ضبط المالية العامة بين الانضباط والانكماش
تاريخ النشر: 10th, February 2026 GMT
«عمان»: يتقدم ملف ضبط المالية العامة أكثر الملفات حساسية في النقاش الاقتصادي العالمي خاصة بسبب تصاعد مستويات الدين العام وما يحمله من تبعات مباشرة على النمو والاستقرار الاجتماعي، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع عدم اليقين وتكرار الصدمات الاقتصادية والجيوسياسية، وفي المناطق التي تعاني في الأساس من ضيق الهوامش والتدابير الوقائية لم يعد السؤال مقتصرًا على كيفية خفض العجز بل على الكلفة الاقتصادية التي يفرضها هذا الخفض وعلى قدرة الاقتصادات على تحمّلها دون الدخول في مسارات تباطؤ طويلة.
لفترات طويلة، شكلت العلاقة بين ضبط المالية العامة والنمو الاقتصادي محورًا مركزيًا في دراسات الاقتصاد الكلي التطبيقي، فمن الناحية النظرية من المفترض أن يساهم خفض العجز والدين في استعادة الاستدامة المالية وتقليل علاوات المخاطر وتعزيز ثقة المستثمرين خاصة عندما تقوم إجراءات الضبط على خفض الإنفاق غير أن الأدلة التجريبية تظهر أن الآثار قصيرة الأجل لعمليات الضبط تكون في الغالب انكماشية مع تباين في حجمها وحدّتها بين البلدان وبحسب الأدوات المستخدمة والسياقات الاقتصادية التي تُنفَّذ فيها هذه السياسات.
وفي الاقتصادات المتقدمة، يتم النظر إلى عمليات الضبط القائمة على خفض الإنفاق في الأغلب على أنها أقل ضررًا من تلك القائمة على زيادة الضرائب بل وقد تكون توسعية في بعض الحالات إذا اقترنت بإصلاحات هيكلية، إلا أن الأدلة التطبيقية تشير إلى أن عمليات الضبط، في المجمل تؤدي إلى تقليص الناتج ما يثير تساؤلات حول مدى شيوع ما يعرف بـ«التقشف التوسّعي». أما في الاقتصادات الناشئة والنامية فتتفاقم هذه الآثار بفعل ضعف أدوات الاستقرار التلقائي، وضحالة الأسواق المالية، ومحدودية المصداقية؛ حيث ترتبط عمليات الضبط غالبًا بانخفاضات حادة في الاستثمار والتوظيف.
ضبطية بأثر قصير المدى
وتُعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان من أكثر مناطق العالم حساسية لسياسات ضبط المالية العامة، نظرًا لطبيعة هياكلها الاقتصادية وتعرّضها المتكرر للصدمات؛ حيث تعتمد العديد من اقتصادات المنطقة على إيرادات هيدروكربونية متقلبة أو على ضرائب تجارية وتواجه في الوقت نفسه توترات جيوسياسية مستمرة إلى جانب مستويات دين عام آخذة في الارتفاع ويجعل هذا المزيج من العوامل قرارات الضبط المالي أكثر تعقيدًا وأكثر عرضة لترك آثار ممتدة على النمو.
وهنا يطرح الباحثون من خلال الورقة سؤالًا محوريًا حول ما إذا كانت عمليات ضبط المالية العامة في اقتصادات المنطقة قادرة على تحقيق الاستقرار المالي دون تقويض مسارات النمو أم أنها تسهم في تعميق الهشاشة الدورية خاصة في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع عدم اليقين، وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في منطقة تنخفض فيها الهوامش والتدابير الوقائية وتكون فيها القدرة على امتصاص الصدمات محدودة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.
وتشير نتائج الورقة إلى أن عمليات ضبط المالية العامة في اقتصادات المنطقة تميل إلى أن تكون انكماشية في المتوسط إذ أظهرت تقديرات الآثار التراكمية السالبة على الناتج نطاقًا يتراوح بين 0.8 و1.2 نقطة مئوية، ولا يقتصر هذا الأثر على الأجل القصير بل يمتد لعدة سنوات بعد تنفيذ إجراءات الضبط مما يعني أن الكلفة الاقتصادية لا تكون عابرة بل تفرض عبئًا زمنيًا ممتدًا على مسار النمو. أما التقديرات الممتدة فأظهرت أن آثار الضبط قد تستمر حتى خمس سنوات بعد التنفيذ بل وتمتد في بعض الحالات إلى نحو سبع سنوات، وهو ما يشير إلى أن ضبط المالية العامة في المنطقة لا يترك أثرًا مؤقتًا فحسب، بل يعيد تشكيل مسار النشاط الاقتصادي على المدى المتوسط، ويعكس هذا الامتداد الزمني محدودية قدرة الاقتصادات على التعافي السريع من أثر التشديد المالي في ظل ضعف أدوات التخفيف وغياب هوامش مناورة واسعة.
