خريطة طريق ناقصة: ما الغائب عن تشديد الاتحاد الأوروبي وبريطانيا على المواد الكيميائية الأبدية
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
تسابق دول العالم لاحتواء ما يعرف بـ"المواد الكيميائية الأبدية"، لكن هل تكفي القيود المشددة في المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي لمعالجة المشكلة جذريا؟
أصبحت المملكة المتحدة أحدث دولة تكشف عن خطة للتعامل مع المواد الكيميائية المعروفة باسم "forever chemicals"، واصفة إياها بأنها من "أكثر التحديات البيئية إلحاحا في عصرنا".
في وقت سابق من هذا الأسبوع (ثلاثة فبراير) نشرت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية في البلاد (DEFRA) أول إطار وطني لها لحماية الصحة العامة والبيئة من هذه المواد الكيميائية المنتشرة في كل مكان.
وبموجب الخطة، ستُطلق مشاورة في وقت لاحق من هذا العام لفرض حد قانوني لمستويات مواد "PFAS" في لوائح إمدادات المياه العامة في إنجلترا. وتؤكد الحكومة أنه لا توجد أدلة على وجود المواد الكيميائية "forever chemicals" فوق "المستويات الآمنة" في شبكات مياه الشرب، لكنها تقول إن تحديد هذا الحد سيسهّل تحميل الشركات الملوِّثة المسؤولية عن "خرق القواعد" إذا جرى تجاوز المستويات المسموح بها.
وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع قليلة من تشديد الاتحاد الأوروبي القواعد الخاصة بالمواد الكيميائية الأبدية في مياه الشرب عبر إدخال نظام رصد إلزامي. غير أن الجهود في الجانبين تعرضت لانتقادات واسعة، إذ وصفها أحد الخبراء بأنها "خارطة طريق غير ناضجة".
ما هي المواد الكيميائية الأبدية ولماذا تُستخدم؟تُعرف المواد المشبعة والمتعددة الفلوروألكيل ("PFAS") بأنها مجموعة تضم أكثر من 10.000 مادة كيميائية اصطناعية رُصدت عمليا في كل مكان على كوكب الأرض، لا سيما في مصادر المياه.
ويُشار إليها عادة باسم المواد الكيميائية الأبدية لأنها قد تستغرق أكثر من 1.000 عام لتتحلل طبيعيا، وقد عُثر عليها في كل مكان من قمة جبل إيفرست إلى داخل دم الإنسان.
وقد ازدهر استخدام هذه المواد في أربعينيات القرن الماضي بفضل قدرتها على مقاومة المياه والدهون، وتُستعمل أساسا في صناعة أواني الطهي غير اللاصقة، والأقمشة المقاومة للماء، ومواد تغليف الأغذية.
لكن التعرض المزمن لمواد "PFAS" ارتبط بسلسلة من المشاكل الصحية، من بينها زيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان وانخفاض الخصوبة. وفي أوروبا يعيش نحو 12,5 مليون شخص في مجتمعات تتعرض مياه الشرب فيها لتلوث بهذه المواد.
كيف تشدد المملكة المتحدة القيود على المواد الكيميائية الأبدية؟تستند خطة العمل البريطانية إلى ثلاثة أعمدة رئيسية: فهم مصادر مواد "PFAS"، والتصدي لانتشارها، وتقليل التعرض لها.
وتقول وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية في بيان عبر الإنترنت إن ذلك سيشمل للمرة الأولى تقييم الحجم الكامل لوجود المواد الكيميائية الأبدية في مصبات الأنهار والمياه الساحلية في إنجلترا، بهدف تقديم "صورة أوضح" عن المخاطر التي تهدد هذه الموائل.
وتضيف الوزارة أن هذا التقييم يمكن أن يشكل أساسا لاتخاذ مزيد من الإجراءات التنظيمية، لكنها لم توضح ماهية هذه الخطوات المحتملة.
Related انخفاض كبير في مستويات "المواد الكيميائية الدائمة" لدى الحيتان: لماذا قد لا يكون خبرًا جيدًا؟ويتضمن الإطار أيضا خططا لإجراء اختبارات على المنتجات اليومية مثل عبوات تغليف الأغذية، لتتبع وجود مواد "PFAS"، ودعم الابتكار في "البدائل الأكثر أمانا". وتشير الوزارة إلى أن الانتقال بعيدا عن هذه المواد قد يدر "مليارات الجنيهات الاسترلينية على الشركات البريطانية"، لكنها لا توضح ما إذا كانت ستُخصَّص أي استثمارات لدعم هذه العملية.
