لغم مربعات لبنان الأمنية.. هل ينسف شهر العسل مع دمشق؟
تاريخ النشر: 6th, February 2026 GMT
لم يأتِ اتفاق نقل السجناء السوريين من السجون اللبنانية إلى بلادهم بوصفه إجراء تقنيا معزولا، بل كخطوة سياسية شديدة الحساسية، تضع مسار العلاقة الناشئة بين بيروت ودمشق أمام اختبار مبكر، وهو اختبار لا يتعلق بنجاح الاتفاق بحد ذاته، بل بقدرته على فتح الملفات الأثقل التي طالما جرى الالتفاف حولها.
فالاتفاق، الذي قُدِّم رسميا كحلّ جزئي لأزمة اكتظاظ السجون، سرعان ما اتخذ بعدا أوسع باعتباره مدخلا لسلة ملفات سيادية مؤجلة، ما جعله اختبارا لقدرة هذا المسار على الصمود عند أول احتكاك بواقع أمني لبناني معقّد.
وضمن النقاش الذي دار في برنامج "ما وراء الخبر"، مالت قراءة الكاتب والمحلل السياسي بشارة شربل إلى اعتبار الاتفاق خطوة اضطرارية فرضتها ضرورات سياسية أكثر مما أنتجها مسار قانوني مكتمل، في ظل غياب أطر تشريعية تنظّم تبادل المحكومين بين البلدين.
هذه القراءة تجعل الاتفاق أشبه بصفقة عبور لا محطة استقرار، فلبنان كما يلمّح شربل، قدّم تنازلا محسوبا لفتح أبواب أخرى مغلقة، لكنه في المقابل يدرك أن الملفات التي تلي هذا الاتفاق أعقد بكثير، ولا يمكن إدارتها بالأدوات نفسها.
وفي التقدير السوري، قدّم الكاتب والمحلل السياسي أحمد السعدو مقاربة مختلفة في المنطلق لكنها متقاطعة في النتيجة، فالخطوة برأيه ليست مجرد تسوية ظرفية، بل ضرورة سياسية لمرحلة جديدة في سوريا عنوانها إعادة ترتيب العلاقة مع الجوار وتفكيك إرث ثقيل خلّفه النظام السابق.
ومن هذا المنظور، لا تُقرأ قضية السجناء بوصفها ملفا إنسانيا فقط بل كجزء من ضغط شعبي سوري واسع على السلطة الجديدة، خاصة في ملف الموقوفين غير المحكومين الذين يتجاوز عددهم الألفين، ويُنظر إلى كثير منهم باعتبارهم أُوقفوا لأسباب سياسية مرتبطة بالثورة.
تباين دقيقهنا يبدأ التباين الدقيق بين المقاربتين، فبينما يتعامل الجانب اللبناني مع الاتفاق بوصفه خطوة اضطرارية قابلة للتدرّج، تنظر دمشق إليه كاختبار نيات تقاس جديته بما سيليه لا بما أنجزه، وهذا ما يجعل الملفات اللاحقة وعلى رأسها ملف ضباط النظام السابق الفارين إلى لبنان العقدة الأشد حساسية.
إعلانفي هذا الملف تحديدا، كان تشخيص بشارة شربل مباشرا، حيث يرى أن المشكلة لا تكمن في الإرادة السياسية المعلنة بل في الواقع الأمني اللبناني، فالدولة وفق توصيفه، لا تسيطر على كامل أراضيها ولا تمسك بجميع مفاصلها الأمنية، ما يخلق "مربعات" خارجة عن السلطة الفعلية تشكّل ملاذا طبيعيا للفارين من العدالة.
هذا التوصيف لا يكتفي بتفسير التعقيد بل ينزع عن الحكومة اللبنانية قدرة الحسم حتى لو توافرت النية، فملف الضباط كما يراه شربل، يصطدم مباشرة بوجود سلاح غير شرعي وبنفوذ أمني لا يخضع للدولة، وهو ما يحوّل أي تعاون مع دمشق إلى مسار بطيء ومليء بالعراقيل.
