عقدة أوباما.. عندما يرهن ترمب مستقبل أمريكا لترميم أناه الجريحة
تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT
يرسم مقال للكاتبة مورين داؤود -نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"- صورة قاتمة وصادمة لما تصفه بـ"عقدة أوباما" التي قالت إنها تسيطر على عقل وسلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، معتبرة أن تصرفاته الأخيرة بلغت دركا جديدا من الابتذال الأخلاقي والسياسي لم يسبق له مثيل في تاريخ الرئاسة.
تبدأ داؤود بالتعليق على ما تراه "هوسا مَرَضيا" من ترامب بسلفه الرئيس الأسبق باراك أوباما، وهو الهوس الذي تجلى بوضوح في إعادة ترمب لنشر مقطع فيديو عنصري عبر منصته "تروث سوشيال"، ويصور المقطع أوباما وزوجته ميشيل بشكل مهين يحط من الكرامة الإنسانية.
وترى الكاتبة أن هذا التصرف ليس مجرد زلة عابرة، بل هو امتداد مدروس لتاريخ طويل من التشكيك في شرعية أوباما، واستخدام متعمد لخطاب "تفوق العرق الأبيض" الموجه لجذب القواعد الراديكالية لليمين "المتطرف"، مما يعزز حالة الاستقطاب العرقي والاجتماعي في البلاد.
الغرق في فقاعة الكراهية
وتنتقد داؤود بحدة رد فعل البيت الأبيض الذي حاول تسخيف الواقعة بوصفه الغضب الشعبي بـ"الزائف"، مؤكدة أن الجمهور الأمريكي يشعر بقلق حقيقي من رؤية رئيسه يغرق في "فقاعة من الكراهية والاستياء"، بدلا من التركيز على قضايا الحكم الرشيد.
وتلفت الكاتبة الانتباه إلى أن هذا السلوك الصادم قد أحدث شرخا حتى داخل المعسكر الجمهوري، حيث لم يجد قادة مثل السيناتور تيم سكوت والسيناتور كيتي بريت مفرا من إدانة هذه المنشورات علانية، معتبرين إياها خروجاً سافرا عن القيم الوطنية ومحاولة لتشويه الهوية الأمريكية، خاصة مع اقتراب استحقاقات انتخابية حافلة بالمخاطر السياسية.
وفي سياق تحليلها النفسي، تتوقف داؤود عند لحظة أسمتها بالـ"دوستويفسكية" عاشها ترمب خلال حفل "الإفطار الوطني للصلاة"، عندما اعترف علانية بأن "أناه" المتضخمة هي المحرك الفعلي لرفضه نتائج انتخابات 2020.
مورين دود:تصرف ترمب ليس مجرد زلة عابرة، بل هو امتداد مدروس لتاريخ طويل من التشكيك في شرعية أوباما، واستخدام متعمد لخطاب "تفوق العرق الأبيض" أمريكا مرتهنة لغروره
هذا الاعتراف -بحسب تحليل داؤود- ينسف كل الادعاءات القانونية بشأن "نزاهة التصويت"، ويكشف أن الدولة الأمريكية بأكملها قد تم ارتهانها لخدمة غرور شخصي لا يتقبل الهزيمة.
إعلانوتضيف الكاتبة لمحة ساخرة ومريرة عن سلوك ترمب حتى في الأجواء الدينية، حيث يبدي تبرما من طقوس الصلاة التقليدية، مفضلا تحويل كل مناسبة -مهما كانت قدسيتها- إلى منصة لتمجيد الذات والتركيز على مصالحه الضيقة.
كما يسلط المقال ضوءا ساطعا على "هوس التسميات" الذي يطارد ترمب، حيث يسعى لانتزاع خلود زائف عبر كتابة اسمه على المنشآت الحيوية في الولايات المتحدة.
ابتزاز سياسي
وتكشف داؤود عن تصرفات وصفتها بـ"الابتزاز السياسي" وتمارسها إدارة ترمب لربط الإفراج عن تمويلات ضخمة لمشاريع البنية التحتية بإعادة تسمية مطارات ومحطات قطار دولية لتحمل اسم ترمب.
وتعتبر الكاتبة أن نزوع ترمب القهري إلى فرض علامته التجارية في كل مكان، تماما كما كان يفعل في عقاراته المتعثرة بنيويورك؛ إنما يعكس انعدام أمان عميقا ورغبة مستميتة في التعويض عن تآكل مكانته السياسية، عبر فرض حضوره البصري على جسد الدولة.
انهيار أخلاقي شامل للنخبة
وفي الختام، تربط داؤود بين هروب ترمب من الأسئلة المتعلقة بعلاقته بجيفري إبستين وما تصفه بالانهيار الأخلاقي الشامل للنخبة الأمريكية.
وتصف ملفات إبستين بأنها "صخرة رُفعت فجأة لتكشف عن ديدان تتلوى في الظلام"، حيث تورطت أسماء بارزة من المفكرين والسياسيين في حماية المجرم بدلا من نصرة الضحايا.
وتختم دود مقالها بنقد لاذع لأباطرة التكنولوجيا الذين تحولوا من "عباقرة شباب منقذين" إلى أسرى لنزواتهم وأزمات منتصف العمر لديهم، مما يجعل المجتمع العالمي بأسره يدفع ثمن ارتهان مستقبله لأزمات نفسية وأخلاقية تعصف بمن يمسكون بمقاليد القوة الرقمية والسياسية اليوم.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.