لم يكن سعيد البيماني طالبًا متفوقًا في مدرسة «قوات السلطان المسلحة» لكنه كان أحد نجومها المميَّزين في الرياضة، لا سيما سباقات العَدْو التي كنّا نعرف مسبقًا قبل أن نخوضها أن المركز الأول محجوز له مسبقًا. كنّا ستين طالبًا التحقنا بهذه المدرسة في أغسطس من عام 1989 لِنُكمل فيها مرحلة الثانوية العامة إضافة إلى عملِنا جنودًا في سلاح الجوّ السلطاني العُماني.
أول ما يُلفِتُ النظر في هذا الكتاب هو الصدق الذي كتب به البيماني ذكرياته، دون ادعاءات بطولة زائفة ولا تضخيم لإنجازاته التي حققها طوال أكثر من ثلاثين عامًا من الخدمة العسكرية، رغم أنها إنجازات تستحق حقًّا أن يزهو بها صاحبها؛ فقد تخرج ضابطا من كلية سلاح الجو الملكي البريطاني في عام 1993، وطيارا مقاتلا في عام 1995، وعمل في الأسراب المقاتلة على طائرة الـ«جاكوار» لمدة أحد عشر عاما، كما عمل مدربًا للطيران الابتدائي على طائرتي الــ«موشاك» والــ«برافو»، ومدربًا للطيران الأساسي على طائرة الـ«بي سي 9»، ومدربًا للطيران العملياتي على طائرة الـ«جاكوار» قرابة عشرين عامًا. والتحق بكلية القيادة والأركان المشتركة الأسترالية عام 2010، وكلية أركان الحرب الجوية بالولايات المتحدة الأمريكية في عام 2019، وتحصّل أثناء ذلك على أربع شهادات ماجستير، قبل أن يتوج مسيرته العلمية بالدكتوراه من جامعة قطر، كما حضر عددا من الدورات التدريبية والمهنية ونال ميداليات الثناء السلطاني والخدمة الممتازة والطويلة قبل تقاعده في رتبة عقيد ركن طيار عام 2021.
كل هذه النجاحات لم تمنعه من الاعتراف بأن نتيجته في الثانوية العامة كانت متدنية وبالكاد تمكّن من النجاح، ولم تمنعه كذلك من الحديث عن «قلق الفشل» الذي كان ينتابه - وكثير من زملائه - طوال سنتَيْ الدراسة في تلك المدرسة، لأن معايير النجاح واختيار من سيكونون ضبّاطًا بعد هاتين السنتين لم تكن واضحة، بل ونلمس الصدق حين يروي كيف أن عددًا كبيرًا من طلاب المدرسة - هو أولهم - قدموا من بيئات لم تعرف بعدُ - في ذلك الزمن البعيد - قماش الـ«تيوبو» ولا نعال الـ«ريكر» ولا مصرّ الـ«تورمة».
لا بد أن أشير هنا أن مدرسة قوات السلطان المسلحة كانت موضوع فصل واحد في هذا الكتاب، وثمة فصول أخرى لا تقل أهمية، لكني أركز عليه في هذه المساحة القصيرة لأنه الفصل الذي لامَسَني شخصيًّا، وقرأتُه بكثير من الحنين، كوني كنتُ أحد الشهود على ما ورد فيه من حكايات وذكريات. استعدتُ حصص المشي العسكري كل أحد وثلاثاء، وتفتيش الملابس يوم السبت، والغرفة صباح كل اثنين، تذكرتُ المطالعة المسائية الإجبارية في المدرسة مساء كل يوم من السابعة إلى التاسعة، عدا يوم الاثنين الذي كان مسموحًا لنا فيه الخروج من قاعدة غلا الجوية عصرًا على أن نعود قبل التاسعة، فننتهز الفرصة لنشاهد فيلمًا في سينما النصر أو سينما النجوم، أو نتسكّع في مجمّع «أوكي سنتر» (هكذا كان يسمى وقتها) أو مجمع الحارثي، ونختم النزهة بعشاء في مطعم في الغبرة كنّا نعدّه في ذلك الوقت من أفخم المطاعم. تذكرتُ العقابَ الجماعي الذي يحيق بالجنود المتأخرين عن الطابور الصباحي، أو المخالفين للقوانين العسكرية، من وقوف طويل تحت أشعة الشمس اللاهبة، إلى الجري عشرات الدقائق حول مضمار ألعاب القوى، إلى حمل صندوق الأغراض الشخصية أو «السحّارة» والمشي بها في أرجاء القاعدة، إلى «مشي البطة» في الميدان الفسيح. استحضرتُ صورة جورج؛ صاحب المحل والمطعم في قاعدة غلا الذي كان يبيعنا كل ما نحتاجه من محله ومطعمه بالدَيْن طوال الشهر، فإذا ما حان وقت استلام الراتب باليد، حضر بدفتر ديونه الضخم ليحرمنا من فرحة استلامه كاملا.
