلى كل إنسان: "لكل شخص صوت، ولكل شخص موهبة، وعلينا جميعا أن نرفع صوتنا، وأن نفعل نتقنه، فإذا كنت فنانا فاصنع أغنية، وإذا كنت رساما فارسم لوحة، إذا كنت ناشطا سياسيا فنظّم تظاهرة، وإذا كنت سياسيا فقدّم عريضة في برلمانك".
ويختم تصريحاته للجزيرة نت بنبرة حاسمة تعكس خبرة 4 عقود من النضال: "لذلك نحتاج الآن إلى عقوبات، وحظر على الأسلحة، وعقوبات ثقافية، وعزل كامل لإسرائيل والولايات المتحدة لإنقاذ ما تبقى مما يمكن إنقاذه من غزة، ولوقف الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني فورا".
ثم يقول بإيمان راسخ: "في نهاية المطاف ستكون فلسطين حرة، في نهاية المطاف سيتمكن الشعب الفلسطيني من إدارة مستقبله بنفسه وسيهزم الاستعمار والإمبريالية مرة أخرى. فلسطين لن تستسلم. ونحن لا ينبغي أن نستسلم. كلّنا غزة، وكلّنا فلسطين، وكلّنا حرية حتى النصر".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات القضیة الفلسطینیة الإبادة الجماعیة الطبیب النرویجی أکثر من
إقرأ أيضاً:
مصطفى كمال الدين: والدي شارك في حرب فلسطين ووصل لمشارف القدس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
كشف اللواء مصطفى كمال الدين حسين، عضو مجلس النواب الأسبق ونجل اللواء الراحل كمال الدين حسين، عضو تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة ووزير التربية والتعليم ونائب رئيس الجمهورية الأسبق، تفاصيل جديدة عن حياة والده ودوره في ثورة 23 يوليو، مؤكداً أن والده كان من المشاركين في حرب فلسطين عام 1948، وأنه انضم مبكراً إلى تنظيم الضباط الأحرار.
وأوضح مصطفى كمال الدين حسين، خلال لقائه عبر شاشة الفضائية المصرية، أن والده تقدم إلى الكلية الحربية ثلاث مرات، بعد أن رُفض في المرتين الأولى والثانية لصغر سنه، قبل أن يلتحق بها في المحاولة الثالثة، مشيراً إلى أن والده كان مصمماً على دخول الحياة العسكرية والإسهام في الدفاع عن الوطن.
وأضاف، أن والده شارك قبل الثورة في حرب فلسطين عام 1948 ضمن مجموعات الفدائيين بقيادة البطل أحمد عبد العزيز، موضحاً أن القوات وصلت إلى مشارف القدس وحاصرتها، قبل أن تؤدي الهدنة والظروف السياسية إلى تغيير مسار العمليات.
وأشار إلى أن والده كان من الضباط الذين شاركوا في وضع خطة التحرك ليلة ثورة 23 يوليو، إلى جانب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم عامر، موضحاً أن الخطة تضمنت تحديد مهام القوات وتحركاتها والسيطرة على المواقع الحيوية، بالإضافة إلى تأمين مداخل السويس لمنع أي تدخل بريطاني في تحركات الثورة.
وأكد أن الخطة تضمنت أيضاً السيطرة على مبنى الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مشيراً إلى أن جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ووالده كانوا يتحركون في البداية بالملابس المدنية لتجنب إثارة الشبهات.
وكشف أن الضابط يوسف صديق تحرك قبل الموعد المحدد، بعدما وصلت معلومات إلى جمال عبد الناصر تفيد بأن السلطات بدأت تعرف أسماء بعض الضباط المشاركين في التحرك، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار ببدء التنفيذ، قائلاً إن «العجلة دارت» ولم يعد هناك مجال للتراجع.
وتابع أن والده ارتدى ملابسه العسكرية عقب بدء التحرك، وأخذ سلاحه، موضحاً أن هذه الصورة ظلت عالقة في ذاكرته منذ طفولته، مؤكداً أن أسرته عاشت تفاصيل تلك المرحلة عن قرب.
ولفت إلى أن والده كان من الضباط المشاركين في التخطيط للتحرك العسكري ليلة الثورة، موضحاً أن القوات تحركت للسيطرة على المواقع المهمة وتأمين مداخل السويس، بينما جرى لاحقاً اتخاذ خطوات للسيطرة على قصر عابدين ومبنى الإذاعة.
وأوضح، أن الضباط الأحرار اختاروا اللواء محمد نجيب ليتولى قيادة الثورة باعتباره ضابطاً كبيراً يتمتع بتاريخ عسكري ومكانة داخل الجيش، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا يعرفونه من خلال نادي الضباط.
وأضاف، أن الرئيس الراحل أنور السادات أذاع بيان الثورة عبر الإذاعة، بعدما عاد من السينما، بينما تحرك الضباط للسيطرة على الإذاعة ومحاصرة قصر عابدين، مؤكداً أن النقاشات داخل قيادة الثورة انتهت إلى عدم قتل الملك فاروق والسماح له بمغادرة البلاد.
وأشار إلى أن الملك فاروق تنازل عن العرش وغادر مصر في 26 يوليو 1952، موضحاً أن الضباط اختاروا تجنب إراقة الدماء، وأن الملك غادر البلاد متجهاً إلى إيطاليا.
