كيف يساعد الاقتصاد الرقمي في تقليص فجوات الدخل؟
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
التكنولوجيا والمؤسسات في مواجهة العدالة الاقتصادية
روبرتو أنتوناتي - كيارا بورلينا - ترجمة: أحمد القرملاوي
لم تعُد الرقمنة خاصة خلال السنوات القليلة الماضية مجرد توجُّه تكنولوجي أو صيحة في عالم الأعمال سرعان ما ستحِلُّ في مكانها صيحات أخرى، لقد صارت قوة جبارة بإمكانها أن تعيد تشكيل الخريطة الاقتصادية والمجتمعية بأكملها.
ليست قوة محايدة، إذ تتأثر بعناصر البيئة المؤسسية والاجتماعية التي تحيط بها وتتفاعل معها، ما يجعلها قابلة لأن تكون وسيلة للتقارب الاقتصادي أو سببا إضافيّا لتعميق الفجوات. وقبل الخوض في هذه الإشكالية، من الضروري أن نعرِّف ما نعنيه بـ «فجوات الدخل الإقليمية»، وهو المفهوم الذي يُشير إلى التفاوت في مستويات المعيشة ومتوسطات الدخل بين مناطق مختلفة داخل البلد الواحد، مثل الفارق بين العواصم والمدن الكبرى من جهة، والمناطق الريفية أو الهامشية من جهة أخرى. لطالما وُجِدَت هذه الفجوات في الخريطة الاقتصادية، غير أنها اتسعت وصارت أكثر وضوحا في عصر الرقمنة، إذ تتركَّز الاستثمارات وتتراكم المهارات والبِنى التحتية في المراكز الحضرية والمدن المركزية، بينما تبقى المناطق الريفية والهامشية محرومة من هذا التحول الرقمي.
مع بدايات الثورة الرقمية، تولَّد تصوُّر متفائل أن انتشار الإنترنت سيهدم الحواجز الجغرافية، وأن الأفراد والمؤسسات، بصرف النظر عن موقعهم، سيسهل عليهم النفاذ إلى الأسواق العالمية والوصول إلى المعرفة والتحصُّل على الفرص. غير أن الواقع أسفر عن نتائج أكثر تعقيدا. فبينما كشفت الرقمنة عن آفاق أرحب أمام الكثيرين، أظهرت الدراسات والبيانات أن المناطق التي كانت تمتلك في الأساس بنية تحتية جيدة وقوى عاملة متطورة، هي التي استفادت بدرجة أكبر من هذا التحول التكنولوجي، في حين وجدتْ المناطق الأقل حظّا نفسها في موقف لا يسمح لها إلا بمحاولة اللحاق بالركب على أحسن تقدير.
تشير الدراسات إلى أن التكنولوجيا الرقمية قد تسببت منذ بداياتها في زيادة التفاوت في الدخول بين الأقاليم، ما يمكن ربطه بالعديد من العوامل المتداخلة، أولها أن الرقمنة تعزز الطلب على العمالة ذات المهارات العالية، مثل المبرمجين ومحللي البيانات والمتخصصين في تكنولوجيا المعلومات، وهذه المهارات تتركز غالبا في المدن الكبرى والمراكز التعليمية المتقدمة. وعلى الجهة المقابلة، تتسبب الرقمنة في تناقُص فرص العمل في القطاعات التقليدية أو تلك التي تتطلب مهارات أبسط وأقل تخصصا، ما يَنتُج عنه ضغط إضافي على المناطق التي تعتمد على الأنشطة التقليدية.
أما العامل الثاني فيتمثل في مَيْل شركات التكنولوجيا والشركات التي تعتمد بكثافة على الآليات الرقمية إلى التمركز في بيئات توفر لها منظومات متكاملة، تشمل الجامعات المتميزة، والمراكز البحثية، والتمويل الذي يتَّسم بالجُرأة والمَيْل إلى المغامرة، وشبكات الأعمال النشِطَة. ومن النادر أن تتوافر مثل هذه المنظومات في المناطق الهامشية، ما يؤدي إلى تركُّز الاستثمارات عالية القيمة في الأقاليم المركزية فحسب. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التركُّز إلى دائرة مغلقة في وجه الأقاليم الطرفية، حيث تجذب الشركات المزيد من المهارات والقوى العاملة المتميزة إلى المناطق التي توجد فيها، وعلى النحو نفسه تنجذب شركات شبيهة إلى نفس المناطق التي انتقلت إليها القوى العاملة المهارية والمتميزة، وهكذا دواليك حتى يتشكل المركز المنغلق على ذاته.
