الشر لا ينتصر.. بل نسمح له أن يعيش بيننا
تاريخ النشر: 7th, February 2026 GMT
فاطمة هبيس الكثيرية
هل لاحظت يومًا أننا نعرف ما هو صحيح وما هو خطأ، ومع ذلك نختار الصمت؟ هل تساءلت لماذا نتغاضى عن الظلم، رغم أنه يحدث أمام أعيننا، وكأننا لا نراه؟ يبدو أن الشر لا يحتاج بالضرورة إلى أناس أشرار، بل يحتاج فقط إلى أن نتركه يمر، أن نؤجل، أن نتراجع، أن نختبئ وراء راحتنا، وأن نختار الطريق الأسهل بدل المبدأ الصحيح.
الإنسان الطيب يتعرض لإغراءات صغيرة كل يوم. نتغاضى عن ظلم نراه ونقول: "ليست مسؤوليتي". نؤجل قول الحقيقة بحجة: "الوقت غير مناسب". نختار الراحة على حساب المبادئ، معتقدين أن شيئًا لن يحدث إذا تركناه. كل هذه المبررات تحوّل الصالح إلى شاهد صامت، وتضعف أثره. أخطر ما في الشر ليس فعله، بل تطبيع وجوده بيننا، حتى نصبح جزءًا من المشهد دون أن نرفع أيدينا للضرر.
هل تساءلت يومًا عن حجم الشر الذي ينمو بسبب صمتنا اليومي؟ كل مرة نغض الطرف عن ظلم صغير، عن كلمة جارحة، عن ظلم في العمل أو في المجتمع، نحن بذلك نفتح الباب لشر أكبر. الشر يبدأ بالتدريج، بخطوات صغيرة، لكن الصمت يسمح له بالنمو، حتى يملأ كل مساحة حولنا. كل مرة نؤجل فعل الخير أو قول الحقيقة، نكون قد أضعفنا تأثيرنا، وسمحنا للظلم بالاستمرار دون مقاومة.
نحن نتحدث كثيرًا عن القيم والأخلاق، نشاركها على وسائل التواصل، نشعر بالرضا عن أنفسنا، لكن القليل منا يتحمل الألم الذي يرافق التمسك بها. المفارقة الأكثر إيلامًا: نحب الأخلاق كشعارات، ونكره الأخلاق كأفعال. نتغاضى عن الحق لأسباب مريحة، ثم نتساءل لماذا يستمر الظلم.
الالتزام بالمبادئ يتطلب شجاعة يومية. شجاعة ترفض المبررات، وتقف أمام رغبة النفس في الراحة، وتختار الحق حتى عندما يكون صعبًا. الجمع بين العيش بسلام والعيش بعدل نادر جدًا، ومؤلم أحيانًا، لكنه الخيار الذي يصنع الفرق. كل موقف صغير يمكن أن يكون نقطة تحوّل: كلمة واحدة في وقتها، موقف شجاع، تصرف صالح—هذه الأشياء البسيطة هي ما يحمي المجتمع من الانحراف والظلم.
الإنسان الطيب معرض دائمًا لاختبارات صغيرة في حياته. نتساءل أحيانًا: هل أصنع مشكلة لنفسي إذا تدخّلت؟ هل أجرؤ على قول الحقيقة رغم أن الآخرين قد يغضبون مني؟ هل أتحدث عن ظلم رأيته في مكان عملي أو في المجتمع، أم أظل صامتًا؟ كل هذه القرارات اليومية، مهما بدت صغيرة، تشكل خط الدفاع الأول أمام الشر. إذا غاب صوت الحق في اللحظات الصغيرة، سينهار في النهاية كل ما هو عادل.
تخيل معي موقفًا يوميًا: زميلك يتعرض للظلم، أو ترى تحايلًا صغيرًا في عملك أو في محيطك، أو حتى كلمة جارحة تنتشر بلا سبب. الصمت في مثل هذه اللحظات يشبه إضاءة شمعة صغيرة على طريق مظلم، لكن بدل أن نحاول إنارة الطريق بأكمله، نكتفي بالوقوف جانبًا، مبررين أنفسنا بأن "ليس دوري". هذا الصمت، مهما بدا غير ضار، هو ما يترك الشر يزدهر، ويجعل الحق ضعيفًا، ويجعل المجتمع يعتاد على الظلم.
كل مرة نصمت، كل مرة نؤجل قول الحقيقة، نحن بذلك نفتح الباب للشر ليكبر بيننا. الشر لا ينتصر بسبب أفعاله وحدها، بل بسبب من يعرف الحق ويختار الصمت. كل اختيار صغير نقوم به، كل كلمة نتحدث بها، كل موقف نختار فيه المبادئ على راحتنا، يشكل مستقبلنا.
