سالي عاطف تكتب: هدنة بلا ثقة.. لماذا عاد التوتر الخفي بين إثيوبيا وإريتريا؟
تاريخ النشر: 9th, February 2026 GMT
ما يحدث بين إثيوبيا وإريتريا في هذه المرحلة لا يمكن قراءته كخلاف حدودي عابر أو توتر دبلوماسي تقليدي، بل هو إعادة تشكّل عميقة لعلاقات القوة في القرن الأفريقي، حيث تتداخل الحسابات التاريخية مع الطموحات الجيوسياسية والضغوط الداخلية لكلا النظامين. فالعلاقة بين البلدين محمّلة بإرث ثقيل منذ استقلال إريتريا عام 1993، ثم حرب 1998–2000 التي خلّفت عشرات الآلاف من القتلى ورسّخت منطق العداء الوجودي، قبل أن يأتي اتفاق السلام عام 2018 كحدث مفصلي أنهى رسميًا حالة الحرب لكنه لم يعالج جذور الصراع.
في السنوات الأولى بعد اتفاق السلام، بدا وكأن تحالفًا استراتيجيًا جديدًا قد وُلد، خاصة مع التقارب الشخصي بين آبي أحمد وإسياس أفورقي، والتنسيق العسكري الواضح بينهما خلال حرب تيغراي التي اندلعت في نوفمبر 2020. لعبت إريتريا دورًا حاسمًا في دعم الحكومة الإثيوبية عسكريًا ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، ليس فقط بدافع التحالف مع آبي أحمد، بل أيضًا بدافع تصفية حسابات تاريخية مع التيغراي، الذين حكموا إثيوبيا لعقود وكانوا الخصم اللدود لأسمرا. غير أن هذا التقارب العسكري لم يتحول إلى شراكة سياسية أو اقتصادية مستقرة، بل ظل تحالف ضرورة ظرفية.
مع انتهاء الحرب رسميًا باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، بدأت التناقضات تظهر إلى السطح. إثيوبيا الخارجة من حرب مدمّرة تواجه أزمات داخلية متعددة، من مطالب قومية متصاعدة إلى ضغوط اقتصادية خانقة، وهو ما دفع آبي أحمد إلى إعادة طرح ملف الوصول إلى البحر باعتباره “قضية وجودية” لإثيوبيا. هذا الخطاب لم يكن مجرد رسالة للداخل الإثيوبي، بل حمل في طياته قلقًا مباشرًا لإريتريا التي ترى في أي حديث إثيوبي عن الموانئ تهديدًا صريحًا لسيادتها، خاصة أن موانئ مثل مصوع وعصب كانت تاريخيًا شريان إثيوبيا البحري قبل الاستقلال الإريتري.
الواقع الراهن يظهر أن السلام الذي أعلن في 2018 بدأ يتصدّع بوضوح. في فبراير 2026، صعدت أديس أبابا من لهجتها تجاه أسمرا وطالبت بـ سحب قوات إريتريا من الأراضي الإثيوبية فوراً، متهمةً الجيش الإريتري بـ “الاعتداء والتعاون مع جماعات مسلحة متمردة” داخل إثيوبيا في مناطق مثل أمهرة شمال غرب البلاد، واصفةً ذلك بأنه “عدوان صريح” يهدد الاستقرار الإقليمي.
إريتريا بدورها نفت هذه الاتهامات بشدة، ووصفها مسؤولوها بأنها “استعراضات استفزازية” وصيغة من الضغط السياسي، مؤكدين عدم وجود نية لديهم لزعزعة أمن إثيوبيا أو إشعال حرب جديدة.
هناك عوامل أعمق تلعب دورًا في هذا التوتر المتجدد: أحدها يتعلق بتقسيم السلطة داخل إثيوبيا نفسها، وخاصة في إقليم تيغراي، حيث انقسامات داخلية وتنافس بين فصائل التيغراي أثّر على كل ديناميكية إقليمية، وجعل أسمرة وإثيوبيا تتبادل الاتهامات حول دعم الفصائل المسلحة أو استخدامها كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية داخلية وخارجية.
هذا التصعيد المتبادل في الاتهامات والطروحات السياسية لا يبدو محصورًا في عناوين الصحف فقط؛ بل يُظهر مؤشرًا حقيقيًا على عودة مخاطر المواجهة المسلحة في القرن الأفريقي. لقد بات واضحًا أن “السلام الهادئ” الذي تبناه البلدان لم يعد كافياً لإخماد جذور التوتر العميقة، وخاصة مع وجود إرث تاريخي من الحرب، وطموحات إثيوبية للوصول إلى البحر، ومخاوف إريترية من ضغوط إقليمية تؤثر على سيادتها.