وقال، إن وصف ما حدث في 23 يوليو بأنه «انقلاب» أو «ثورة» يختلف بحسب تعريف المصطلح، موضحاً أن الثورة أدت إلى إنهاء الاحتلال البريطاني، وإلغاء النظام الملكي، واستعادة حقوق الشعب، وتأميم قناة السويس، معتبراً أن هذه النتائج كانت من أهم التحولات التي شهدتها مصر.
وأكد أن الشعب المصري خرج في اليوم التالي للثورة، معتبراً أن هذا الخروج عكس تأييد قطاعات واسعة من المصريين لما حدث، مشيراً إلى أن الشعب لم يكن ليخرج بهذا الشكل لو كان متمسكاً بالنظام الملكي.
وتحدث عن تأثير والده في تكوينه منذ طفولته، موضحاً أنه كان يصطحبه معه خلال عمله في رفح، وأنه شهد في سن الخامسة مناورة ليلية للمدفعية، وهو ما جعله ينشأ على حب الجيش والوطن.
وأضاف، أنه عاش مع والده وأخيه حسام أجواء العدوان الثلاثي عام 1956، موضحاً أن والده كان مسؤولاً عن قطاع من جيش التحرير على خط القناة، وأنهما ذهبا معه إلى السويس خلال إجازة نصف العام، وشاهدا أجواء الحرب والاستعداد للمواجهة.
وأوضح، أن والده لم يُصب خلال العدوان الثلاثي عام 1956 كما يعتقد البعض، وإنما أصيب خلال حرب فلسطين عام 1948، مشيراً إلى أن البطل أحمد عبد العزيز وصل به إلى المستشفى بعد إصابته، وأن والده ظل في غيبوبة لفترة قبل أن يتعافى.
وأكد أن مصر لم تُهزم في حرب 1956، مشيراً إلى أن القوات المصرية واجهت عدواناً ثلاثياً شنته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، وأن انسحاب الجيش المصري من سيناء كان جزءاً من خطة عسكرية لتجنب تعرضه للإبادة بعد بدء العدوان على بورسعيد.
وأشار إلى أن حرب 1956 شهدت العديد من الملاحم والبطولات، خاصة من جانب المقاومة الشعبية والفدائيين وأفراد الدفاع، موضحاً أن المواطنين المصريين شاركوا في الدفاع عن مدنهم خلال العدوان.
وروى أن الرئيس جمال عبد الناصر زار والده برفقة عبد الحكيم عامر وعبد اللطيف البغدادي في مركز القيادة بالإسماعيلية خلال الحرب، وكان يرغب في التوجه إلى بورسعيد لتفقد القوات، إلا أن والده نصحه بالانتظار حتى الصباح بسبب توقع حدوث إنزال عسكري.
وأضاف، أن عبد الناصر عاد إلى الإسماعيلية بعد وقوع الإنزال، وشاهد المواطنين في الشوارع يحملون الأسلحة استعداداً للدفاع عن البلاد، مشيراً إلى أن الأسلحة والذخائر كانت تُوزع على المواطنين باستخدام بطاقات الهوية.
وأكد أن والده كان يرى أن التعليم يمثل الأساس الحقيقي لبناء الدولة، مشيراً إلى أنه عندما تولى وزارة التربية والتعليم عمل على الاستعانة بمجموعة من المتخصصين والاستشاريين لدراسة الملفات التعليمية قبل اتخاذ القرارات.
وأوضح، أن والده اهتم بالتوسع في إنشاء المدارس داخل القرى والنجوع، بعدما كانت مناطق كثيرة تفتقر إلى المدارس، مؤكداً أن انتشار المدارس الحكومية ساهم في إتاحة التعليم لأعداد أكبر من أبناء المصريين.
وأشار إلى أن التعليم الحكومي في تلك الفترة كان يتمتع بمستوى مرتفع، موضحاً أن المعاهد العليا الصناعية كانت تمنح الطلاب تدريباً عملياً، وأن بعض الطلاب كانوا يسافرون إلى ألمانيا للتدريب داخل المصانع، ليجمع الخريج بين الدراسة النظرية والخبرة العملية.
وأضاف، أن منظومة التعليم في تلك الفترة اهتمت بالبعثات العلمية لإعداد كوادر مؤهلة للجامعات والمدارس العليا، مؤكداً أن أي دولة لا يمكن أن تنهض إلا من خلال التعليم.
وأوضح، أن والده اهتم أيضاً بتعزيز الهوية الوطنية داخل المؤسسات التعليمية، مشيراً إلى أن المدارس كانت تقدم للطلاب مواد تتعلق بالتربية القومية والانتماء للوطن.
وأكد أن المدارس في تلك الفترة كانت تقدم تدريبات ذات طابع عسكري للطلاب، تضمنت ارتداء الزي العسكري والتدريب على بعض المهارات، مشيراً إلى أن الهدف كان إعداد جيل يمتلك روحاً وطنية وقادراً على الدفاع عن بلاده عند الحاجة.
واختتم مصطفى كمال الدين حسين حديثه بالتأكيد على أن مرحلة ثورة 23 يوليو شهدت العديد من التحولات المهمة في تاريخ مصر، سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو التعليمي، مشيراً إلى أن هذه المرحلة ما زالت بحاجة إلى مزيد من التوثيق والدراسة.