جونو.. المركبة التي كشفت أعماق المشتري وأعادت كتابة تاريخه
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
لم يكن كوكب المشتري (Jupiter) يوما كوكبا عاديا في خيال البشر. ذلك العملاق الموشّى بالسحب، المتوّج بالبقعة الحمراء العظيمة، بدا لقرون وكأنه حارس أسرار النظام الشمسي، يحتفظ بماضيه في أعماق لا يصلها الضوء ولا الخيال. وحين قررت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) إرسال مركبة إلى هناك، لم تكن تسعى إلى صورة جميلة، بل إلى مواجهة مباشرة مع أصل الحكاية.
في صباح الخامس من أغسطس عام 2011، ارتجّ ساحل كيب كانافيرال بينما انطلق صاروخ "أطلس 5" حاملا على قمته مركبة أُطلق عليها اسم "جونو" (Juno).
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2كيف تدور الشمس في الفضاء؟list 2 of 2رحلة "جونو" بالصور.. استكشاف أسرار كوكب المشتريend of listلم يكن الاسم صدفة، ولم يكن تقنيا باردا، بل مستعارا من أسطورة قديمة تقول إن الإلهة "جونو" وحدها كانت قادرة على رؤية حقيقة "جوبيتر" خلف السحب التي كان يتخفّى بها، وكأن المهندسين والعلماء أرادوا منذ البداية أن يقولوا: هذه ليست مهمة مراقبة، بل مهمة كشف.
خمسة أعوام كاملة قضتها "جونو" في الطريق، تعبر فراغا قاسيا يبتلع الضوء ويصمت فيه الزمن، مستفيدة من دفعة جاذبية الأرض، قبل أن تصل أخيرا إلى هدفها في 4 يوليو/تموز 2016 (يوم استقلال أمريكا).
هناك عند تخوم أقوى مجال مغناطيسي في النظام الشمسي، بدأت المغامرة الحقيقية. لم تدخل "جونو" مدارا دائريا آمنا، بل اختارت مسارا قطبيا بيضاويا جريئا، يقترب حد التهديد ثم ينسحب، وكأنها تغمز للمشتري في كل دورة وتقول: ما زلت هنا.
الاقتراب من العملاق وكشف الأسرارما يجعل "جونو" مختلفة ليس فقط ما تدرسه، بل كيف تعيش. فهي أول مركبة تعمل بالطاقة الشمسية في هذا البعد السحيق، حيث الشمس ليست سوى قرص باهت.
ثلاثة أذرع شمسية هائلة تمتد منها كأجنحة طائر ميكانيكي، تجمع ما يكفي من الضوء بالكاد لتبقيها حيّة. وفي قلبها، داخل قبو من التيتانيوم السميك، تختبئ أدمغتها الإلكترونية ككائن يعرف أنه محاط بالموت الإشعاعي من كل جانب.
ومع كل اقتراب بدأت الأسرار تتساقط، لم يكن المشتري كرة غازية بسيطة كما تخيّله العلم طويلا. كشفت "جونو" أن رياحه لا تقف عند السحب، بل تغوص مئات الكيلومترات إلى الداخل، وأن بقعته الحمراء العظيمة ليست زينة سطحية، بل هي إعصار عميق الجذور يمتد كجرح قديم في جسد الكوكب.
إعلانأما قطباه فقد فاجآ الجميع بعناقيد من الأعاصير الزرقاء، مصطفة في أشكال هندسية، كأنها رقصة ثابتة منذ آلاف السنين، وأن قطره القطبي أصغر من قطره الاستوائي مع قياس جديد لهذه الارقام.
التماثيل الثلاثة.. ذاكرة البشر في رحلة آليةلكن وسط كل هذا العلم الصلب، حملت "جونو" شيئا لا يُقاس بالواط ولا بالكيلومتر. حملت ثلاثة تماثيل صغيرة، لا يتجاوز طول الواحد منها بضع سنتمترات، لكنها تختصر قصة البشر مع السماء.
التمثال الأول هو "جونو" نفسها، ترتدي عباءة وتضع على عينيها عدسة مكبرة. هذه العدسة ليست زينة، بل هي إعلان فلسفي: الحقيقة تحتاج إلى أداة، وإلى جرأة النظر. "جونو" لا تحارب "جوبيتر"، بل تراقبه وتكشفه وتفهمه.
إلى جانبها يقف تمثال جوبيتر، إله السماء والعواصف، بملامح هادئة لا تشبه صور الغضب المعتادة. وكأن الرسالة تقول إن الطبيعة ليست عدوا، بل هي قوة عمياء تنتظر من يفهمها بدل أن يخشاها.