في المقابل، لا تتعامل دمشق مع هذا الملف بوصفه تفصيلا مؤجلا، فالسعدو ربطه مباشرة بوثائق مسرّبة وتحقيقات حديثة تشير إلى وجود ضباط أمنيين كبار من النظام السابق داخل الأراضي اللبنانية، ومن هنا فإن المسألة، وفق قراءته، لم تعد سياسية فقط بل أمنية بامتياز.
ويذهب السعدو إلى أبعد من ذلك حين يربط بين هذا الملف وبين اتهامات مباشرة لحزب الله باستخدام الساحة اللبنانية منصة لأنشطة أمنية تستهدف سوريا، كما في قضية "خلية المزة"، ويعيد هذا الربط تعريف المشكلة من كونها خلافا ثنائيا إلى كونها أزمة متعددة الأطراف يدخل فيها فاعل غير دولتي يمتلك قدرة تعطيل عالية.
تفاؤل حذر
هذا التعقيد الثلاثي -دولة لبنانية محدودة السيادة، وسلطة سورية تسعى لإثبات مرحلة جديدة، وحزب مسلح عابر للحدود- يجعل أي تفاؤل رسمي عرضة للاهتزاز، فحتى السعدو رغم لغته الإيجابية، أقر بأن الضغوط داخل لبنان، سواء من وزراء محسوبين على حزب الله أو من أجهزة أمنية مرتبطة به، قد تعرقل أي تقدم فعلي في ملف الموقوفين أو الضباط.
في منتصف هذا المشهد، تطفو ملفات أخرى لا تقل حساسية، وهي ترسيم الحدود والمفقودون اللبنانيون في السجون السورية والعلاقات التجارية وحركة العبور، وهي ملفات وإن بدت تقنية إلا أنها مشدودة إلى السياق السياسي نفسه، وأي إخفاق في إدارتها قد ينسف الثقة الهشة المتشكلة.
شربل من زاويته، بدا حذرا من المبالغة في الرهان على الاتفاق، معتبرا أن "البرودة" بين بيروت ودمشق ليست خيارا صحيا لكنها في الوقت نفسه أقل كلفة من علاقة غير متوازنة، وهو يلمّح هنا إلى تجربة تاريخية ثقيلة، حين تحوّلت العلاقة إلى وصاية أمنية دفعت كلفتها الدولتان.
في المقابل، شدد السعدو على أن سوريا الجديدة تحاول للمرة الأولى منذ عقود النأي بنفسها عن التدخل في الشأن اللبناني، ورفض إعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة، لكنه أقر ضمنيا بأن النجاح في ذلك يبقى مرهونا بقدرة الطرف اللبناني على ضبط ساحته الداخلية.
في المحصلة، لا يبدو اتفاق السجناء نهاية لمسار بل بدايته الأكثر اختبارا، فقد كشف بسرعة أن تطبيع العلاقات لا يمر عبر الاتفاقات وحدها، بل عبر تفكيك البنى الأمنية والسياسية التي عطّلت الدولة في البلدين عقودا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
شمع العسل الأبيض.. كنز طبيعي قد يدعم صحة القلب ويحمي الأوعية الدموية
يواصل شمع العسل الأبيض جذب اهتمام الباحثين وخبراء التغذية باعتباره أحد المنتجات الطبيعية التي يتم الحصول عليها من خلايا النحل الشمعية بعد تنقيتها وتبييضها بطرق خاصة.
وعلى الرغم من أن شمع العسل يُعرف بشكل أكبر باستخداماته في الصناعات التجميلية والدوائية، فإن بعض الدراسات والتقارير العلمية أشارت إلى احتوائه على مركبات طبيعية قد تساهم في دعم صحة القلب والأوعية الدموية عند استخدامه ضمن نظام غذائي متوازن وتحت إشراف متخصصين.
