الأزمات وإعادة تشكيل رؤى العالم
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
لم يكن أبو الفضل التلمساني الشاعر التونسي (ت1119م) مخطئا ولم يكن مصيبا في نفس الوقت عندما قال في مطلع قصيدته المنفرجة: اشتدّي أزمةُ تنفرجي...قد آذَنَ لَيلُكِ بالبَلَجِ،
بل كان يُمني النفس بأن بعد كل أزمة انفراجة، وفي نهاية كل نفق ضوء، وبعد كل مصيبة فرج وحبور، غير أن الأزمات ليست بهذا السوء، كما أنها لا تأتي بشكل ٍ عشوائي، ولا تنفرج من تلقاء نفسها، فمع تراكمها وتعاقبها على المستويات الفردية والجماعية، أصبح لها مناهج، وعلوم، وإجراءات تسعى للتقليل من حدتها، والاستفادة من مطباتها المختلفة.
في مقابل ذلك، كان الحوار الشهير في جبال دافوس بين مارتن هايدغر وإرنست كاسيرر في منتصف عشرينيات القرن العشرين، مؤشرا على تحولات عميقة ليست سياسية فقط، وإن كان سطحها ينبئ بذلك، بل كان يشير لتحولات وأزمات وجودية وفلسفية، تمثلت في الحرب العالمية الأولى 1918م، وعدم الاستقرار السياسي، والأنفلونزا الإسبانية التي أصابت العالم بين عامي 1918-1920م، التي أسهمت بدورها في بروز مفاهيم وجودية، وتصورات مختلفة عن رؤى العالم التي لا تتشكل خارج الأزمات، بل تجد هويتها ضمن الأزمات والمنعطفات الحادة التي تصيب الفرد والبشرية وتدعوهم لمراجعة تصوراتهم القديمة، وتبني تصورات جديدة تحمل معها العالم الجديد الذي يتشكل ببطء وبعيدا عن الأضواء.
ويُعد ظهور وتشكل العلم بالمعنى المنهجي عاملا أساسيا في إحداث هذه النقلات، أو بلغة هايدغر «ظاهرة جوهرية من ظواهر الأزمنة الحديثة» التي تختلف في تصوراتها عن الحقب الميتافيزيقية السابقة. كما كان ظهور التقنية مؤشرا على تحول جذري في تشكل هذه الرؤى العالمية.
بالإضافة لذلك، وفرت تحليلات زيجمونت باومان (1925-2017م) الممتدة على مدى سنوات طويلة، قراءة فلسفية استباقية لما يمكن أن تؤول إليه المجتمعات في مراحلها الانتقالية، إلى عصر لم تعد فيه الأشياء والعلاقات البشرية والدولية مستقرة، بل أصبحت متغيرة، ومؤقتة، ويسهل إعادة تشكيلها أو التخلي عنها مع تغير الظروف. حيث أصبح الأفراد يتوقون للحرية والمرونة، من خلال البيئات الرقمية، بما فيها تطبيقات المواعدة إلى منصات التواصل الاجتماعي، التي تولد الشعور بأن هناك دائمًا شخصًا آخر على بُعد ضغطة زر، الأمر الذي انعكس على العلاقات الاجتماعية التي أصابها التفكك والتشرذم بوجود خيارات معروضة كثيرة.