كما أن خطة العمل لا تصل إلى حد حظر إنتاج مواد "PFAS" كليا، على غرار ما فعلته فرنسا المجاورة. والقيد الوحيد الذي تقول الحكومة إنها ستناقشه يتعلق باستخدام مواد "PFAS" في رغوات إطفاء الحرائق، وذلك بعد إجراء تحليل علمي ومشاورات عامة.
ويتضمن جزء من الخطة أيضا إطلاق صفحة حكومية جديدة على الإنترنت مخصصة لموضوع "PFAS" من أجل "تعزيز وعي الجمهور وتحسين الشفافية".
خارطة طريق "غير ناضجة"سيان ساذرلانْد، الشريكة المؤسسة لمنظمة "A Plastic Planet" و"Plastic Health Council"، تناضل منذ أكثر من عقد من أجل تنظيمات أكثر صرامة للمواد الكيميائية البلاستيكية.
وتقول في حديثها لـ"يورونيوز غرين" إن ما تصفه الحكومة البريطانية بحملة التشديد "أشبه بدرع مؤجل لا بمظلة حماية".
وتضيف: "بعد عقود من السماح لمواد "PFAS" بالتسرب إلى الماء والتربة وأجسادنا، أعلن الوزراء عن خطة تبدو كمن يحاول التقاط خارطة طريق غير مكتملة المعالم بعد أن وقع الحادث بالفعل".
Sian Sutherland الشريكة المؤسسة لمنظمةوترى الخبيرة أن عدم الالتزام بحظر كامل لمواد "PFAS" أو تحديد مهل زمنية قابلة للتنفيذ يعني تقديم "البيروقراطية على الصحة" و"المشاورات على الحماية".
هل موقف الاتحاد الأوروبي من المواد الكيميائية الأبدية أفضل؟في الشهر الماضي (12 يناير) شدد الاتحاد الأوروبي إجراءات الحماية المتعلقة بمواد "PFAS"، في سابقة تُلزِم جميع الدول الأعضاء بقياس مستويات التلوث بهذه المواد في مياه الشرب.
وتقول المفوضية الأوروبية إن نظام الإبلاغ الجديد "أبسط" من النظام السابق المنصوص عليه في توجيه مياه الشرب، ويقلل كمية البيانات المطلوب جمعها.
وفي حال تجاوز القيم الحدية، يتعين على الدول الأعضاء "اتخاذ إجراءات" لخفض مستويات مواد "PFAS" وحماية الصحة العامة، إلى جانب إبلاغ المواطنين.
وتوضح المفوضية: "قد تشمل هذه الإجراءات إغلاق الآبار الملوثة، أو إضافة مراحل لمعالجة المياه للتخلص من مواد "PFAS"، أو تقييد استخدام مصادر مياه الشرب طوال فترة استمرار تجاوز الحدود".
لكن ساذرلانْد تجادل بأن هذه المعايير تنبّه الأوروبيين إلى وصول السموم إلى صنابير منازلهم، لكنها لا تمنع إنتاج هذه المواد أو تسويقها أو إطلاقها في البيئة.
وتقول: "لا تزال آلاف المواد الكيميائية الأبدية متداولة، ويحميها نظام تنظيمي يلاحق التلوث بعد وقوعه بدلا من منعه"، مضيفة: "المراقبة الموحدة أمر مهم، لكن من دون تطبيق صارم ومستقل وعقوبات حقيقية على المنتجين، يمكن للدول الأعضاء أن تكتفي بتقديم البيانات من دون اتخاذ إجراءات فعالة".
ما الذي ينقص سياسات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي؟انتقد نشطاء بيئيون سياسات المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن المواد الكيميائية الأبدية، بشكل أساسي لأنها لا تضمن التخلص التدريجي "الشامل" من الاستخدامات غير الضرورية لمواد "PFAS" بوصفها فئة كاملة.
ويبحث الاتحاد الأوروبي حاليا في مقترح لـ"قيود شاملة" تغطي جميع المنتجات التي تحتوي على مواد "PFAS"، قدمته في عام 2022 خمس دول هي: السويد والدنمارك وألمانيا والنرويج وهولندا.
