لا تكن دائمًا متاحًا
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
حسين الراوي
في عالم أصبح كل شيء فيه مُتاحًا، من الوجوه إلى الأفكار والمشاعر، تراجعت قيمة الحضور. كل ما يُتاح بكثرة يفقد سحره، واللقاء الذي لا يُنتظر يُصبح بلا معنى. هنا يظهر دور الغياب المدروس، كفن يُحافظ على الذات ويمنح الحضور عمقًا ووزنًا.
الحضور المستمر يفقد قيمته، والإنسان حين يُتاح باستمرار يصبح كالماء المراق على الأرض.
نماذج للغياب الواعي:
عبد الله بن المبارك بن عامر (118–181 هـ / 736–797م)، عالم وفقيه وزاهد ومحدّث، من كبار أهل العلم في عصره. اشتهر بورعه وتقواه وزهده في الدنيا، وحرصه على طلب العلم ونشره، كما كان له تأثير كبير في السلوكيات الأخلاقية والدعوة الإسلامية.
في إحدى الروايات عن شقيق بن إبراهيم:
سُئل عبد الله بن المبارك: "لماذا إذا صليت معنا في المسجد لا تجلس معنا بعد الصلاة؟"
فقال: "أذهب لأجلس مع الصحابة والتابعين من خلال النظر في كتبهم وآثارهم، أجلس معكم ماذا أصنع؟ أنتم تغتابون الناس."
الأديب الروسي أنطون بافلوفيتش تشيخوف، انتقل للإقامة في الريف الروسي إلى (مليخوفو، جنوب موسكو)، عام 1892، وعاش هناك عدة سنوات كطبيب وكاتب. كتب في بيئته الريفية، واستلهم من حياة القرى والناس أعماله الأدبية المهمة مثل النورس والعم فانيا، وقصص قصيرة أخرى.
الشاعر والكاتب البرتغالي فرناندو بيسوا (1888–1935)، عاش عزلة اختيارية منذ عودته إلى لشبونة عام 1905 وحتى وفاته، متنقّلًا بين غرف مستأجرة ومقاهٍ قليلة، متناغمًا مع ذاته الداخلية. امتدت عزلته قرابة ثلاثين عامًا، وأسفرت عن ابتكار الهِتيرونيمات (الشخصيات الشعرية المتعددة)، وإنتاج شعر ونثر حداثي عميق أعاد تعريف مفهوم الذات والهوية.
الأديب والفنان جبران خليل جبران (1883–1931)، بعزلة حقيقية عاشها عن المجتمع، بعيدًا عن الضوضاء الاجتماعية والانشغالات التقليدية في لبنان وبلدان المهجر التي انتقل إليها. لم تكن عزلة جبران مجرد انعزال فكري أو شعوري، بل كانت خيارًا عمليًا وملموسًا، إذ قضى فترات طويلة في منفاه في أمريكا وأوروبا، مفضلًا الوحدة على تكرار الاختلاط بالمجالس الاجتماعية. حتى أن جبران كتب في رسائله: " أجد راحتي في الانفراد عن الناس، ففي العزلة أستطيع أن أفكر بحرية وأكتب كما أحب".
يُحكى أن طائرًا اعتاد زيارة شجرة كل صباح، حتى ألفت الشجرة صوته ولم تعد تُصغي إليه. في يوم من الأيام قرر الطائر أن يغيب عن تلك الشجرة، لأنه شعر بأنها لا تصغي لتغريده. خيّم الصمت على تلك الشجرة، وعندما عاد الطائر بعد أيام، أنصتت له الشجرة كأنها تسمعه لأول مرة. الحضور بلا غياب كالضوء بلا ظلّ، والغياب يعيد ترتيب العلاقات بدل إطفائها.
يمكن مُمارسة الغياب المدروس من خلال اختيار لحظات الحضور بعناية وتجنّب التواجد في كل مناسبة بلا معنى، ومنح النفس وقتًا خاصًا بعيدًا عن وسائل التواصل والاجتماعات المتكررة، واستثمار هذا الغياب في تطوير الذات عبر القراءة والتأمل أو اكتشاف هوايات جديدة، كما يمكن استخدام الغياب كفرصة لإعادة تقييم العلاقات وفهم من يقدّر وجودك حقًًا.
لا تكن دائمًا متاحًا. احضر حين يكون للحضور معنى، وغب حين يصبح العطاء استنزافًا. الغياب المدروس لا يُطفئ نورك، بل يجعله أكثر تركيزًا. كن كالقمر، لا يظهر كل ليلة، لكنه حين يطلّ، تتجه إليه كل العيون. الجمال الحقيقي يُقاس بعمق الأثر، والذين يملكون شجاعة الغياب وحدهم يعرفون معنى الوجود.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
الأمين العام للاتحاد الإنجيلي العالمي يبحث في القدس تعزيز الحضور المسيحي والتعاون بين الكنائس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
عقد الأمين العام للاتحاد الإنجيلي العالمي، القس المحامي بطرس منصور، سلسلة لقاءات في القدس وبيت لحم مع عدد من القيادات الكنسية، لبحث سبل تعزيز الحضور المسيحي في الأراضي المقدسة، وتطوير التعاون بين الكنائس، إلى جانب مناقشة الاستعدادات للاحتفالات المسيحية الكبرى خلال السنوات المقبلة.
والتقى منصور بالكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، حيث تناول اللقاء أوضاع المسيحيين في الأراضي المقدسة في ظل التحديات الراهنة، إضافة إلى التحضيرات للاحتفالات الألفية المقبلة، وفي مقدمتها إحياء الذكرى الثانية للألفية لانطلاق رسالة السيد المسيح عام 2030، والاحتفال بمرور ألفي عام على قيامة المسيح عام 2033.
كما اجتمع الأمين العام للاتحاد الإنجيلي العالمي مع رئيس أساقفة الكنيسة الأنجليكانية في القدس ورئيس الكنيسة الأنجليكانية في الشرق الأوسط، المطران الدكتور حسام نعوم، حيث ركزت المباحثات على سبل تعزيز التعاون المشترك بين الكنائس، ودعم الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة، وتنسيق الجهود لمواجهة التحديات التي تواجه المجتمعات المسيحية في المنطقة.
واختتم منصور لقاءاته بزيارة إلى كلية بيت لحم للكتاب المقدس، حيث التقى الدكتور جاك سارة، الأمين العام لفرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاتحاد الإنجيلي العالمي، ورئيس الكلية، وبحث معه عدداً من القضايا العامة المتعلقة بعمل التحالف، إلى جانب مناقشة أوضاع فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخططه المستقبلية في خدمة الكنائس وتعزيز التعاون الإنجيلي في المنطقة.
وأكدت اللقاءات أهمية الحوار والتعاون بين مختلف الكنائس المسيحية، والعمل المشترك من أجل الحفاظ على الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة، وتعزيز الشهادة المسيحية في المنطقة من خلال مبادرات قائمة على الوحدة والخدمة والتعاون المشترك.