ففي هذا السياق، لا يتشكل العالم منذ الأزل بمعزل عن الأزمات والصراعات، وظهور فاعلين جدد في فضاء العلاقات الفردية والجماعية على حدٍ سواء، حيث إنها تساهم بطريقة مباشرة في إعادة تشكيل الفرد والمجتمعات والعلاقات الدولية بنسب متفاوتة، والخروج من منطقة الراحة العالمية والاستقرار، للدخول في مرحلة مليئة بالتقلبات والتعقيدات والمخاطر المتوقعة وغير المتوقعة. ومع تزايد تواصل العالم وسهولة التنقل بين أصقاع العالم المختلفة، الواقعية والافتراضية على حد سواء، أصبحت التغيرات متسارعة، والمجتمعات متصلة ببعضها البعض، والتأثيرات تتجاوز الحدود الجغرافية، ولذلك أصبحت مفاهيم أساسية في الدول، كالسيادة محل نقاش وتساؤل كبيرين، كما أن الحدود الوطنية لم تعد بذلك الوضوح والجمود، وهذا يعني بأن البديهيات أصبحت سائلة، لا يمكن القبض عليها، أو التيقن من ماهيتها، والركون لجوهرها.
وفي هذا الجانب، لا يمكن النظر للأزمات على أنها منفصلة، وتقتصر على مجتمع معين، بل ينُظر إليها كموجات تصيب الداخل والخارج على حد سواء، بحيث تصبح مقولات الداخل والخارج أكثر مرونة، وأقل صلابة، وهذا ينطبق على الاقتصاد والسياسة والثقافة التي تنعكس على السلوكيات الفردية الصغيرة. لذلك تتوالى الدراسات المختلفة، والتقارير الدولية من المنظمات والهيئات المستقلة، كتشخيص للمخاطر العالمية المحدقة بالبشرية، والتي تختلف بحسب الفترة الزمنية، وتعتمد على المنطقة الجغرافية، والتركيبة السكانية، والهوية الثقافية، التي تساهم في إذكاء تحديات معينة من جهة، أو تساهم في تغيير بوصلتها من الجهة الأخرى. غير أننا كمجتمعات دولية بالرغم من كل هذه الفروقات نواجه تحديات مشتركة، تتمثل في الحروب والصراعات الدولية والاضطرابات الشاملة ونهاية حقب فكرية وزمنية، وبدء حقب جديدة تقوم على مفاهيم جديدة، تتجسد في الكثير من الأحيان على شكل مفاهيم، أو منتجات، أو في الأحوال غير المرئية على هيئة مطالبات بسيطة لتتدحرج وتكبر لتصبح بدايات لموجات وتوجهات بشرية أكبر.
- تضاؤل التفاؤل وتزايد التفكك المجتمعي:
من أبرز النقاط التي شدد عليها تقرير المخاطر العالمية لعام 2025م، الصادر عن منتدى الاقتصاد العالمي، تشير إلى أن الأحداث العالمية أمام مستويين، يتمثل المستوى الأول في المخاطر الفورية على الفترة القصيرة لمدة عامين، والمستوى الثاني الذي يصل إلى الفترة الطويلة المتمثلة في مدى 10 سنوات. ففي الفترة القصيرة تسيطر قضايا مثل: النزاعات المسلحة بين الدول والتي جاءت في المرتبة الأولى كأكبر تهديد مباشر لعام 2025، حيث اختارها نحو 23% من الخبراء كأزمة مادية محتملة. بينما جاءت المعلومات المضللة والكاذبة كأحد أكبر المخاطر قصيرة المدى، مما يهدد استقرار الحكومات ويزيد من حدة الاستقطاب المجتمعي. في حين أصبحت الظواهر المناخية المتطرفة في المرتبة الثالثة والتي لا تزال تشكل تهديدا ملحا، مدفوعة بتسارع وتيرة التغير المناخي. كما برزت قضايا مختلفة إلى السطح، مثل: الاستقطاب المجتمعي، واللامساواة، والتلوث، وتآكل حقوق الإنسان و/أو الحريات المدنية. وعلى المستوى طويل الأمد الذي يمتد بحسب التوقعات للسنوات العشر القادمة، فإننا نجد تصدر قضايا: مثل فقدان التنوع البيولوجي وانهيار النظام البيئي، ونقص الموارد الطبيعية، والنتائج السلبية لتقنيات الذكاء الاصطناعي. تؤدي كل هذه العوامل لاحتمالات مواجهات جيواقتصادية وذلك بسبب المخاوف من السياسات الحمائية والتعريفات الجمركية التي قد تؤدي إلى تفتت التجارة العالمية. بجانب ذلك، أصبح ينُظر لنتائج الذكاء الاصطناعي الضارة كخطر متصاعد بشكل كبير في الأفق العشري.