ثمة عامل ثالث هو الانتشار غير المتكافئ للبنية التحتية الرقمية، كشبكات الإنترنت السريع وقواعد البيانات المتقدمة على سبيل المثال، حيث يتسبب انعدام التكافؤ في تفاوت مباشر في إمكانية استفادة المناطق من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرقمي، فحتى الأشكال البسيطة للمشاركة الرقمية، مثل التجارة الإلكترونية أو التوظُّف عن بُعد، تتطلب اتصالا جيدا بالإنترنت يتَّسم بالسرعة والاعتمادية، ما لا يتوافر عادة في المناطق الأقل حظّا.
إلا أن الصورة لا تقتصر فقط على هذه المعطيات؛ إذ تبيِّن الدراسات أن الدور الذي تلعبه الرقمنة في تعزيز التفاوت ليس أمرا محتوما لا يمكن التعامل معه، بل يعتمد إلى حد بعيد على عمل المؤسسات التي تدير الاقتصاد والمجتمع. وهنا يبرُز دور المؤسسات الرسمية كالحكومات والهيئات وأنظمة التعليم والتدريب والتوظيف. فحينما تتمتع المؤسسات الرسمية بالفعالية الإدارية والسياسات الاجتماعية النشِطَة، يكون بإمكانها أن تُوجِّه التكنولوجيا الرقمية بحيث تصل فوائدها إلى شرائح أوسع من السكان ومناطق أقل حظّا في المعتاد. وفي السياق نفسه يُمكن الإشارة إلى أن السياسات التعليمية تلعب دورا محوريّا للغاية. فحين تستثمر الحكومات في التعليم الرقمي الحديث، وبرامج التدريب المهني، وكذلك في إعادة تأهيل العمال المتأثرين بالتحول التكنولوجي على نحو مستمر، فإنها تتمكن من تقليص الفجوات المهارية التي تتسبب في تعميق التفاوت. كما تساهم برامج الدعم المقدَّمة للشركات الصغيرة والمتوسطة في تمكين رواد الأعمال المحليين من النفاذ إلى الاقتصاد الرقمي بدلا من الاكتفاء بدور المستهلكين لنِتاجاته.
ومع إتاحة آليات فعَّالة لتوفير الأمان الاجتماعي، تستطيع المؤسسات الرسمية تخفيف الصدمات التي عادة ما تُصاحب التحولات التكنولوجية، مثل فقدان الوظائف في بعض القطاعات. فالتحولات التكنولوجية بطبيعة الحال هي عملية هدم وبناء في آنٍ واحد، إذ تخلق وظائف جديدة في الوقت الذي تُلغي فيه وظائف موجودة بالفعل. ويُقاس نجاح المؤسسات الرسمية في هذه الحالة بقدرتها على تمكين المجتمعات من عبور المراحل الانتقالية بأقل قدر من الخسائر الاجتماعية.
وإلى جانب المؤسسات الرسمية، تشير الدراسات إلى عامل آخَر لا يقل أهمية يُعرَف بـ«رأس المال الاجتماعي». ويُقصَد به مستوى الثقة والتعاون بين أفراد المجتمع وقوة الشبكات الاجتماعية وتماسكها، وهو بُعد يبدو بطبيعة الحال معنويّا لا ماديّا، لكنه يلعب دورا أساسيّا في تحديد الآلية التي ستُوزَّع على أساسها عوائد الرقمنة. فالمجتمعات التي تمتاز بروابط قوية بين فئاتها المختلفة هي الأقدر على تبادل الفرص والمعلومات، وعلى دعم الأفراد حين يواجهون صعوبات في التكيُّف مع التحولات الاقتصادية.
وهنا يجدر التمييز بين نوعين من «رأس المال الاجتماعي»، يتمثل النوع الأول في الروابط الاجتماعية التي تربط بين الفئات المتشابهة، أما النوع الثاني فيتمثل في الروابط الممتدة بين فئات متفاوتة اجتماعيّا أو اقتصاديّا. وهذا النوع الثاني من «رأس المال الاجتماعي» هو الأهم في سياق العدالة الإقليمية؛ حيث يسمح بانتقال الفرص والمعلومات عبر حدود الطبقة والمهنة والمنطقة. وكلما ازدادت هذه الروابط قوة، صارت فرص الاقتصاد الرقمي أقل حكرا على الفئات الأكثر حظّا واتسع انتشارها بين السكان. في مثل هذه البيئات، يمكن لمنصة رقمية صغيرة أو لمشروع محلي ناشئ أن يجد دعما مجتمعيّا سواء عبر قطاعات الأعمال أو المبادرات الأهلية والتعاونيات. كما تساعد هذه الروابط على إدماج الفئات المهمشة في المشهد الاقتصادي الجديد، بدلا من إقصائها وجعلها تواجه التحول الرقمي بمفردها.