أما التمثال الثالث، فهو الأهم رمزيا: غاليليو غاليلي، الرجل الذي وجّه تلسكوبه البدائي نحو المشتري قبل أكثر من أربعة قرون، واكتشف أن له أقمارا تدور حوله، في لحظة كسرت مركزية الأرض إلى الأبد.
يحمل غاليليو تلسكوبه الصغير، وعلى قاعدة التمثال نُقشت كلماته الشهيرة عن تلك الأقمار. وجوده هنا ليس تكريما تاريخيا فحسب، بل هو اعتراف بأن كل قفزة علمية تبدأ بنظرة متسائلة.
وحين مددت "ناسا" مهمة جونو بعد 2018، لم يكن ذلك قرارا إداريا باردا، بل استجابة لآلة أثبتت أنها ما تزال قادرة على الدهشة. اقتربت من أقمار المشتري الكبيرة: "غانيميد فـ"يوروبا" ثم "آيو"، ورأت عوالم أخرى تدور في ظل العملاق، لكل منها قصة ربما لا تقل إثارة.
واليوم ورغم أن العدّ التنازلي لنهايتها قد بدأ، ما تزال "جونو" تدور، تجمع البيانات وتكتب سطورا أخيرة في رواية لم تنتهِ بعد. وعندما يأتي يوم غوصها الأخير في غلاف المشتري، لن يكون ذلك موتا، بل عودة إلى حضن الكوكب الذي كشفت أسراره، حماية لأقماره، واحتراما لاحتمال حياة لم تُكتشف بعد.
"جونو" ليست مجرد مركبة، إنها رسالة تقول إن الإنسان، مهما بدا صغيرا، يستطيع أن يرسل سؤالا عبر مليارات الكيلومترات، وينتظر الجواب بصبر ودهشة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فضاء لم یکن
إقرأ أيضاً:
رويترز تكشف معلومات جديدة وخطيرة عن حمولة الطائرة الإيرانية التي وصلت اليمن.. طهران ارسلت كمية من الذهب وعتاد عسكري ونحو 20 خبيراً من الحرس الثوري
كشفت أربعة مصادر مطلعة لوكالة "رويترز"، الخميس، أن إيران أرسلت خلال يوليو الجاري قيادات من الحرس الثوري ومستشارين عسكريين، إلى جانب شحنات من المعدات الخاصة بالصواريخ والطائرات المسيرة، إلى اليمن، في خطوة تشير إلى مساعٍ لتعزيز قدرات جماعة الحوثي على تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وقالت المصادر، التي تضم مصدرين إيرانيين ووزير الإعلام اليمني ومحللا أمنيا إقليميا، إن طهران نقلت أفرادا من الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى معدات عسكرية، على متن طائرة انطلقت من العاصمة الإيرانية طهران إلى اليمن في 13 يوليو، في عملية لم يُكشف عنها من قبل.
وبحسب المصادر، فإن هذا التحرك في إطار دعم إيران لحلفائها الحوثيين، وتعزيز قدراتهم العسكرية، لا سيما في مجال الصواريخ والطائرات المسيرة، بما يزيد من قدرتهم على استهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
وقال المصدران الإيرانيان لـ"رويترز" إن الرحلة الجوية التي سيرتها شركة (ماهان إير) أقلت ما بين 10 و21 من أفراد الحرس الثوري، وبينهم قيادات كبيرة.
والوجهة المقررة للطائرة كانت في البداية العاصمة صنعاء التي تخضع لسيطرة الحوثيين لكن جرى تغيير وجهتها الى الحديدة على البحر الأحمر بعد تعرض المطار لهجوم من الحكومة اليمنية.
وقال أحد المصادر "سافر قادة الحرس الثوري إلى هناك لدعم عمليات الحوثيين وتقديم التدريب على أنظمة صواريخ جديدة"، مشيرا إلى أن إيران أرسلت أيضا كمية من الذهب على الطائرة لتمويل أنشطة الحوثيين.
وطلب المصدران الإيرانيان عدم ذكر اسميهما بسبب مخاوف أمنية.
ويقدم إرسال إيران لهذا الدعم دليلا جديدا على جهود طهران لدعم الحوثيين الذين يخوضون حربا مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا منذ أكثر من عقد ونفذوا من قبل هجمات بصواريخ وطائرات مسيرة في المنطقة.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه البحر الأحمر توترات متصاعدة، مع استمرار هجمات الحوثيين على السفن التجارية والعسكرية، وهو ما دفع الولايات المتحدة ودولًا أخرى إلى تكثيف عملياتها العسكرية لحماية الملاحة الدولية في المنطقة.