في عالم الصحافة المهنية، لا توجد مكافأة أقيم للكاتب من أن تُثبت الأيام صدق قلمه، وأن تأتي البيانات الرسمية لتؤكد دقة التحليل الذي طرحه قبل صدورها بساعات. بالأمس، وفي خضم عاصفة هوجاء من الشائعات والمخاوف المشروعة التي اجتاحت الشارع السكندري حول«إلغاء الترام»، ونشرتُ الأسبوع صباح الخميس مقال «ترام الإسكندرية.

. بين دموع الوداع الأخير وحديث الوثائق». حاولتُ فيه السباحة عكس تيار العاطفة الجارف، محتكماً إلى صوت العقل ولغة الأرقام والمستندات الدولية. وبعد ساعات جاء بيان رئاسة مجلس الوزراء ومحافظة الإسكندرية ليضع النقاط على الحروف، ويغلق باب القلق نهائياً، مؤكداً ما انفردنا بشرحه وتفصيله: الترام لن يموت، بل يُبعث من جديد.

انتصار لغة الوثائق على فوضى الشائعات

لقد كان الرهان في مقالي السابق قائماً على قراءة متأنية لعقود التمويل الدولية والخطط الهندسية، والتي كشفت بوضوح أننا لسنا بصدد «حكم بالإعدام» على هذا المرفق التاريخي، بل أمام عملية «جراحة قلب مفتوح» ضرورية لإنقاذ شريان الحياة في المدينة. وهذا تماماً ما جاء في البيان الرسمي الصادر بعدها بساعات، والذي نفى قاطعاً شائعة الإزالة النهائية، واستخدم نفس المصطلحات الفنية الدقيقة التي أشرنا إليها، وهي «إعادة التأهيل» و«التطوير الشامل».

عندما ذكرتُ بالأمس في المقال المدعم بالوثائق أن السرعة الحالية للترام (11 كم/ساعة) جعلته أبطأ من الدراجة الهوائية، جاء البيان الحكومي اليوم ليؤكد أن المرفق يعاني من «تدهور شديد وانخفاض في الكفاءة»، مؤكداً بالأرقام تطابق الرؤى: فالهدف هو تقليل زمن التقاطر من 9 دقائق إلى 3 دقائق فقط، ورفع الطاقة الاستيعابية من 4700 راكب إلى 13800 راكب في الساعة. هذا التطابق المذهل في الأرقام والتشخيص يؤكد حقيقة واحدة: أن الدولة والصحافة الواعية تقفان في خندق واحد، خندق الحقيقة والمصلحة العامة، بعيداً عن المزايدات.

خارطة طريق «البدائل».. احتراماً للمواطن

ولعل أهم ما حمله البيان الرسمي، والذي ينم عن تخطيط مدروس، هو الإجابة العملية على سؤال «كيف سنتحرك أثناء التطوير؟». فقد أعلنت وزارة النقل ومحافظة الإسكندرية عن توفير منظومة متكاملة تضم 153 وسيلة نقل بديلة (بين أتوبيسات وميني باصات وميكروباصات) تعمل بنفس مواعيد ومسارات الترام الحالية. هذه الخطوة الاستباقية تعكس إدراكاً حكومياً لحجم الأزمة المرورية المحتملة، وتطمئن المواطن السكندري بأن فترة التوقف المؤقتة لن تتحول إلى كابوس يومي.

من «التوضيح» إلى «المراقبة».. روشتة المستقبل

الآن، وبعد أن حسمت الدولة الجدل وأكدت أن «الترام راجع تاني»، ينتقل دورنا كصحافة من «التوضيح» إلى «المراقبة البناءة». إن الاتفاق على ضرورة التطوير لا يعني منح «شيك على بياض» في كيفية التنفيذ. ما زلنا عند مطلبنا الجوهري الذي طرحناه في المقال السابق: نريد تراماً حديثاً وسريعاً، لكننا نتمنى أن لا يتحول مساره إلى «مسخ خرساني» بأسوار عالية تحجب رؤية الإسكندرية وتشوه طابعها البصري. نريد محطات عصرية ذكية، لكن بروح تراثية تليق بمدينة عمرها آلاف السنين، مستلهمين تجارب مدن عالمية كباريس واسطنبول، نجحت في المعادلة الصعبة بين الحداثة والأصالة.

الصحافة هي الجسر الأمين بين «المواطن» و«المسؤول»، تنقل نبض الشارع ومخاوفه إلى مكاتب صنع القرار، وتترجم لغة الأرقام والخطط المعقدة إلى حقائق يفهمها رجل الشارع البسيط.

في زمن فوضى الشائعات، تبقى الصحافة المهنية هي حائط الصد الأول الذي يحمي عقل المجتمع، ويقدم المعلومة الموثقة كبديل للضجيج العشوائي.