وتقول ساذرلانْد: "لا يزال التنظيم يتحرك مادة كيميائية واحدة تلو الأخرى، بينما تبقى آلاف المواد الأخرى بالقدر نفسه من الاستدامة في البيئة متداولة".
وتضيف: "إن الاستمرارية في البيئة هي الخطر الحقيقي، ومع ذلك لا يزال صانعو السياسات يتعاملون مع هذه المواد كحالات منفصلة بدلا من اعتبارها عائلة واحدة من ملوثات "أبدية"".
وتشير ساذرلانْد أيضا إلى وجود ثغرة في مسألة المساءلة في كلتا السياستين، موضحة: "نحتاج إلى تطبيق أقوى لمبدأ "الملوِّث يدفع"، بحيث تتحمل الصناعات المسؤولة عن إنتاج مواد "PFAS" تكاليف الرصد والتنظيف وحماية الصحة، بدلا من تحميل العبء للجمهور وخدمات الصحة العامة التي تعاني أصلا من نقص الموارد".
وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية لم ترد على هذه الانتقادات لدى تواصل "يورونيوز غرين" معها. كما تم التواصل مع المفوضية الأوروبية للتعليق.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب محادثات مفاوضات إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب محادثات مفاوضات إيران غرينلاند المملكة المتحدة الاتحاد الأوروبي بريطانيا إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب محادثات مفاوضات الصحة الذكاء الاصطناعي إسرائيل اليابان تركيا غزة المواد الکیمیائیة الأبدیة الاتحاد الأوروبی المملکة المتحدة میاه الشرب هذه المواد
إقرأ أيضاً:
من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟
توسع مصر نطاق البحث والاستكشاف عن النفط والغاز عبر خريطة تمتد من البحر المتوسط ودلتا النيل إلى شمال سيناء والصحراء الشرقية، في تحرك يستهدف تنويع مناطق العمل، وزيادة فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة، ورفع كفاءة استغلال البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة.
رئيس الهيئة العامة للبترول السابق لـ"24": تنوع مناطق الحفر ومرونة التعاقدات يعززان فرص جذب الاستثمارات
مدحت يوسف: الشركاء الأجانب لن يمولوا الحفر دون مؤشرات.. ونجاح خطة الـ101 بئر يُقاس بالاكتشافات والاحتياطيات لا بعدد الآبار
ووافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على 4 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن اتفاقيات للبحث عن البترول والغاز واستغلالهما، في خطوة تستهدف دعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.
ويشمل القرار مناطق شرق الإسكندرية البحرية، وشمال طنطا الأرضية، ومنطقة الفيروز في شمال سيناء، إلى جانب إعادة إسناد منطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.
تتضمن الاتفاقيات حداً أدنى من الاستثمارات يقترب من 53 مليون دولار، مع حفر ست آبار على الأقل، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية وإعادة معالجة بيانات سابقة في بعض مناطق الامتياز.
وتستحوذ منطقة شرق الإسكندرية البحرية على النصيب الأكبر من الالتزامات الاستثمارية، من خلال اتفاقية بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "كايرون إيجيبت دلتا ليمتد"، باستثمارات لا تقل عن 42.2 مليون دولار، وحفر ثلاث آبار استكشافية، فضلاً عن إعادة معالجة البيانات السيزمية المتاحة.
وفي شمال سيناء، تتضمن اتفاقية منطقة الفيروز استثمارات لا تقل عن 6.37 مليون دولار، لإجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات القديمة، إلى جانب حفر بئر استكشافية.
وتشمل التحركات أيضاً بدء أعمال جديدة للبحث عن الغاز والزيت الخام في منطقة شمال طنطا بدلتا النيل، ومواصلة البحث والتنمية والإنتاج في حقل عسران بالصحراء الشرقية، بما يجمع بين استكشاف مناطق جديدة وزيادة الاستفادة من الحقول القائمة.
تنوع مؤسسييقول المهندس مدحت يوسف، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن تنوع مناطق الاتفاقيات ليس توجهاً جديداً في حد ذاته، لكنه يعكس البناء المؤسسي الذي يتبعه قطاع البترول في توزيع مسؤوليات البحث والاستكشاف.