في المحصلة، ما يحدث بين إثيوبيا وإريتريا اليوم هو علاقة رمادية يحكمها الشك المتبادل وطموحات غير متوازنة، وليس سلامًا مُطمئنًا. فقضية الحدود، النفوذ البحري، والتحالفات مع فصائل داخلية تجعل أي لحظة من الهدوء قابلة للانفجار، مما يضع القرن الأفريقي أمام اختبار جديد قد تكون تداعياته أبعد وأعمق من مجرد نزاع ثنائي
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: إثيوبيا إريتريا إثيوبيا وإريتريا إثیوبیا وإریتریا
إقرأ أيضاً:
"الموجة الزرقاء" تكتب التاريخ.. كيف أصبحت كوراساو أصغر دولة تبلغ كأس العالم؟
دخل منتخب كوراساو تاريخ كرة القدم من أوسع أبوابه بعدما حجز مقعده في نهائيات كأس العالم 2026، ليصبح أصغر دولة من حيث عدد السكان والمساحة تنجح في بلوغ المونديال، في إنجاز غير مسبوق على مستوى منطقة الكونكاكاف.
الجزيرة الكاريبية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 156 ألف نسمة، تحولت خلال أشهر قليلة إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في كرة القدم العالمية، بعدما أطاحت بمنتخبات أكثر خبرة وحضورا في التصفيات، وفرضت نفسها بين كبار اللعبة في أول نسخة من كأس العالم تضم 48 منتخبا.
رحلة كوراساو نحو الحلم العالمي لم تكن سهلة أو عابرة، بل جاءت عبر مسار طويل من العمل والتطور داخل منظومة كرة القدم المحلية والاعتماد على مشروع رياضي استثمر في اللاعبين أصحاب الأصول الكوراساوية الذين نشأوا في هولندا.
بدأ المنتخب مشواره في التصفيات بقوة لافتة، عندما حقق انتصارا كبيرا على باربادوس بنتيجة 4-1، في مباراة كشفت مبكرا عن قدراته الهجومية، قبل أن يؤكد جاهزيته بالفوز على أروبا بهدفين دون رد.
واستمرت الانطلاقة المثالية خلال صيف 2025، إذ اكتسح منتخب سانت لوسيا برباعية نظيفة، ثم واصل عروضه القوية بانتصار عريض على هايتي بنتيجة 5-1، ليبعث برسالة واضحة إلى منافسيه بأنه لا يشارك في التصفيات من أجل الظهور فقط، بل من أجل الوصول.
وفي الدور النهائي واجه المنتخب اختبارات أكثر صعوبة داخل المجموعة الثانية، حيث اصطدم بمنتخبات تملك تاريخا أطول وخبرة أكبر مثل جامايكا وترينيداد وتوباغو.
ورغم الضغوط، نجحت "الموجة الزرقاء" في الحفاظ على توازنها، فتعادلت سلبيا مع ترينيداد وتوباغو قبل أن تتجاوز برمودا بنتيجة 3-2.
لكن اللحظة المفصلية جاءت في أكتوبر 2025 عندما حققت كوراساو فوزا ثمينا على جامايكا بهدفين دون رد، وهو الانتصار الذي منح الفريق دفعة معنوية كبيرة في سباق التأهل.
ومع اقتراب الحسم، دخل المنتخب شهر نوفمبر وهو يدرك أن حلم المونديال بات أقرب من أي وقت مضى.
وجاء الرد داخل الملعب بصورة مذهلة، بعدما اكتسح برمودا بسبعة أهداف دون مقابل، ثم عاد بتعادل سلبي تاريخي من كينغستون أمام جامايكا، وهي النتيجة التي ضمنت له صدارة المجموعة والتأهل المباشر.
اعتمد المنتخب خلال تلك المواجهات على صلابة دفاعية واضحة وتألق لافت للحارس إيلوي روم الذي لعب دورا محوريا في الحفاظ على شباك فريقه خلال المباريات الحاسمة.
ويحمل تأهل كوراساو أبعادا تتجاوز كرة القدم، إذ يقدم نموذجا لدول صغيرة استطاعت منافسة القوى التقليدية من خلال التخطيط والاستثمار في المواهب بدلا من الاعتماد على الإمكانات المالية الضخمة.
كما أن الإنجاز يكتسب خصوصية إضافية لكون كوراساو أول منتخب غير سيادي من الأمريكتين يبلغ نهائيات كأس العالم منذ مشاركة جزر الهند الشرقية الهولندية في نسخة 1938، رغم تبعية الجزيرة سياسيا لمملكة هولندا وامتلاكها عضوية مستقلة في الاتحاد الدولي لكرة القدم منذ 2011.
وسيجد المنتخب نفسه أمام تحديات كبيرة في المونديال عندما يواجه ألمانيا ثم إكوادور وكوت ديفوار، لكن مجرد الحضور في البطولة يمثل انتصارا لجزيرة صغيرة أثبتت أن كرة القدم لا تعترف دائما بحجم الدولة أو عدد سكانها.