وبناءً على ذلك يصبح ضبط المالية العامة في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان مسألة تتجاوز حجم الإجراءات المتخذة لتشمل توقيتها وتسلسلها والبيئة الاقتصادية التي تُنفذ فيها، فالكلفة الاقتصادية للضبط لا تتحدد فقط بما يقتطع من الإنفاق أو يضاف من الإيرادات بل بكيفية تفاعل الاقتصاد مع هذه الإجراءات ضمن سياق يتسم بارتفاع عدم اليقين وضيق الهوامش الوقائية.
لماذا تتضاعف كلفة الضبط
في فترات عدم اليقين؟
وإذا كانت النتائج العامة تشير إلى أن عمليات ضبط المالية العامة في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان تميل في المتوسط إلى الانكماش، فإن هذا الأثر لا يظهر بالحدة نفسها في جميع الأوقات بل يتغير تبعًا للبيئة الاقتصادية التي يُنفذ فيها الضبط وتحديدًا بحسب مستوى عدم اليقين السائد على الصعيدين المحلي والعالمي، وتُظهر النتائج أن فعالية السياسة المالية تعتمد بدرجة حاسمة على درجة عدم اليقين إذ تسهم فترات الاضطراب في تضخيم الكلفة الاقتصادية للضبط. ففي بيئات يسودها الغموض بشأن السياسات والتوجهات الاقتصادية تتغير سلوكيات الفاعلين الاقتصاديين بصورة مباشرة مما يجعل استجابة الاقتصاد لإجراءات التشديد المالي أكثر حدة.
وفي ظل ارتفاع عدم اليقين وبحسب النتائج يميل القطاع الخاص إلى تأجيل قرارات الاستثمار نتيجة تصاعد النفور من المخاطر وتزايد صعوبة التنبؤ بالآفاق الاقتصادية، كما ترتفع النزعة إلى الادخار الاحترازي لدى الأفراد وتزداد حساسية الشركات والأسر لإشارات السياسة المالية، وفي مثل هذه الظروف لا يستقبل تشديد السياسة المالية كإجراء تنظيمي اعتيادي بل يتم النظر له كإشارة إضافية تعمق القلق بشأن المستقبل الاقتصادي.
كيف يمكن تقليل كلفة
ضبط المالية العامة
تقودنا النتائج المتعلقة بانكماشية ضبط المالية العامة في اقتصادات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى إعادة النظر في كيفية تصميم وتنفيذ هذه السياسات فالآثار التي تُظهرها الورقة والتي تمتد لعدة سنوات بعد تنفيذ إجراءات الضبط، تشير إلى أن التعامل مع الضبط بوصفه إجراءً محاسبيًا قصير الأجل لا يعكس كلفته الاقتصادية الحقيقية ولا تبعاته الزمنية على النمو، وتُبرز النتائج أن توقيت الضبط يمثل عاملًا حاسمًا في تحديد كلفته الاقتصادية، فتنفيذ إجراءات التشديد المالي خلال فترات من الضعف الدوري أو في بيئات يسودها عدم يقين مرتفع يضاعف من خسائر الناتج ويعد عملية التعافي الاقتصادي في الأجلين القصير والمتوسط وفي المقابل يتيح تنفيذ الضبط خلال فترات من القوة الاقتصادية النسبية هامشًا أوسع لامتصاص الصدمة، ويقلل من الآثار الانكماشية التي يتحمّلها النشاط الاقتصادي.
