في صمت الليل، حين تهدأ الأصوات، وتستسلم المدن والقرى لسكونها، يظل هناك ضوءٌ وحيدٌ ساهرٌ في الغرفات، يتنفس مع أنفاس صاحبه، يلمس خدَّه بلطف، ويغازل وعيه بنعومة.. إنه «الهاتف»، رفيق الليل والنهار، الصامت الذي لا يملُّ الكلام، والشاهد على أسرارنا، والشريك في جميع لحظاتنا.
ومع ميلاد الصباح، يفتح كلُّ إنسانٍ منا عينيه، بينما تمتد يده تلقائيًا نحو شاشة صغيرة تشتعل بإشعاراتٍ تُدار بخوارزميات مٌسيرة لا تنام، تنتظره كفخٍّ بصريٍّ معقّدٍ لاقتناص أثمن ما يملك، وهو «انتباهه».


هذه الخوارزميات جزءٌ من نظام مراقبة صارمٍ وغير مرئي، يرصد كل سلوكيات الإنسان: متى ينام ومتى يستيقظ؟ متى يفتح هاتفه، وأيَّ تطبيقٍ يزور أولًا؟ متى يغلقه، وكيف يستجيب لكل اهتزازةٍ أو رنين؟
كما تتعقب ما يبحث عنه في لحظات القلق أو الفضول، وترصد ما يضعه في المفضلة، كاشفةً عن شغفه، وما يحظره، كاشفةً عن مخاوفه.
كما تراقب هذه الخوارزميات ما يعجبه وما يكرهه، وما يسعده وما يحزنه، وترصد مدة بقائه داخل كل تطبيق، وزمن التحديق في كل منشور، وسرعة التمرير أو التوقف المفاجئ، بل وتقاسيم الوجه أمام محتوى معين، وحتى ومضات التردد قبل النقر.
كل هذه البيانات الصغيرة والمستمرة التي تجمعها الخوارزميات عنك هي «الذهب الخام» لاقتصاد جديد يولد بين يديك، وهو «اقتصاد الانتباه – Attention Economy»، اقتصاد لا يُقاس بعدد الأطنان ولا بعدد البراميل، بل بعدد الثواني والدقائق التي نمنحها، بمحض إرادتنا، لمحتوى أو منصّة أو علامة تجارية.
في هذا الاقتصاد المرعب، تحولت خصوصية الإنسان إلى «سلعة»، وأصبحت البيانات السلوكية والنفسية التي نمنحها هدية لتلك الخوارزميات «بضاعة» أغلى من البترول والذهب، بل وحتى المخدرات، إذ تُباع بالمليارات للمعلنين والمنصّات التي تشتري انتباهنا المُراقَب والمُفصَّل لتبيعه لأعلى سعر.
إنها خوارزميات صامتة تدير المشهد بلا أوامر مباشرة ولا إكراه ظاهر، لا تطلب انتباهك، لكنها تعرف كيف تحتفظ به، لا تفرض عليك المحتوى، لكنها تعرف ما يليق بك، وما يعيدك مرة أخرى، وهنا يتحول الانتباه من حالة ذهنية عابرة إلى عملةٍ وموردٍ نادر، ومن فعلٍ إنساني طبيعي إلى سلعة عالية القيمة.
«اقتصاد الانتباه» اقتصاد لا يُقاس بعدد المصانع ولا بحجم الموارد الطبيعية، بل بعدد الثواني التي تُنتزع من عمرك يوميًا. هنا لا يُباع المحتوى بقدر ما يُباع التركيز والانتباه، ولا تُستهدف العين فقط، بل يُعاد تشكيل الوعي والرغبة والاختيار.
في «بيزنيس الانتباه» لا يكون الإنسان هو العميل كما يتصور، بل المنتَج ذاته، حيث تتحول بياناته السلوكية والنفسية إلى رأس مال، وتُتداول في أسواق رقمية ضخمة، فتُباع لحظات التركيز لأعلى سعر، ويُعاد تدوير الانتباه في صورة إعلانات وتأثيرات وقرارات مُوجَّهة بعناية.
هكذا تحولت حياتنا الرقمية إلى مصنع مفتوح يعمل على مدار الساعة، ننتج فيه بياناتنا دون وعي، ونقدّم أسرارنا طواعية، بينما تدير الخوارزميات العملية بدقة مديرٍ لا يخطئ ولا يرحم، فكل ضعف إنساني، وكل فضول، وكل اهتمام، يتحول إلى مادة خام قابلة للتسعير والتداول.
إنه تحوّل عميق في طبيعة القيمة والثروة، فلم تعد السيطرة على الموارد المادية هي مفتاح القوة، بل القدرة على الاستحواذ على الوعي الإنساني، ولم يعد انتباهنا ملكًا خالصًا لنا، بل تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة، وعملة العصر التي لا ينافسها ذهب ولا نفط ومن يملكها اليوم يملك ملامح الغد.