لا تقتصر هذه القضايا على بقعة جغرافية معينة، بل تمتد لتشمل كل بقاع الأرض، بنسب متفاوتة، وهي لا تؤثر فقط على المستويات الفردية الصغيرة Micro من جهة، بما فيها المستويات المعيشية وفقدان فرص العمل، وارتفاع التكاليف، بل تؤثر بشكل ٍ مباشر على الرؤية الفردية تجاه العالم، وثقة الأفراد في المؤسسات العالمية التي تساهم في ترابط النظام العالمي. كما تساهم بنسبة كبيرة في تزايد الانقسامات المتفاقمة والتشرذم المتزايد في تشكيل العلاقات الدولية، وتُثير تساؤلات حول مدى قدرة المؤسسات القائمة على مواجهة التحديات التي تواجهنا بشكل جماعي. الأمر الذي يؤشر إلى أن مستويات التعاون العالمي في العديد من مجالات الجغرافيا السياسية والقضايا الإنسانية، والعلاقات الاقتصادية، والتحديات البيئية والاجتماعية والتكنولوجية، من الممكن أن تصل إلى أدنى مستوياتها في السنوات القادمة. وذلك على خلفية أن الدول الرئيسة تتجه نحو الانعزال، مُركزة على همومها الاقتصادية أو الاجتماعية الداخلية المتفاقمة، في الوقت الذي ينبغي لها فيه السعي إلى تعزيز العلاقات متعددة الأطراف لمواجهة التحديات المشتركة.
توثر هذه الأحداث من الجهة الأخرى، على الموقف التفاعلي للأفراد تجاه العالم، فهي تساهم في في زيادة التراجع تجاه القضايا الدولية، والانكفاء على الذات، والتقوقع، وعدم النظر للعالم على انه فضاء مفتوحا للتفاوض حول القضايا المشتركة، الأمر الذي يجعل التفاؤل بمستقبل عالمي مشترك تصل لأدنى مستوياتها، في ظل هذه الضبابية المضادة للقيم الإنسانية، والتدخلات الحادة للأعمال العسكرية، وتزايد الحروب، وانتهاك القانون الدولي الذي سعت البشرية لبلورته والاحتكام إليه بعيدا عن النزعات الاستبدادية المتأصلة في النفس البشرية والكثير من الأنظمة الدولية على مستوى العالم.
هذه التحولات وبالعودة لباومان أنتجت تحولات في الهوية الفردية والمجتمعية، التي عززت اللايقين العالمي تجاه مؤسسات اجتماعية راسخة، كما هو الحال في مؤسسة الأسرة التي كانت لفترة طويلة الحاضنة الكبيرة للقيم والامتدادات الثقافية المتوارثة من جهة، وفي الدولة والحقوق التي قامت عليها من الجهة الأخرى، التي أصبحت متنكرة لها، وتنسحب منها رويدا رويدا، تاركة الفرد يواجه بوحشية غير مسبوقة تتناهشه العصبيات القديمة، والتحزبات الماضوية، وخفوت المجتمعات المدنية، وبروز ما أسماه ميشيل مافيزولي Michael Mafizoli، عصر القبائل الذي يمهد لتراجع الفرد وتقدم الحشود، وذلك عن طريق بروز ظواهر غير متجانسة، لكنها تشير لتحولات تطال الفردانية التي أنتجت الفرد المبدع، المستقل، خارج القطيع، بعيدا عن الانتماءات الموروثة، غير أن هذه الظواهر الثقافية سرعان ما أنتجت إشكاليات سياسية، اعتقد الفرد المعاصر، وبشكل خاص في الأنظمة الديمقراطية، بأنها لا تنتمي للأزمنة الحديثة، وتحديدا عودة حكم الفرد الواحد، وتلك الرغبة الهوجاء في السيطرة والسلطة وإخضاع الآخرين لسلطته، وانتزاع الحقوق والمكتسبات البشرية التي صارعت لأجلها، وسالت الدماء والأقلام في سبيل الفوز بخيراتها.
