حينما تتكامل رؤية «الصحافة» مع «بيانات الدولة».. ترام الإسكندرية نموذجاً!
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
في عالم الصحافة المهنية، لا توجد مكافأة أقيم للكاتب من أن تُثبت الأيام صدق قلمه، وأن تأتي البيانات الرسمية لتؤكد دقة التحليل الذي طرحه قبل صدورها بساعات. بالأمس، وفي خضم عاصفة هوجاء من الشائعات والمخاوف المشروعة التي اجتاحت الشارع السكندري حول«إلغاء الترام»، ونشرتُ الأسبوع صباح الخميس مقال «ترام الإسكندرية.
لقد كان الرهان في مقالي السابق قائماً على قراءة متأنية لعقود التمويل الدولية والخطط الهندسية، والتي كشفت بوضوح أننا لسنا بصدد «حكم بالإعدام» على هذا المرفق التاريخي، بل أمام عملية «جراحة قلب مفتوح» ضرورية لإنقاذ شريان الحياة في المدينة. وهذا تماماً ما جاء في البيان الرسمي الصادر بعدها بساعات، والذي نفى قاطعاً شائعة الإزالة النهائية، واستخدم نفس المصطلحات الفنية الدقيقة التي أشرنا إليها، وهي «إعادة التأهيل» و«التطوير الشامل».
عندما ذكرتُ بالأمس في المقال المدعم بالوثائق أن السرعة الحالية للترام (11 كم/ساعة) جعلته أبطأ من الدراجة الهوائية، جاء البيان الحكومي اليوم ليؤكد أن المرفق يعاني من «تدهور شديد وانخفاض في الكفاءة»، مؤكداً بالأرقام تطابق الرؤى: فالهدف هو تقليل زمن التقاطر من 9 دقائق إلى 3 دقائق فقط، ورفع الطاقة الاستيعابية من 4700 راكب إلى 13800 راكب في الساعة. هذا التطابق المذهل في الأرقام والتشخيص يؤكد حقيقة واحدة: أن الدولة والصحافة الواعية تقفان في خندق واحد، خندق الحقيقة والمصلحة العامة، بعيداً عن المزايدات.
خارطة طريق «البدائل».. احتراماً للمواطن
ولعل أهم ما حمله البيان الرسمي، والذي ينم عن تخطيط مدروس، هو الإجابة العملية على سؤال «كيف سنتحرك أثناء التطوير؟». فقد أعلنت وزارة النقل ومحافظة الإسكندرية عن توفير منظومة متكاملة تضم 153 وسيلة نقل بديلة (بين أتوبيسات وميني باصات وميكروباصات) تعمل بنفس مواعيد ومسارات الترام الحالية. هذه الخطوة الاستباقية تعكس إدراكاً حكومياً لحجم الأزمة المرورية المحتملة، وتطمئن المواطن السكندري بأن فترة التوقف المؤقتة لن تتحول إلى كابوس يومي.
من «التوضيح» إلى «المراقبة».. روشتة المستقبلالآن، وبعد أن حسمت الدولة الجدل وأكدت أن «الترام راجع تاني»، ينتقل دورنا كصحافة من «التوضيح» إلى «المراقبة البناءة». إن الاتفاق على ضرورة التطوير لا يعني منح «شيك على بياض» في كيفية التنفيذ. ما زلنا عند مطلبنا الجوهري الذي طرحناه في المقال السابق: نريد تراماً حديثاً وسريعاً، لكننا نتمنى أن لا يتحول مساره إلى «مسخ خرساني» بأسوار عالية تحجب رؤية الإسكندرية وتشوه طابعها البصري. نريد محطات عصرية ذكية، لكن بروح تراثية تليق بمدينة عمرها آلاف السنين، مستلهمين تجارب مدن عالمية كباريس واسطنبول، نجحت في المعادلة الصعبة بين الحداثة والأصالة.
الصحافة هي الجسر الأمين بين «المواطن» و«المسؤول»، تنقل نبض الشارع ومخاوفه إلى مكاتب صنع القرار، وتترجم لغة الأرقام والخطط المعقدة إلى حقائق يفهمها رجل الشارع البسيط.
في زمن فوضى الشائعات، تبقى الصحافة المهنية هي حائط الصد الأول الذي يحمي عقل المجتمع، ويقدم المعلومة الموثقة كبديل للضجيج العشوائي.
إن هذا التطابق السريع بين «رؤية الصحافة المدعومة بالوثائق» وبين «البيان الرسمي» يؤكد قيمة المعلومة الموثقة في مواجهة فوضى «التريند». شكراً للمسؤولين على سرعة التوضيح والشفافية للجمهور، وشكراً للقراء الذين وثقوا في «حديث الوثائق». لقد نجحنا معاً في تحويل الخوف إلى أمل، واليوم ننام ونحن مطمئنون أن «الجد الحكيم» -ترام الإسكندرية- سيعود إلينا شاباً عفياً في 2028، يحملنا إلى المستقبل دون أن يدهس ذكريات الماضي.
اقرأ أيضاًالحكومة توضح حقيقة إزالة ترام الرمل بالإسكندرية بشكل نهائي
«ترام الإسكندرية» بين دموع «الوداع الأخير» و«حديث الوثائق»
220 ألف راكب يوميًا.. محافظة الإسكندرية تكشف تفاصيل تطوير ترام الرمل
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الحكومة مقالات الإسكندرية الصحافة ترام الإسكندرية بيانات الحكومة فوضى الشائعات ترام الإسکندریة
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.