تريليون دولار حجم اقتصاد الانتباه حول العالم

تشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن الإنسان البالغ يقضي، في المتوسط، نحو 6 ساعات و38 دقيقة يوميًا على الإنترنت، منها حوالي ساعتين و21 دقيقة في شبكات التواصل الاجتماعي وحدها.
أما جيل الشباب الأحدث، الذي يُطلق عليه علميًا «جيل Z» — وهو الجيل الذي وُلد بين منتصف التسعينيات وعام 2010 — ويرى العالم من خلال الشاشة، ويصنع هويته في الفضاء الرقمي قبل الواقع، فيقضي أكثر من خمس ساعات يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي، وفقًا للدراسات الإحصائية العالمية. وتحوّل هذه المشاهدات الطويلة إلى تجارة واقتصاد لا يعرف العواطف أو المشاعر.
هناك شركات عالمية متخصصة في هذا الاقتصاد، الذي يرى أن «عين الإنسان ووقته وتركيزه» من أندر الثروات، ومن هنا صُممت خوارزميات التوصية (Recommendation Algorithms) التي تراقب ما نحب وما نكره، وما نضغط عليه وما نتجاهله، ثم تعرض أمامنا في كل لحظة مقطع فيديو جديدًا أو منشورًا جديدًا أو قصة جديدة، فقط كي لا نغادر التطبيق.
ويقاس النجاح هنا بسؤال واحد: كم دقيقة اختُطفت من يومك؟ وكم مرة عدت إلى المنصة دون أن تشعر؟ وما حجم «التفاعل – Engagement» الذي شُغِّل به قلبك وعقلك وأصابعك؟
وعند النظر إلى الأرقام المالية، ندرك أن المسألة ليست مجرد «ترندات» عابرة، بل صناعة دولية هائلة، حيث تشير تقارير شركات قياس الإعلانات مثل MAGNA وGroupM إلى أن إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي تجاوز نحو 1.04 تريليون دولار عام 2024، وأن أكثر من ثلثي هذا المبلغ يذهب إلى الإعلانات الرقمية (Digital Advertising)، بما يشمل إعلانات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، والفيديو، والإعلانات داخل التطبيقات والمتاجر الإلكترونية.
وهنا نجد أنفسنا أمام اقتصاد يتجاوز التريليون دولار، يقوم في جوهره على بيع حزم من انتباه البشر للمعلنين، وهو ما نراه جلياً في أرباح شركة Meta، المالكة لفيسبوك وإنستجرام وواتساب، والتي أعلنت إلى أنها حققت إيرادات إجمالية في 2023 بلغت 134.9 مليار دولار، منها نحو 131.95 مليار دولار من الإعلانات الرقمية الموجهة وحدها، أي عبر «خوارزميات الانتباه».
أما شركة Alphabet/Google، فتشير تقاريرها المالية إلى أن إيرادات جوجل الإعلانية (Google Advertising) وصلت عام 2024 إلى نحو 264.6 مليار دولار من إجمالي إيرادات تقارب 350 مليار دولار، ويأتي الجزء الأكبر من إعلانات البحث (Search Ads)، وإعلانات يوتيوب (YouTube Ads)، وشبكات الإعلانات القائمة على خوارزميات الانتباه.
ثم يأتي، بعد «ميتا» و«جوجل»، لاعب جديد يُلقب بـ«الطفل المعجزة» في اقتصاد الانتباه، وهو «تيك توك» (TikTok) فعلى الرغم من أن عمر المنصة لم يتجاوز عقدها الأول، تشير التقديرات إلى أنها حققت أكثر من 33 مليار دولار عام 2025، اعتمادًا على مليارات المقاطع القصيرة التي تقوم في جوهرها على استراتيجيات اقتصاد الانتباه.

قطار بيزنيس الانتباه يحصد الملايين في مصر؟

تشير التقارير الرقمية الحديثة إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر يقترب من 98.2 مليون مستخدم، بنسبة انتشار تتجاوز 80% من السكان، مع وجود أكثر من 51.6 مليون حساب نشط على شبكات التواصل الاجتماعي، أي ما يقرب من نصف المصريين، وهو ما يعني أن مصر تمتلك كتلة حرجة من مستخدمي اقتصاد «الانتباه الرقمي»، يخضعون لقواعد منصّات عالمية تتحكم في مسارات المحتوى والتأثير، بما يفرض تحديات حقيقية تتعلق بتشكيل وعي الأجيال القادمة، والحفاظ على التماسك المجتمعي، وصون الأمن القومي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات السماح والمرور لمنصات التواصل الاجتماعي التي تعبث في مصر!.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: د حماد الرمحي الهاتف اقتصاد الانتباه ملیار دولار أکثر من التی ت إلى أن

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • تحولات الشهرة في العصر الرقمي
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • إجراءات تنفيذية لبدء تداول السكر في البورصة السلعية
  • عبر منصة البورصة.. ورشة عمل موسعة للتوافق على الإجراءات التنفيذية لتداول السكر
  • حمدان بن محمد: مستمرون في دعم اقتصادنا وقطاعنا السياحي
  • ضبط 2000 سلعة غذائية منتهية الصلاحية بقنا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • اقتراح برغبة بشأن تدشين حملة قومية للكشف المبكر وعلاج اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)