بينما يجتمع الدبلوماسيون في قاعات "مسقط" الهادئة سلطنة عُمان، يخيّم جوٌّ مشحونٌ بتوترٍ مألوف، ورغم أن المشهد يُعيد التاريخ إلى الواجهة، إلا أن اللاعبين والمخاطر قد تغيّرت جذرياً.

بالنسبة للقارئ العادي، غالباً ما تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران وكأنها "حرب باردة" دائمة على الرمال… إلا أن أحداث الأشهر الثمانية عشر الماضية أعادت كتابة قواعد اللعبة، محولةً جموداً طال أمده إلى لعبة بقاء محفوفة بالمخاطر.

الواقع الجديد: يدٌ ضعيفة

تاريخياً، كان "محور المقاومة" هو خط الدفاع الرئيسي لإيران ضد الغرب، وهو عبارة عن شبكة من الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة، ونظام الأسد في سوريا، ولعقود، مثّلت هذه الجماعات "خط الدفاع الأمامي" لإيران، ضامنةً أن أي تهديد لطهران سيُشعل فتيل الصراع في الشرق الأوسط بأكمله.

بحلول أوائل عام 2026، انهار هذا الدرع، وأدى سقوط بشار الأسد في أواخر عام 2024 والتراجع العسكري الكبير الذي طرأ على حزب الله وحماس طوال عام 2025 إلى عزلة طهران أكثر من أي وقت مضى خلال الأربعين عامًا الماضية، بالنسبة لواشنطن، لا يقتصر الأمر على مجرد جولة أخرى من العقوبات، بل هو فرصة للتفاوض مع خصم بلغ نفوذه الإقليمي أدنى مستوياته تاريخيًا.

أصداء عام 1979: الشارع يتحدث

لفهم الموقف الإيراني الراهن، لا بد من العودة إلى ثورة 1979، حينها، أطاحت موجة من السخط الشعبي بنظام ملكي مدعوم من الغرب، واليوم، تعكس انتفاضة "الأسد والشمس" - التي أشعلتها انهيار الريال وسنوات من المصاعب الاقتصادية - حالة عدم الاستقرار الداخلي التي سادت تلك الحقبة.

أما الجديد لعام 2026 فهو وحشية القمع الداخلي ونطاقه الواسع، فعلى عكس احتجاجات عام 2022، وصلت الموجة الحالية إلى أعماق معاقل النظام التقليدية، يضع هذا القيادة الإيرانية في مأزق مزدوج.

فإذا تنازلت لواشنطن لرفع العقوبات، فإنها تخاطر بالظهور بمظهر الضعيف أمام مؤيديها المتشددين.

وإذا رفضت الحوار، سيستمر الاقتصاد في التدهور، مما قد يُؤجج ثورةً يصعب احتواؤها.

"التابوت" النووي

يُعدّ البرنامج النووي الجزء الأكثر تعقيدًا - والأخطر - في المعضلة الراهنة، فبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية المباشرة على منشأة فوردو في يونيو 2025، لم تكتفِ إيران بإعادة البناء، بل توغلت أكثر،  وتشير التقارير الآن إلى بناء "تابوت" خرساني ضخم في مجمع بارشين، مصمم لجعل برنامجها النووي محصنًا تقريبًا ضد الضربات الجوية التقليدية.

وقد ردّت حملة "الضغط الأقصى 2.0" التي أطلقتها واشنطن بقيادة إدارة ترامب، بإنذار "وقف التخصيب".

وهذا يُشكّل تشابهًا تاريخيًا مثيرًا للاهتمام مع الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ففي ذلك الوقت، كان الهدف هو الاحتواء من خلال التعاون، اليوم، عادت الاستراتيجية إلى الاحتواء القسري، ولكن مع تغييرٍ ملحوظ: إذ تستخدم الولايات المتحدة الآن أسر حلفاء مثل مادورو في فنزويلا لقطع تجارة النفط الإيرانية غير الرسمية.

لماذا هذه المرة مختلفة؟

في العقود الماضية، كان بإمكان إيران الاعتماد على الصين وروسيا كحاجز دبلوماسي، ورغم أن هذا التحالف لا يزال قائماً على الورق، إلا أن ضربات عام 2025 أثبتت أن بكين وموسكو تتزايدان تردداً في توفير غطاء عسكري لطهران عندما تكون مصالحهما الاقتصادية على المحك.