ويُستخرج شمع العسل من أقراص العسل التي يبنيها النحل لتخزين العسل وحبوب اللقاح، ويحتوي على مجموعة من الأحماض الدهنية والكحولات طويلة السلسلة والمركبات النباتية الطبيعية التي تمنحه خصائص مميزة جعلته محط اهتمام العديد من الباحثين.
ويؤكد خبراء التغذية أن صحة القلب تعتمد بشكل أساسي على نمط الحياة الصحي، بما يشمل التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم، إلا أن بعض المكونات الطبيعية مثل شمع العسل قد تقدم فوائد داعمة عند استخدامها بصورة معتدلة.
ومن أبرز الفوائد المحتملة لشمع العسل الأبيض للقلب دوره في المساعدة على تحسين مستويات الدهون في الدم. فقد أشارت بعض الأبحاث إلى أن المركبات الموجودة في شمع العسل يمكن أن تساهم في خفض مستويات الكوليسترول الضار (LDL) مع دعم ارتفاع مستويات الكوليسترول النافع (HDL)، وهو ما ينعكس إيجابًا على صحة الشرايين ويقلل من تراكم الدهون داخل الأوعية الدموية.
كما يحتوي شمع العسل على مضادات أكسدة طبيعية تساعد في مكافحة الجذور الحرة التي قد تسبب تلف الخلايا وتزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب المزمنة. وتلعب مضادات الأكسدة دورًا مهمًا في حماية بطانة الأوعية الدموية والحفاظ على مرونتها، الأمر الذي يسهم في تحسين الدورة الدموية وتقليل احتمالات الإصابة بتصلب الشرايين.
ويرى مختصون أن بعض المركبات الشمعية الطبيعية الموجودة في شمع العسل قد تساعد على تقليل الالتهابات المزمنة منخفضة الدرجة، والتي تعد من العوامل المرتبطة بزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية. فكلما انخفضت مستويات الالتهاب في الجسم، تحسنت كفاءة القلب في أداء وظائفه الحيوية.
ومن الجوانب المهمة أيضًا أن شمع العسل الأبيض يحتوي على كميات ضئيلة من المركبات النباتية المفيدة التي قد تساهم في دعم صحة الأوعية الدموية وتحسين تدفق الدم.
ويساعد ذلك على وصول الأكسجين والعناصر الغذائية إلى مختلف أعضاء الجسم بكفاءة أكبر، مما ينعكس بصورة إيجابية على صحة القلب.
ويستخدم بعض الأشخاص شمع العسل ضمن وصفات طبيعية تحتوي على العسل الأبيض أو حبوب اللقاح أو غذاء الملكات، حيث يعتقد أن هذا المزيج يوفر مجموعة متنوعة من العناصر الغذائية التي تدعم الصحة العامة. ومع ذلك، يؤكد الأطباء ضرورة عدم الاعتماد على هذه المنتجات كبديل للعلاجات الطبية الموصوفة لمرضى القلب.
ويشير الخبراء إلى أن تناول شمع العسل يجب أن يكون باعتدال، لأن الإفراط في أي مادة غذائية قد يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة. كما ينبغي على الأشخاص الذين يعانون من حساسية تجاه منتجات النحل استشارة الطبيب قبل استخدامه.
وفي الوقت نفسه، تبقى الحاجة قائمة إلى المزيد من الدراسات السريرية واسعة النطاق لتأكيد التأثيرات المباشرة لشمع العسل الأبيض على صحة القلب وتحديد الجرعات المناسبة وآليات الاستفادة المثلى منه.
ويُعد شمع العسل الأبيض من المنتجات الطبيعية التي تحمل خصائص غذائية وصحية واعدة، وقد يسهم في دعم صحة القلب والأوعية الدموية بفضل احتوائه على مركبات مضادة للأكسدة وعناصر طبيعية تساعد في الحفاظ على توازن الدهون وتقليل الالتهابات. إلا أن تحقيق الفائدة القصوى يتطلب دمجه ضمن نمط حياة صحي يشمل التغذية السليمة وممارسة الرياضة والمتابعة الطبية المنتظمة للحفاظ على قلب قوي وصحة أفضل.