ويوضح يوسف لـ"24"، أن هذا النهج يبدأ منذ إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، والشركة القابضة لجنوب الوادي، بهدف تحقيق التخصص المكاني والنوعي في اتفاقيات البحث والاستكشاف، وتخفيف العبء عن الهيئة العامة للبترول التي كانت مسؤولة قبل إنشاء الشركتين عن غالبية تلك الأنشطة.
ويضيف أن هذا التقسيم يسمح بدراسة العروض من خلال لجان متنوعة وذات اختصاصات مختلفة، بما يسرع عملية البت والإسناد إلى الشركات القادرة على الاستثمار وتمويل عمليات البحث والاستكشاف، التي تحتاج إلى محافظ تمويلية ضخمة.
مصر تؤمّن مستقبل الغاز بعقود استراتيجية بعيداً عن "السوق الفورية"https://t.co/pySnFcBlU2 pic.twitter.com/CvgklpZuYb
— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026 خطة 101 بئروتستهدف مصر حفر 101 بئر استكشافية خلال 2026، ضمن برنامج أوسع يمتد حتى 2030 ويشمل مئات الآبار الجديدة، بهدف دعم الاحتياطيات وزيادة فرص إضافة إنتاج محلي جديد.
ويرى يوسف أن الخطة قابلة للتنفيذ، أو يمكن تنفيذ أجزاء كبيرة منها، لكن الحكم على وتيرتها يحتاج إلى معرفة توزيع الآبار بين الحفر البري والبحري، وليس فقط توزيعها الجغرافي.
ويقول: "الحفر الأرضي لا يتطلب فترات زمنية طويلة، ويمكن تنفيذ عدد من الآبار خلال مدد قصيرة ومحددة، أما الآبار البحرية، سواء في المياه الضحلة أو العميقة، فتحتاج إلى فترات أطول واستثمارات أكبر".
ويشير إلى أن تكلفة إيجار الحفارات البحرية ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالحفر الأرضي، ولذلك فإن قراءة الخطة تحتاج إلى تحديد عدد الآبار البحرية والبرية، لأن كل نوع يرتبط بجدول زمني وتكلفة ومخاطر تشغيلية مختلفة، مضيفاً أن أهمية الخطة لا تقاس بعدد الآبار المستهدف حفرها فقط، وإنما بنتائج الحفر وحجم الاحتياطيات المؤكدة ومعدلات الإنتاج التي يمكن أن تضيفها الاكتشافات الجديدة.
ويلفت إلى أن تحمل الشركاء الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية تمويل عمليات الحفر يمثل مؤشراً على وجود توقعات فنية واعدة، لأن المستثمر لا يوجه أموالاً إلى منطقة جديدة من دون دراسات جيولوجية وسيزمية تمنحه قدراً مقبولاً من الثقة في احتمالات النجاح.
البيانات السيزميةويقول الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن "إعادة معالجة البيانات الجيولوجية والسيزمية التي سبق جمعها عن مناطق البحث تساعد المختصين على تحديد الأولويات، وتسهل سرعة اتخاذ قرارات الحفر". وتشمل بعض الاتفاقيات الجديدة إعادة معالجة بيانات سيزمية متاحة، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية ثلاثية الأبعاد في مناطق البحث.
ويقول يوسف إن "مرونة الاتفاقيات البترولية، بما يخدم مصالح الأطراف ويسهل التعامل مع المتغيرات، تساعد المستثمرين على تحقيق التوازن التعاقدي"، مضيفاً أن وضوح بنود الاتفاقيات وسهولة تفسيرها يسهمان في "تيسير عمل الشركات داخل مناطق البحث والاستكشاف".
مستحقات الشركاءويرى يوسف أن التزام قطاع البترول والدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، سواء المتعلقة بمصروفات البحث والاستكشاف والإنتاج أو بحصة الشريك الأجنبي، يعالج مشكلة استمرت لفترة طويلة في العلاقة بين الهيئة العامة للبترول والشركات الأجنبية.
ويوضح أن التزام مصر بسداد كامل المستحقات وفوائد التأخير، من دون اللجوء إلى القضاء، يمثل ضمانة لاستثمارات الشركاء الأجانب، ويدعم استمرارهم في تمويل أعمال البحث والاستكشاف.