علاوة على ذلك، فإن محادثات عام 2026 في عُمان لا تقتصر على أجهزة الطرد المركزي النووية فحسب، بل هي المرة الأولى التي تربط فيها واشنطن صراحةً تخفيف العقوبات بحقوق الإنسان المحلية، كرد فعل مباشر على احتجاجات "الأسد والشمس"، و بوضع معاملة النظام لمواطنيه على طاولة المفاوضات، أدخلت الولايات المتحدة متغيرًا لطالما اعتبرته الجمهورية الإسلامية "خطًا أحمر".

باختصار: محادثات مسقط أقرب إلى هدنة تكتيكية منها إلى "قمة سلام"،  إيران تكسب الوقت، آملةً في تحصين منشآتها واستقرار عملتها، أما واشنطن فتسعى إلى "صفقة كبرى" تقضي على النفوذ الإقليمي الإيراني إلى الأبد.

وكما يُظهر لنا التاريخ، عندما يتباعد الطرفان إلى هذا الحد، فإن أدنى شرارة - كإطلاق طائرة مسيرة فوق حاملة طائرات أو اشتباك في شوارع طهران - كفيلة بتحويل مناورة دبلوماسية إلى حريق إقليمي هائل.

طباعة شارك أحمد ياسر كاتب صحفي دونالد ترامب أخبار مصر إيران مفاوضات عمان النووي الإيراني واشنطن وإيران

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: أحمد ياسر كاتب صحفي دونالد ترامب أخبار مصر إيران مفاوضات عمان النووي الإيراني واشنطن وإيران

إقرأ أيضاً:

عصر يدعو للتوسع في الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والمنازل

دعا وزير الاقتصاد الأسبق منير عصر إلى تبني خطة وطنية للاستفادة من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها ليبيا في مجال الطاقة الشمسية، متسائلًا عن أسباب عدم استخدام أعمدة إنارة تعمل بالطاقة الشمسية في الشوارع العامة، رغم أن البلاد تتمتع بأحد أعلى معدلات السطوع الشمسي في العالم.

واقترح عصر البدء بتزويد المنازل بألواح طاقة شمسية لتوفير الإضاءة وتسخين المياه، على أن يكون ذلك خطوة أولى نحو التوسع في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية.

وأشار إلى أن مصر تولد ما يعادل نحو نصف الكهرباء المستخدمة في ليبيا من مصادر الطاقة الشمسية والرياح، لافتًا إلى أن عددًا من دول إسكندنافيا يعتمد بدرجة كبيرة على طاقة الرياح، فيما حققت كل من الصين والولايات المتحدة نجاحًا ملحوظًا في التوسع باستخدام مصادر الطاقة المتجددة.

واعتبر أن التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية يمكن أن يسهم في خفض استهلاك الكهرباء وتعزيز أمن الطاقة والاستفادة من الموارد الطبيعية التي تزخر بها ليبيا.

مقالات مشابهة

  • من النووي إلى هرمز .. سمير فرج يكشف تحولا خطيرا في مسار المواجهة بين واشنطن وطهران
  • التلفزيون الإيراني: سماع دوي انفجارات في جزيرة قشم
  • الحرس الثوري الإيراني يعلن تدمير صاروخ "توماهوك" أمريكي في كرمان
  • مأزق واشنطن.. هل يفتح ترامب جبهة ثامنة في مالي للهروب من المستنقع الإيراني؟
  • بعد استغاثته لـ ياسر جلال.. من هو بدوي فهمي وأبرز أعماله الفنية؟
  • «قوى إعلان المبادئ» تجدد رفض إشراك المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية
  • ما هو موقع "بيكاكس ماونتن" الإيراني المرتبط بالبرنامج النووي؟
  • بيانُ الميدانِ يكتبُ معادلةَ الحصارِ بلغةِ النار
  • عصر يدعو للتوسع في الطاقة الشمسية لإنارة الشوارع والمنازل
  • موجة قلق في تل أبيب: الاتفاق النووي الأمريكي مع الرياض وصفقة الـ F-35 لتركيا يرعبان إسرائيل