تخلُص الدراسات إلى أن التكنولوجيا الرقمية تعمل مثل العدسة المكبرة؛ حيث تُعظِّم الاتجاهات القائمة بالفعل وتجعلها أكثر وضوحا وتأثيرا. فحينما يتمتع الإقليم بمؤسسات فعالة وتعليم متميز وروابط اجتماعية قوية، فإن التحول الرقمي يعزز نموَّه الاقتصادي ويساهم في توزيع المنافع بشكل أوسع وأكثر عدالة. والعكس صحيح، فحينما تَضعُف هذه المقومات في إقليم ما، فإن التكنولوجيا والرقمنة قد تسهمان في توسيع الفجوة الاقتصادية والاجتماعية.
ومن هنا نَخلُص إلى عدد من الدروس المستفادة التي تهم صنَّاع السياسات. أولها أن الاستثمار في البنى التحتية الرقمية مهما كانت أهميته، لا يُعَد كافيا في ذاته. فبرغم أهمية تطوير البنية التحتية بمَدِّ كابلات الألياف الضوئية ونشر تغطية الجيل الخامس من شبكات الاتصالات، إلا أنها لن تحقق العدالة الاقتصادية ما لم تصاحبها إجراءات موازية تهتم ببناء المهارات التقنية وتعزيز القدرات الابتكارية لدى القوى العاملة المحلية.
أما الدرس الثاني فهو أن فعالية المؤسسات الرسمية عامل حاسم لأبعد حد، فالإدارات القادرة على تصميم برامج تدريب مناسبة، وتسهيل الوصول إلى التمويل اللازم، وتيسير الإجراءات البيروقراطية أمام الشركات الناشئة، سيُمكنها الاستفادة من الرقمنة كرافعة للنمو الاقتصادي الإقليمي، بدلا من تركها تتسبب في تعميق الفجوات.
ثمة درس ثالث يتعلق بأهمية الترابط الاجتماعي، فتعزيز الثقة والتعاون بين مختلف فئات المجتمع ليس مسألة اجتماعية فحسب، بل إنه سياسة اقتصادية صميمة. فالمبادرات التي تشجع على العمل التعاوني وتدعم الابتكار المجتمعي، يمكن لها أن تلعب دورا حاسما في نشر عوائد التكنولوجيا على نحو أكثر عدالة.
من هذه المنطلقات جميعا، يتضح أن مستقبل الفجوات الاقتصادية في عصر الاقتصاد الرقمي ليس مرسوما مسبقا، فالرقمنة تحمل إمكانات هائلة لتحصيل الثروة وتحسين الإنتاجية وفتح أسواق جديدة، لكنها في الوقت نفسه قد تتسبب في تعميق الفجوات لو أنها تُركَت لقوى السوق تتجاذبها دون ضابط. والعامل الحاسم هنا في يد المؤسسات، إذ تُشكِّل جودة السياسات والإجراءات التي تتخذها فارقا جوهريّا، خاصة حين يتم تدعيمها بالتعليم الجيد، ومرونة سوق العمل وقوة الروابط الاجتماعية.
في الختام، لا ينبغي النظر إلى الاقتصاد الرقمي باعتباره حلّا سحريّا لمشكلات التنمية الاقتصادية، ولا كتهديد لا مفر منه لإمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. فالرقمنة أداة ذات قدرة هائلة، مثلها مثل سائر أدوات التحوُّل الكبرى في التاريخ. والسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستغيِّر من شكل الاقتصاد، فهي تفعل ذلك بالفعل، بل حول الكيفية التي ستختار بها المجتمعات والمؤسسات أن توجِّه هذا التغيير لصالح العدالة الاقتصادية. فلو أُحسِن توظيف الرقمنة ضمن إطار مؤسسي قوي وفعال، فما من شك في أنها ستصبح وسيلة لتقليص الفجوات بين الأقاليم وفتح آفاق جديدة أمام المناطق الهامشية، وبناء نمو اقتصادي واجتماعي أكثر شمولا واستدامة. أما لو تم إهمال الأبعاد الاجتماعية والدور المؤسسي، فقد تتحول الرقمنة إلى عامل مساعد في تعميق الفجوات القائمة بالفعل. وفي الإجابة عن هذا السؤال عمليّا وتطبيقيّا يَكمُن الفارق وتتحدد ملامح العدالة في عصر الرقمنة.
روبرتو أنتونياتي: أكاديمي ومختص في الاقتصاد يعمل كأستاذ مشارك في قسم الاقتصاد وإدارة الأعمال بجامعة بادوفا في إيطاليا
كيارا بورلينا: أستاذة مساعدة في الاقتصاد التطبيقي في قسم الاقتصاد والإدارة بجامعة بادوفا في إيطاليا
مقال علمي محكم منشور في مجلة «أبحاث في العلوم الإقليمية»،
(Papers in Regional Science)
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: المؤسسات الرسمیة الاقتصاد الرقمی المناطق التی فی تعمیق
إقرأ أيضاً:
القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.
إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.
واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.
وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.
وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.
وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.
وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.
فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.
هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.
وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.
وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات.
وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.