وفي النهاية، السؤال الذي أتركه لكل واحد منا: هل نريد عالمًا عادلًا أم حياة مريحة؟ هل نقف أمام الظلم اليوم، أم نغض الطرف كما اعتدنا؟ القوة الحقيقية ليست في القول بأننا أشخاص طيبون، بل في أن نتصرف وفقًا لذلك كل يوم، مهما كان صعبًا. باختياراتنا اليومية، نؤثر في الواقع من حولنا.
نحن من نصنع عالمنا.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما زال مريضاً؟
الاقتصاد المغربي حقق نمواً بـ4.9%، والتضخم تراجع إلى 0.8%، لكن البطالة بقيت في حدود 13% ووصلت وسط الشباب إلى 37.2%. فهل الاقتصاد تعافى فعلاً، أم أن ثمار النمو ما زالت لا تصل إلى جيب المواطن؟ في هذه الحلقة من «الشفاء الصامت» نفكك تقرير بنك المغرب، ونكشف الفرق بين الأرقام الرسمية والواقع اليومي للمغاربة
تابعونا على:
فيسبوك
يوتيوب
إنستغرام
0 شارك FacebookTwitterWhatsAppالبريد الإلكترونيLinkedinTelegramطباعة
السابق بوست
الدكتور طارق حنيش: مساندة متواصلة للجسم الإعلامي ومؤازرة ثابتة للصحفيين
القادم بوست
“مطارات المغرب” تُنهي عهد الورق وتُعمم بطاقة الإركاب الرقمية
قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف اخر الاخبارالحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة…
اخر الاخباركازاخستان تختار مراكش مقراً لقنصليتها الشرفية الجديدة بالمغرب
اخر الاخبارقطاع الداخلية يتصدر قائمة الإدارات الأكثر موضوعاً للتظلمات سنة 2025
اخر الاخباروسيط المملكة يسجل ارتفاعاً بـ25% في عدد الملفات وسط تنامي لجوء المواطنين إلى الوساطة…
السابق التالي اترك رد إلغاء الردلن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
احفظ اسمي والبريد الإلكتروني وموقع الويب في هذا المتصفح للمرة الأولى التي أعلق فيها.
مملكة tv
الجواهري أمام الملك يكشف الحقيقة… الاقتصاد المغربي ينمو ولكن علاش جيب المواطن ما…
أمريكا تضرب قلب إيران وطهران تشعل الخليج… الاتفاق انهار فهل بدأت…
فوزي لقجع إلى رئاسة الحكومة؟ هل وجدت الأحزاب المنقذ بعدما فشلت في…
وهبي يتحدى المحامين.. هل إصلاح العدالة يخدم المواطن أم الدولة؟
الندوة الصحفية لمحمد وهبي من بعد المونديال… واش اعترف بالأخطاء؟…
السابق التالي 1 من 477حوادث
اخر الاخباركارثة بكل المقاييس.. حلبة امتحان السياقة بمراكش تفتقر لأبسط شروط الاستقبال وتضاعف…
عبد القيوم ABDELKAYOUM يوليو 23, 2026 0 عبد القيوم ا مملكة بريس تحولت تجربة اجتياز امتحان الحصول على رخصة السياقة بمراكش، بالنسبة لعدد من المترشحين، إلى…انتشال أكثر من 30 جثة قبالة سواحل الداخلة بعد تعلقها في شباك مراكب…
يوليو 23, 2026فتح تحقيق قضائي في مزاعم تسريب أجوبة مباراة ولوج كليات الطب والصيدلة…
يوليو 22, 2026لدغة أفعى تنهي حياة طفلة رغم أسبوع من العلاج المكثف
يوليو 22, 2026 السابق التالي 1 من 1٬601أخبار ملكية
اخر الاخبارالملك محمد السادس يهنئ السيسي بمناسبة ذكرى ثورة 23 يوليوز ويؤكد متانة الروابط…
مملكة بريس /س يوليو 23, 2026 0الجواهري يستعرض أمام الملك حصيلة الاقتصاد الوطني
يوليو 20, 2026الملك محمد السادس يهنئ ملك إسبانيا بعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس…
يوليو 20, 2026جلالة الملك يخص الوزير الأول الفرنسي والوفد المرافق بمأدبة غداء رسمية…
يوليو 16, 2026 السابق التالي 1 من 650 Pollsهل أنت مع إلغاء معاشات البرلمانيين؟
نعم لاعرض النتائج
مملكة بريس من نحن هيئة التحرير سياسة الخصوصية اتفاقية الاستخدام أرسل مقال إتصل بنا تصنيفات سياسة مجتمع الدولية قضايا عامة حوادث ثقافة جميع الحقوق محفوظة لجريدة مملكة بريس 2026