كما تشدد الورقة على أهمية التدرج في تنفيذ عمليات الضبط بدلًا من اللجوء إلى إجراءات حادة ومكثفة في المراحل الأولى، فالنهج التدريجي يسمح للاقتصادات بالتكيف مع التغيرات في السياسة المالية ويخفف من الكلف الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة لانخفاض النمو في حين أن الضبط السريع والمفاجئ قد يؤدي إلى فترات تباطؤ أو ركود مطوّلة، خاصة في الاقتصادات التي تعاني أصلًا من هشاشة هيكلية. وتؤكد النتائج كذلك الدور المحوري لتنسيق السياسات لا سيما بين السياسة المالية والسياسة النقدية، إذ تشير أحجام المضاعفات المقدرة إلى أن تشديد السياسة المالية في غياب سياسات مكمِّلة قد يفضي إلى تراجع ملموس في النمو، وفي هذا السياق يبرز دور البنوك المركزية في الحفاظ على أوضاع نقدية داعمة خلال فترات ضبط المالية العامة، بما يسهم في تعويض جزء من الآثار الانكماشية، غير أن هذا التنسيق يظل معقدًا في اقتصادات المنطقة في ظل ضغوط التضخم والاختلالات الخارجية وأنظمة أسعار الصرف التي تحد من هامش المناورة النقدية.
وعلى المستوى الإقليمي تشير النتائج إلى أن الترابط القائم بين اقتصادات المنطقة عبر التجارة وتدفقات رؤوس الأموال والتعرض المشترك لدورات أسعار النفط والصدمات العالمية يجعل من التنسيق الإقليمي أداة مهمة لتخفيف الآثار السلبية العابرة للحدود فغياب هذا التنسيق قد يؤدي إلى انتقال آثار الضبط من اقتصاد إلى آخر، في حين يمكن للاستراتيجيات المنسّقة أن تحافظ على الطلب الإقليمي وتدعم القدرة الجماعية على الصمود.
كما تبرز النتائج دلالات مهمة لدور المؤسسات المالية الدولية في المنطقة إذ تشير إلى أن برامج الدعم المالي ينبغي أن تأخذ في الحسبان المضاعفات الانكماشية بصورة صريحة، وأن تعتمد جداول زمنية أكثر امتدادًا تقلل من مخاطر التباطؤ المطوّل وتظهر الحاجة إلى دمج إجراءات مكملة تشمل شبكات الحماية الاجتماعية والإصلاحات الهيكلية بما يساعد على امتصاص الكلف قصيرة الأجل للضبط دون تقويض الأهداف طويلة الأجل للاستدامة المالية.
وفي الاقتصادات المعتمدة على الموارد تضيف النتائج بعدًا إضافيًا لتصميم الأطر المالية يتمثل في ضرورة التمييز بين الصدمات المؤقتة والدائمة في الإيرادات، ويصبح اعتماد آليات استقرار قادرة على تنعيم مسار الإنفاق عبر الدورة الاقتصادية عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستدامة، خاصة في ظل تقلب إيرادات الهيدروكربونات وتزايد عدم اليقين العالمي.
أعدّ الورقة عبدالحميد مستبشير، وسارة لوكيلي، وهشام واكيل، وهشام الوزاني
يعمل المؤلفون في مؤسسات أكاديمية وبحثية من بينها جامعة الحسن الثاني - الدار البيضاء، وجامعة باريس دوفين (PSL)، وجامعة ابن طفيل - القنيطرة
عُرضت الورقة في المؤتمر السنوي الخامس لشبكة البحوث الإقليمية للبنوك المركزية في منطقة MENAAP، الذي استضافه البنك المركزي العُماني في مسقط خلال فبراير 2026.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: اقتصادات المنطقة الاقتصادیة التی السیاسة المالیة فی الاقتصادات إجراءات الضبط عملیات الضبط تشیر إلى أن عدم الیقین فی منطقة خاصة فی الضبط ا التی ت
إقرأ أيضاً:
وزارة المالية تدمج حلول الذكاء الاصطناعي بمركز الاتصال وتتجاوز المستهدفات خلال النصف الأول
كشفت وزارة المالية، أمس، عن نتائج أداء مركز الاتصال خلال النصف الأول من عام 2026، والتي أظهرت نجاح دمج حلول الذكاء الاصطناعي في تخطي كافة المستهدفات التشغيلية المعتمدة وتطوير كفاءة الخدمات، حيث تمثلت أبرز الإنجازات في حل 97.11% من المكالمات من المرة الأولى، واختصار سرعة الرد إلى 8 ثوان فقط مع ارتفاع سعادة المتعاملين إلى 95.43%، بفضل التوظيف الأمثل للتقنيات الذكية التي أسهمت مباشرة في تسريع الاستجابة والارتقاء بجودة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية.