التغيرات وقتامة المشهد:
ولكن، ما العمل أمام هذا التراجع وقتامة المشهد العالمي وأزماته المتواصلة؟
ينتهي التقرير العالمي المشار إليه أعلاه، لتحديد جملة من المقترحات والحلول لمواجهة الأزمات وقتامة المشهد العالمي التي تنعكس على المزاج العام، ومن أهمها:
1) دعم المؤسسات العالمية متعددة الأطراف: من الممكن تبني هذا النهج أن يؤدي إلى الحد من المخاطر والتقليل من النزاعات المسلحة بين الدول، عن طريق دعم هذه المؤسسات التي تستوعب مختلف الأطراف.
2) توسيع دور المنظمات الإقليمية في إدارة التوترات: ويتلخص هذا الجانب في تعزيز المنظمات الإقليمية لحل النزاعات وتوسيع دورها في إدارة الأزمات من داخلها، والتوافق فيما بينها، بعيدا عن التجاذبات العالمية.
3) تنويع سلاسل التوريد: وللحد من تأثير هذه النزاعات بما تشمله من نقص في الإمدادات، وارتفاع الأسعار، وتأخر وصول السلع للأفراد، من الضروري حماية هذه السلسلة من مخاطر التقلبات السياسية المحتملة.
علي بن سليمان الرواحي باحث ومترجم في القضايا الفلسفية المعاصرة
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: تساهم فی
إقرأ أيضاً:
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10) .. إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
الزراعة أساسًا للإعمار بعد الحرب: رؤية للاستثمار الزراعي وإعادة الإعمار (9-10)
إطار الاستثمار الزراعي المتكامل لإعادة الإعمار بعد الحرب في السودان (1-2)
من الرؤية إلى التطبيق: نحو نموذج جديد للاستثمار الزراعي
“لا تُبنى الدول الخارجة من الحروب بإعادة ما كان قائمًا قبل النزاع، وإنما ببناء منظومات أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتنمية ومنع تكرار أسباب الصراع.”
اختُتم المقال السابق بسؤال جوهري: إذا كانت النماذج التقليدية للتخطيط والاستثمار الزراعي قد عجزت عن مواكبة تعقيدات ما بعد الحرب في السودان، فما البديل؟ وكيف يمكن صياغة نموذج يربط بين الاستثمار، والأسواق، وسلاسل القيمة، والتفكير النظمي، والاقتصاد السياسي، لتصبح الزراعة قاطرة حقيقية لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة؟
تأتي هذه السطور للإجابة عن هذا التساؤل عبر طرح “إطار متكامل للاستثمار الزراعي في السودان ما بعد الحرب”؛ وهو نموذج يدمج في منظومة واحدة ما دأبت السياسات والبرامج التنموية على معالجته بشكل مجزأ. فبدلاً من اختزال الاستثمار الزراعي في كونه تمويلاً لمشروعات إنتاجية، يقدم هذا الإطار رؤية استراتيجية لإعادة بناء المنظومة الزراعية برمتها، بما تشمله من مؤسسات، وأسواق، وسلاسل قيمة، وبنية تحتية، ورأس مال بشري، وآليات للحوكمة وإدارة المخاطر.