لغة الكتاب سهلة رقراقة، بعيدة عن التحذلق أو محاولة الزخرفة، وتوصل الفكرة بوضوح، وقد دعّمه البيماني بكثير من الصور التي توثق هذه السيرة المهمة، وافتتحه باعتذارٍ للقارئ ينمّ عن تواضع جم: «أرجو أن تتقبله كما هو، فلقدراتي الأدبية والبلاغية حدود، وأنا بإخراجي لهذا الكتاب لست بصدد منافسة كبار الكتاب والأدباء بقدر رغبتي في تقديم تجربة شخصيّة وجدتها جديرة بالتوثيق»، وهي جديرة حقًّا بالتوثيق، لأنها تختزن خبرة جير كامل، وتروي قصة نجاح صُنِعتْ بإرادة وإصرار وعمل دؤوب.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
رغم الاعتراضات والطعون.. من هو رومان جوفمان الذي تولى قيادة الموساد الإسرائيلي بدعم من نتنياهو؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في خطوة أثارت جدلا واسعا داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، تولى رومان جوفمان رسميا رئاسة جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، بعد أشهر من الاعتراضات القانونية والانتقادات التي رافقت قرار تعيينه في أحد أكثر المناصب حساسية في إسرائيل.
وجاء تعيين جوفمان بدفع مباشر من رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي رشحه للمنصب في ديسمبر 2025، رغم التحفظات التي أبدتها شخصيات أمنية وقانونية بشأن خلفيته المهنية وبعض القضايا المرتبطة بمسيرته العسكرية.
من بيلاروسيا إلى قمة المؤسسة الأمنيةولد رومان جوفمان في بيلاروسيا عام 1976، قبل أن يهاجر إلى إسرائيل مع عائلته وهو في الرابعة عشرة من عمره. وبعد سنوات قليلة من استقراره، التحق بالجيش الإسرائيلي عام 1995 ضمن سلاح المدرعات، ليبدأ مسيرة عسكرية امتدت لعقود وشهدت صعوده في عدد من المواقع القيادية والعملياتية.
وخلال خدمته العسكرية، تولى قيادة وحدات مدرعة وألوية ميدانية، كما شغل مناصب في هيئات العمليات والتدريب، وصولًا إلى قيادة تشكيلات عسكرية بارزة داخل الجيش الإسرائيلي.
إصابة في الحرب وتقرب من نتنياهوكان جوفمان يشغل منصب قائد المركز الوطني لتدريب قوات المشاة عندما اندلعت أحداث السابع من أكتوبر 2023، إثر الهجوم الذي شنته حركة حماس على جنوب إسرائيل. وخلال المعارك تعرض لإصابة، قبل أن يعينه نتنياهو مستشارًا عسكريًا رفيعًا لرئيس الوزراء في أبريل 2024.
ومنذ ذلك الحين، تعززت علاقته بنتنياهو، ما جعله أحد الشخصيات المقربة داخل المؤسسة الأمنية، وهو ما اعتبره منتقدوه عاملًا رئيسيًا وراء اختياره لرئاسة الموساد.
تعيين مثير للجدللم يكن طريق جوفمان إلى رئاسة الموساد سهلًا، إذ واجهت عملية تعيينه اعتراضات قانونية وصلت إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. وتمحورت أبرز الانتقادات حول قضية تعود إلى عام 2022، حين كان يقود إحدى الوحدات العسكرية.
وبحسب وثائق قضائية، سمح أحد الضباط بنقل معلومات أمنية حساسة إلى جندي قاصر قام لاحقًا بنشرها عبر قناة على تطبيق "تلغرام"، وذلك بعلم وموافقة جوفمان. وأدت القضية إلى محاكمة الجندي والحكم عليه بالسجن والإقامة الجبرية لفترة قاربت عامًا ونصف العام.
ورغم أن المحكمة أقرت بوجود أخطاء في إدارة القضية، فإنها خلصت إلى أن تلك الأخطاء لا ترقى إلى مستوى المخالفات الأخلاقية التي تمنع جوفمان من تولي المنصب، ما مهد الطريق أمام دخوله رسميًا إلى رئاسة الموساد.
خلفية عسكرية تثير التساؤلاتأحد أبرز أسباب الجدل حول جوفمان يتمثل في كونه لا ينتمي إلى جهاز الموساد، خلافًا لمعظم الرؤساء السابقين للجهاز. فقد جاء من المؤسسة العسكرية ومن مكتب رئيس الوزراء مباشرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين الأمنيين السابقين إلى التشكيك في مدى ملاءمة اختياره لقيادة جهاز استخباراتي يعتمد على خبرات متخصصة ومتراكمة داخل المؤسسة نفسها.
كما أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد بارنياع كان من بين المعارضين لتعيينه.