وأكد سعادة يونس حاجي الخوري وكيل وزارة المالية، أن هذه النتائج المسجلة تعكس الرؤية الاستباقية للوزارة في ترسيخ ريادتها الرقمية وصياغة مستقبل مبتكر للخدمات المالية الحكومية يتواكب مع التوجهات الإستراتيجية للدولة في تبني الحلول الذكية، حيث تبرز هذه الإنجازات القيمة الحقيقية للاستثمار المدروس في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وقدرتها على إحداث تحول جذري في جودة الكفاءة التشغيلية، والارتقاء برضا المتعاملين عبر تقديم خدمات سريعة وموثوقة تفوق توقعاتهم وتختصر الجهد والوقت بشكل ملموس.
وأضاف أن الوزارة ملتزمة بمواصلة تطوير بيئتها التقنية وتحديث خدماتها باستمرار لضمان البناء على هذا التميز المؤسسي المبتكر وتوفير تجربة تفاعلية متكاملة تركز على تمكين العنصر البشري، وتزويده بأحدث الأدوات المساندة لضمان استدامة الأداء العالي، ومواكبة تطلعات المتعاملين بما يدعم تنافسية دولة الإمارات ويسهم في تعزيز مرونة وكفاءة العمل المالي الحكومي وفق أعلى المعايير العالمية المعتمدة في هذا المجال.
وأظهرت البيانات التفصيلية أداء استثنائياً في كافة المؤشرات التشغيلية، حيث حقق المركز نسبة 97.11%، في مؤشر حل المكالمات من المرة الأولى متجاوزاً المستهدف البالغ 90%.
وسجل مؤشر مستوى جودة الخدمة نسبة 92.41%، متخطياً المستهدف المحدد بـ 80 %، كما ارتفعت نسبة سعادة المتعاملين لتصل إلى 95.43%، مقارنة بمستهدف 90%، في حين بلغت نسبة المكالمات التي تم الرد عليها خلال 30 ثانية 93.40%، متفوقة على المستهدف البالغ 90%.
وترافق ذلك مع تقليص متوسط سرعة الرد على المكالمات ليكون 8 ثوان فقط وهو أداء أفضل بكثير من المستهدف البالغ 20 ثانية، كما انخفض متوسط زمن المكالمة إلى 4 دقائق و35 ثانية، وهو أقل من المستهدف البالغ 5 دقائق.
وتكللت هذه النتائج بتسجيل نسبة مكالمات مهجورة بلغت 1.88% فقط وهي أقل بكثير من المستهدف البالغ 5%.
ويرجع هذا النجاح وفق الوزارة إلى حزمة متكاملة من البرامج والتطبيقات الذكية المطبقة في المركز، وفي مقدمتها نظام تحليل المشاعر المدعوم بالذكاء الاصطناعي، الذي يرصد مشاعر المتعاملين من خلال تحليل نبرة الصوت والكلمات المستخدمة في المكالمات.
كما يعتمد النظام على تقنية تحويل الصوت إلى نص باستخدام الذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل المكالمات إلى نصوص مكتوبة وتقديم ملاحظات وتوجيهات استرشادية للموظفين، بما يسهم في تعزيز جودة الردود ودقتها، هذا إلى جانب توظيف الذكاء الاصطناعي التوليدي للرد على استفسارات المتعاملين بشكل لحظي وعلى مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.
ويتيح المركز نظام المحادثة مع الملفات، الذي يمكن المتعاملين من استخراج المعلومات والإجابات من المستندات والأدلة الإرشادية بصيغة “بي دي إف” عبر المحادثة المباشرة مع الذكاء الاصطناعي، بالتكامل مع المساعد الافتراضي لتقديم دعم مستمر وفوري للمتعاملين مع الاعتماد على شاشات العرض الذكية “تابلو” التي توفر لوحات قياس تفاعلية تتيح المتابعة اللحظية لحالة الطلبات ومراقبة الأداء واتخاذ القرارات الفورية جنباً إلى جنب مع نظام “تلبية” المخصص لاستقبال وتلبية طلبات المتعاملين بكفاءة متناهية. وام