يقترح المقال الانتقال من “التخطيط القائم على المشروعات” إلى “التخطيط القائم على المنظومات”، حيث تُصمم الاستثمارات بناءً على فهم دقيق للعلاقات المتداخلة بين الفاعلين، والأسواق، والموارد، والمؤسسات، بعيداً عن التدخلات المنعزلة أو الاستجابات الآنية. ويستند هذا النهج إلى الدروس المستفادة من تجارب دول خارجة من نزاعات مشابهة، مع تطويعها لتلائم الخصوصية السودانية وتنوع أقاليمها وتفاوت احتياجاتها.
من الرؤية إلى الإطار
إن بناء رؤية استراتيجية للتعافي ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة إعادة الإعمار، فالتحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الرؤية إلى إطار عملي يوجّه القرارات الاستثمارية، ويرتب الأولويات، ويحشد الموارد، ويحقق التنسيق بين مختلف الفاعلين. فالرؤى -مهما بلغت جودتها- تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى أدوات تنفيذية واضحة، تستند إلى فهم عميق للواقع، وتحدد بدقة كيف وأين ومتى ولماذا تُوجَّه الاستثمارات.
لسنوات طويلة، انصبَّ الاهتمام في التخطيط الزراعي على إعداد الخطط القطاعية أو قوائم المشروعات، مع افتراض أن توفير التمويل كفيل بتحقيق التنمية. غير أن التجربة السودانية، وتجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات، أثبتت أن المعضلة لا تكمن في نقص المشروعات، بل في غياب إطار يربط هذه المشروعات ضمن رؤية متكاملة تضمن تناغمها مع السياسات العامة، واحتياجات الأسواق، وقدرات المؤسسات، وأولويات المجتمعات المحلية.
لقد أدى هذا النهج المجزأ إلى تنفيذ تدخلات متفرقة حققت بعض النجاحات المحدودة، لكنها عجزت عن إحداث التحول الهيكلي المطلوب في القطاع الزراعي. فمشروع لإعادة تأهيل الري، أو برنامج لتوفير المدخلات، أو مبادرة لدعم المنتجين، قد يحقق نتائج آنية في نطاقه، لكنه يظل قاصراً عن إحداث أثر مستدام إذا ظل معزولاً عن بقية عناصر المنظومة الزراعية.
وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً في مرحلة ما بعد الحرب، حيث لا تقتصر إعادة الإعمار على إصلاح ما تضرر، بل تمتد لتشمل إعادة بناء العلاقات الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية التي يقوم عليها النشاط الزراعي. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى الأرض والبذور، بل يحتاج إلى سوقٍ فعال، وتمويلٍ مناسب، وخدماتٍ إرشادية، وبنيةٍ تحتية، ومؤسسات قادرة على تنظيم العلاقات بين مختلف الأطراف. كما يحتاج المستثمر إلى بيئة مستقرة، وإطار تنظيمي شفاف، وآليات عادلة لإدارة المخاطر..
بناءً على ذلك، لا ينبغي إدارة عملية إعادة الإعمار الزراعي بمنطق المشروعات المنفصلة، بل بمنطق المنظومات المتكاملة؛ إذ يُعدُّ القطاع الزراعي شبكة مترابطة تجمع الموارد الطبيعية، والمنتجين، والأسواق، والخدمات، والمؤسسات، والسياسات، وأي خلل في أيٍّ من هذه المكونات سيؤثر بالضرورة على أداء المنظومة بأكملها.