إن هذا التطابق السريع بين «رؤية الصحافة المدعومة بالوثائق» وبين «البيان الرسمي» يؤكد قيمة المعلومة الموثقة في مواجهة فوضى «التريند». شكراً للمسؤولين على سرعة التوضيح والشفافية للجمهور، وشكراً للقراء الذين وثقوا في «حديث الوثائق». لقد نجحنا معاً في تحويل الخوف إلى أمل، واليوم ننام ونحن مطمئنون أن «الجد الحكيم» -ترام الإسكندرية- سيعود إلينا شاباً عفياً في 2028، يحملنا إلى المستقبل دون أن يدهس ذكريات الماضي.

اقرأ أيضاًالحكومة توضح حقيقة إزالة ترام الرمل بالإسكندرية بشكل نهائي

«ترام الإسكندرية» بين دموع «الوداع الأخير» و«حديث الوثائق»

220 ألف راكب يوميًا.. محافظة الإسكندرية تكشف تفاصيل تطوير ترام الرمل

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: الحكومة مقالات الإسكندرية الصحافة ترام الإسكندرية بيانات الحكومة فوضى الشائعات ترام الإسکندریة

إقرأ أيضاً:

أمين سر "اقتصادية الشيوخ" يطرح رؤية استباقية لحوكمة خطة 2026/2027

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تقدم النائب أشرف عبد الغني، عضو مجلس الشيوخ وأمين سر اللجنة الاقتصادية، برؤية تنفيذية لحوكمة الخطة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027، تضمنت توصيات لضبط الإنفاق العام وتعزيز دور القطاع الخاص.

تشديد الرقابة على المناقلات المالية

وأكد أن الوثيقة أغفلت تفاصيل الـ14 إجراءً المستحدثة، مطالبًا بتقرير ملحق يتضمن مؤشرات قياس واضحة، مع تشديد الرقابة على المناقلات المالية ومنع صرف دفعات مقدمة في الربع الأخير دون إنجاز فعلي.

وفي ملف النمو الاقتصادي، أوضح أن الوصول إلى معدل نمو 5.4% يتطلب دعم المصانع المعتمدة على الطاقة المتجددة، وتسوية مستحقات شركاء النفط والغاز الأجانب، والتوسع في العقود الآجلة للغاز والنفط وتأمين مصادر استيراد بديلة.

تقديم وثيقة سياسة ضريبية متوسطة الأجل

كما دعا إلى تقديم وثيقة سياسة ضريبية متوسطة الأجل، وربط الحوافز والإعفاءات الاستثمارية بالتشغيل وتوطين المكون المحلي بنسبة تتجاوز 60%، مع الحفاظ على استقرار سعر الصرف.

تحويل المستفيدين من برامج الدعم إلى مشروعات إنتاجية ممولة بفائدة ميسرة

وفي محور العدالة الاجتماعية، طالب بتحويل المستفيدين من برامج الدعم إلى مشروعات إنتاجية ممولة بفائدة ميسرة، وتسريع تنفيذ مشروعات الصرف الصحي وربط مستحقات الشركات بمعدلات الإنجاز الفعلية.

واختتم بالتأكيد على ضرورة تعزيز الأمن المائي والصحي والبيئي عبر التوسع في إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، ودعم تصنيع المواد الخام الدوائية محليًا، وتوجيه مخصصات تحسين البيئة لمشروعات تدوير المخلفات ومعالجة التلوث بالتعاون مع مبادرة حياة كريمة.

مقالات مشابهة

  • إحباط إسرائيليّ... ماذا قالت الصحافة في تل أبيب عن هجمات حزب الله بالمسيّرات؟
  • القوات المسلحة تفتتح فندقي «رأس البر والمشير أحمد بدوى - الأبيض» بعد الانتهاء من أعمال التطوير
  • المرور: خدمة بطاقة عرض مركبة تمكّن المستفيد من عرض بيانات المركبات بكل يسر  
  • «شقوير» يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس لمتابعة رفع كفاءة الخدمات الطبية
  • رئيس المؤسسة العلاجية يتفقد أعمال التطوير بمستشفى هليوبوليس
  • أمين سر "اقتصادية الشيوخ" يطرح رؤية استباقية لحوكمة خطة 2026/2027
  • وكيل صحة الإسكندرية يجدد الثقة لمديري المستشفيات و يؤكد مواصلة التطوير والارتقاء بالخدمات الصحية
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي
  • نائب رئيس حزب الاتحاد: العلمين الجديدة تجسد رؤية الدولة لبناء مدن عالمية حديثة
  • كاليفورنيا تقاضي 23andMe بعد تسريب بيانات 7 ملايين مستخدم