بوابة الوفد:
2026-07-24@03:12:42 GMT

حين يُقصى العقل… وتُكافأ الضوضاء!

تاريخ النشر: 8th, February 2026 GMT

عندما نفتح الخريطة العربية اليوم، لا نحتاج إلى محللٍ استراتيجي كي نفهم حجم الخراب؛ تكفي الذاكرة. الذاكرة وحدها كافية لتجعلنا نتوقف طويلًا أمام ما قاله وكتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل قبل أكثر من عقد، لا بوصفه نبوءة غيبية، بل قراءةً باردةً لمشهدٍ كان يتجه – بكامل وعيه – نحو تصفية ذاته.
هيكل لم يكن «يتوقع»، بل كان يرى.

وكان يرى لأن لديه ما فقدته قطاعات واسعة من الصحافة العربية: المنهج، والشجاعة، والاستقلال عن المزاج العام.
المأساة ليست فيما جرى فقط، بل في أن ما جرى كان مكتوبًا ومشروحًا ومحذَّرًا منه، ثم دُفن حيًّا تحت ركام الشعارات والخطابات التعبوية وصحافة المناسبات، وضجيج العناوين التي لا ترى أبعد من موعد الطبع.
حين تولّت حركة «حماس» إدارة قطاع غزة، لم يكن السؤال الجوهري: من يحكم؟ بل: في أي لحظة تاريخية يحدث ذلك؟ وتحت أي ميزان قوى؟ وداخل أي نظام دولي مختل؟
هذه الأسئلة تحديدًا هي ما طرحه هيكل، وهي نفسها ما تجاهلته الصحافة العربية؛ لأنها لا تحب الأسئلة التي تُفسد الحماسة، ولا تحتمل التحليل الذي يجرّد «اللحظة الثورية» من رومانسيتها الزائفة.
قال هيكل بوضوح: إنك أمام معادلة شبه مستحيلة. بينما قالت صحافة اللحظة: أنت أمام نصر.
والفارق بين الجملتين هو الفارق بين العقل والهتاف.
الصحافة العربية – إلا من رحم ربك – لم تكن يومًا في صف التحليل بقدر ما كانت في صف الاصطفاف. لا تُحلل الحدث، بل تصطف خلفه. لا تسأل عن النتائج، بل تكتفي بترديد النوايا. ومن هنا يبدأ الخراب.
حين تُقصى الأقلام التي ترى ما وراء اللحظة، وتُحاصر الأصوات التي تتحدث عن ميزان القوى، ويُتَّهَم كل تفكير عقلاني بالخيانة أو التخاذل، فأنت لا تبني مقاومة، بل تمهِّد لتصفيتها.
وهذا بالضبط ما حدث.
إسرائيل لم تكن عبقرية، ولم تكن خارقة. كانت فقط تقرأ المشهد ببرود، وتستغل فراغ العقل العربي. أدركت أن المشروع الأمريكي متعثر، وأن واشنطن تتحرك بالمزاج لا بالخطة، وأن العالم بعد 11 سبتمبر يعيش حالة ارتباك استراتيجي. وفي مثل هذه الفوضى تُصفّى الجيوب واحدًا تلو الآخر.
حزب الله، وحماس، وكل بؤرة مقاومة خارج «النظام العالمي المنضبط»، كانت أهدافًا مؤجَّلة لا أكثر.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا: أين كانت الصحافة العربية؟
كانت مشغولة بتلميع اللحظة لا بتشريحها، وبتقديس القرار لا بفهم تبعاته، وبتخوين العقل لا بمساءلة الواقع.
لم يكن هيكل محبوبًا لأنه محايد، بل لأنه كان مُزعجًا. والصحافة العربية اليوم لا تريد الإزعاج، بل تريد الرضا والقبول والاستمرار داخل القطيع.
لهذا أُقصيت الأقلام التي تعلّمت من مدرسة هيكل، لا لأنها تفتقر إلى الموهبة، بل لأنها تمتلك ما هو أخطر: الرؤية.
الرؤية التي تقول إن النية لا تكفي، وإن الشجاعة وحدها لا تصنع سياسة، وإن المقاومة بلا حسابات تتحول من فعل تحرر إلى مادة خام في مشروع الخصم.
اليوم، ونحن نعدّ خرائط ممزقة، لا نحتاج إلى تمجيد الماضي بقدر ما نحتاج إلى الاعتراف بالجريمة: جريمة إقصاء العقل من الصحافة، وتحويل المنابر إلى أبواق، وتجفيف منابع التحليل الاستراتيجي لصالح الانفعال.
رحل هيكل، لكنه لم يترك مجرد أرشيف، بل ترك طريقة تفكير. ومن خانوا هذه الطريقة هم أنفسهم من يكتبون اليوم عن «المفاجأة» و«الصدمة» و«ما لم يكن في الحسبان».
كل شيء كان في الحسبان… إلا عند صحافة قررت أن تعيش بلا ذاكرة وبلا عقل!

كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: الخريطة العربية الصحافة العربية الصحافة العربیة لم یکن التی ت

إقرأ أيضاً:

توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي

أكدت الحقوقية مونا توكا، أن أزمة الكهرباء في ليبيا أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن بشكل يومي، فالكلفة الحقيقية للأزمة تتجاوز ساعات الانقطاع وتمتد إلى كل تفاصيل الحياة الاقتصادية للأسر الليبية.

وترى توكا، في تصريحات صحفية، أن الخسارة تبدأ من داخل المنزل، إذ يؤدي تذبذب التيار والانقطاعات المتكررة للكهرباء إلى تلف الأجهزة الكهربائية فتتحول الثلاجة أو المكيف أو الغسالة إلى نفقات طارئة تستنزف موازنة الأسرة الليبية، ومع ارتفاع أسعار الأجهزة وقطع الغيار يصبح إصلاح الأعطال أو استبدال الأجهزة عبئاً مالياً متكرراً يقتطع جزءاً من الدخل المخصص للحاجات الأساسية، وفق قولها.

وأضافت أن آثار الأزمة تنتقل إلى الأسواق عبر ارتفاع كلفة النشاط التجاري فالتاجر يتحمل خسائر في المواد الغذائية التي تحتاج إلى التبريد، إضافة إلى تكلفة الوقود وتشغيل المولدات، ما يعكس هذه النفقات الإضافية على ارتفاع أسعار السلع التي يتحملها المواطن الليبي سواء في الغذاء أو الدواء وغيرها من الحاجات اليومية، على رغم أن دخله لم يشهد زيادة تقابل هذا الارتفاع، إذ يراوح متوسط المرتبات الشهرية ما بين 160 و275 دولاراً.

وتابعت أن الأزمة تفرض أيضاً نمطاً جديداً من الإنفاق على الأسر يشمل شراء المولدات الكهربائية والوقود والزيوت اللازمة لتشغيلها ووسائل حماية الأجهزة من تذبذب التيار إضافة إلى كلفة الصيانة المستمرة، بجانب مصاريف تصفها الحقوقية الليبية بالبند الثابت في موازنة الأسرة على حساب الإنفاق على التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة.

وقالت توكا، إن هذه الحلقة تقود إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لأن الدخل يتآكل بالتدرج تحت تأثير نفقات متزايدة لا ترتبط بتحسين جودة الحياة وإنما بالحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار داخل المنزل.

وواصلت حديثها: “إذا ما تكلمنا عن حق المواطن في الكهرباء الذي يرتبط بشكل وثيق بالحق في مستوى معيشي لائق، فعندما تؤدي أزمة الكهرباء إلى استنزاف دخل الأسر وارتفاع أسعار السلع وإتلاف الممتلكات فإن آثارها تمتد إلى الأمن الاقتصادي للأسر الليبية وتؤثر في قدرتها على توفير حاجتها الأساسية والعيش بكرامة، لأن الكهرباء ليست رفاهية إنما حق أساس للمواطن في دولة النفط والغاز”.

مقالات مشابهة

  • ترامب: تكلفة الأضرار بالسفن ستُدفع من الأموال الإيرانية التي نسيطر عليها
  • سيناريوهات يستعرض أبرز التحديات التي تواجه الحية في رئاسة حماس
  • ترامب: إيران أضعف مما كانت عليه قبل 4 أشهر
  • توكا: أزمة الكهرباء أحد أبرز العوامل التي تستنزف دخل المواطن الليبي
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • محمد ثروت: مصر لو فازت بكأس العالم الإحتفالات كانت هتستمر لمدة شهر وهيكون فيه عيد كأس العالم
  • دراسة تكشف وجود علاقة بين ضوضاء الطرق والإصابة بـالباركنسون
  • الأطباء أكدوا أن حالتي كانت خطيرة .. الأنبا موسى يكشف تفاصيل أزمته الصحية
  • نقابة الصحفيين السودانيين ترفض أوامر القبض بحق إعلاميين وتعلن تضامنها معهم
  • اتهامات بإسكات الصحافة.. “محامو الطوارئ” تهاجم ملاحقة 47 إعلامياً