ما هو الإطار المتكامل للاستثمار الزراعي؟
يُقصد بالإطار المتكامل للاستثمار الزراعي في مرحلة ما بعد النزاعات منهجيةً استراتيجيةً لتخطيط وتوجيه وتنفيذ الاستثمارات الزراعية؛ انطلاقاً من تحليل واقع ما بعد الحرب، وبهدف إعادة بناء المنظومة الزراعية تدريجياً وبشكل مترابط بما يضمن التعافي الاقتصادي، واستعادة سبل العيش، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
لا يمثل هذا الإطار برنامجاً تنفيذياً أو قائمة مشاريع جاهزة، بل يعد مرجعية لاتخاذ القرارات الاستثمارية، ويساعد صناع القرار في الإجابة عن تساؤلات جوهرية تسبق أي استثمار، مثل:
ما طبيعة البيئة التنفيذية؟ وما القيود الهيكلية التي تعيق نجاح الاستثمار؟ ومن هم الأطراف الفاعلون وما طبيعة مصالحهم؟ وكيف تعمل نظم الأسواق؟ وأين تكمن الاختناقات في سلاسل القيمة؟ وما التدخلات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأكبر؟ وكيف يمكن الحد من المخاطر وضمان الاستدامة؟ وبذلك، ينتقل التخطيط من السؤال التقليدي “ماذا سننفذ؟” إلى أسئلة أكثر عمقاً: “لماذا؟ وأين؟ ولمن؟ وكيف؟”، وهي التساؤلات التي تُميِّز الاستثمار الاستراتيجي عن الإنفاق المباشر.
كما يعتمد الإطار نهجاً تكاملياً يربط الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية والبيئية بوصفها مكوّنات متداخلة؛ فاستثمار البنية التحتية، على سبيل المثال، لا يُقاس بمقاييس كمية كعدد الكيلومترات المُعاد تأهيلها فحسب، بل بقدرته على تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف النقل، ورفع دخول المنتجين، وتحفيز القطاع الخاص، وتقليل الفوارق الإقليمية.
ولتبسيط هذا النهج، أقترح نموذجاً تحليلياً أطلقت عليه “شجرة الاستثمار الزراعي”، وهي أداة تُعين على فهم العلاقات بين عناصر الاستثمار، وتحديد نقاط القوة والاختناقات، وربط المدخلات بالمخرجات والنتائج والأثر.
شجرة الاستثمار: استعارة تفسر المنهج
إن اختيار “شجرة الاستثمار” ليس مجرد أسلوب تبسيطي أو تصميم بصري جذاب، بل هو تجسيد لفلسفة هذا الإطار؛ فالشجرة كائن حي قائم على ترابط الجذور بالجذع والأغصان والثمار، ولا يمكن فهم أي جزء منها بمعزل عن الآخر. وعلى المنوال نفسه، لا يحقق الاستثمار الزراعي أهدافه إذا اقتصر على تمويل الإنتاج دون ربطه بالإصلاح المؤسسي، وتحسين بيئة الأعمال، وتطوير الأسواق، وبناء القدرات، وإدارة الموارد الطبيعية.
في هذا النموذج، تُمثّل الجذور الأساس الذي يرتكز عليه الاستثمار، ويشمل ذلك تحليل السياق، والاقتصاد السياسي، والموارد الطبيعية، ورأس المال البشري، والحوكمة، وهي العوامل المحددة لقدرة البيئة المحلية على استيعاب الاستثمارات وتحويلها إلى نتائج مستدامة.
أما الجذع، فيُعبّر عن المنظومة المؤسسية التي تنقل الموارد والرؤى إلى برامج عملية، في حين تُمثّل الأغصان المحافظ الاستثمارية، وسلاسل القيمة، ومشروعات البنية التحتية، والخدمات، والأسواق. وأخيراً، تُمثّل الثمار النتائج المرجوة من هذا الإطار، وهي: زيادة الإنتاج، وتحسين الدخل، وخلق فرص العمل، وتعزيز الأمن الغذائي، وترسيخ السلام.
يُتبع في الجزء الثاني… حيث نستعرض مكونات شجرة الاستثمار بالتفصيل، ونُبيّن كيف تُؤسس هذه العناصر لقرارات استثمارية أكثر كفاءة وعدالة، مع شرح آلية الربط في “شجرة الاستثمار” بين جذور التعافي، وجذع الحوكمة، وفروع الاستثمار، وثمار التنمية والسلام.
حسن علي سنهوري
مستشار التنمية الزراعية
[email protected]