ليس جديدا الحديث عن وجود ممر مخفي في الواجهة الشمالية للهرم الأكبر بمنطقة الجيزة الأثرية بمصر، لكن الجديد الذي قدمته دراسة نشرت مؤخرا في دورية "ساينتيفيك ريبورتس" (Scientific Reports) هو أن تقنية التصوير بالمقاومة الكهربائية التي تستخدم لأول مرة في هذا المكان، كتبت فصلا جديدا في قصة هذا الممر الذي شغل العالم منذ سنوات.

ولفهم هذه التقنية، تخيل أن لديك حجرا صلبا وفراغا مليئا بالهواء، ثم جربت تمرير تيار كهربائي، فالحجر يسمح بمرور التيار جزئيا، والهواء يكاد يمنع التيار تماما، وبالتالي، فإن الأماكن التي تقاوم الكهرباء بشدة، غالبا ما تكون فراغات أو ممرات، وهذا بالضبط ما تفعله تقنية التصوير بالمقاومة الكهربائية.

وخلال الدراسة الجديدة التي ينفذها مشروع "سكان بيراميدز" الذي يرأسه الدكتور هاني هلال، الأستاذ بكلية الهندسة جامعة القاهرة، ووزير التعليم العالي الأسبق، بمشاركة فريق بحثي دولي، وضع الباحثون أقطابا كهربائية على السطح، ثم جرى تمرير تيار ضعيف وآمن، وقيس كيف يتحرك التيار داخل الجسم، ليقوم الحاسوب بتحويل هذه القياسات إلى صورة ثلاثية الأبعاد لما بالداخل.

ونجحت التقنية في تأكيد وجود الممر المخفي المعروف باسم "ممر الوجه الشمالي" داخل الهرم الأكبر، وحددت أبعاده وامتداده بدقة ثلاثية الأبعاد، وكشفت القياسات عن فراغ داخلي يبدأ على عمق يقارب مترا واحدا من سطح الهرم، ويبلغ متوسط أبعاده نحو 2.5 متر عرضا و2.5 متر ارتفاعا، ويمتد إلى داخل جسم الهرم لمسافة لا تقل عن مترين.

كما أظهرت النتائج تباينا واضحا في الخصائص الكهربائية بين هذا الفراغ والحجر الجيري المحيط، وهو ما يؤكد أنه ممر مملوء بالهواء، وليس مجرد اختلاف في نوعية الأحجار.

تأكيد ثلاثي الأبعاد

وتكمل هذه النتائج ما توصلت إليه تقنيات أخرى، مثل "الرادار المخترق للأرض" و"التصوير بالموجات فوق الصوتية" و"التصوير الإشعاعي بالميونات"، لتوفر صورة أكثر اكتمالا عن أحد أسرار الهرم الأكبر.

إعلان

وفي دراسات سابقة، لعب "الرادار المخترق للأرض" دورا محوريا في تحديد الموقع الدقيق للممر المخفي في الوجه الشمالي للهرم الأكبر، إذ أظهرت قياسات الرادار وجود انعكاسات غير طبيعية خلف منطقة "الشيفرون" فوق المدخل الأصلي للهرم، وهي انعكاسات تتوافق مع وجود فراغ داخلي قريب من السطح.

و"الشيفرون" مصطلح معماري وهندسي يُستخدم لوصف شكل يشبه حرف (V)، والحجارة في هذه المنطقة كانت مرتبة في شكل زاويتين مائلتين تلتقيان في المنتصف وتعطي منظر سقف مثلث مقلوب، لذلك أطلق الباحثون عليها اسم منطقة الشيفرون.

وقد مكنت هذه التقنية الباحثين من تقدير العمق الأولي للممر، الذي يبدأ على مسافة تقل عن متر من الواجهة الحجرية، كما ساعدت في توجيه أعمال الفحص اللاحقة، بما في ذلك إدخال المنظار الداخلي، دون الحاجة إلى أي تدخل إنشائي أو مساس ببنية الهرم.

وبعد ذلك، جاءت تقنية "التصوير بالموجات فوق الصوتية" لتعزيز نتائج الرادار، من خلال توفير معلومات أدق عن الشكل الهندسي للممر المخفي، وتعتمد هذه التقنية على قياس سرعة انتقال الموجات الصوتية داخل الحجر، حيث تتباطأ الموجات بشكل ملحوظ عند مرورها عبر فراغات أو مناطق غير متجانسة. وقد أظهرت القياسات وجود بنية داخلية ذات سقف مرتفع نسبيا وعرض أكبر من المعتاد في ممرات الهرم، وهو ما يشير إلى أن الممر المكتشف ليس مجرد شق أو تجويف صغير، بل فراغ معماري مخطط له بعناية، الأمر الذي زاد من أهمية الاكتشاف ودفع إلى دراسته بمزيد من التفصيل.

وكان "التصوير الإشعاعي بالميونات" نقطة التحول الكبرى في كشف الفراغات داخل الهرم الأكبر، إذ تعتمد هذه التقنية على رصد جسيمات كونية طبيعية تُعرف بالميونات، تخترق الأحجار وتُمتص بدرجات متفاوتة حسب كثافة المادة، وأظهرت القياسات التي أجراها المشروع تراكما غير عادي للميونات فوق المدخل الشمالي للهرم، ما دل على وجود فراغ داخلي في تلك المنطقة.

ويقول الدكتور جمال العشيبي، وهو باحث ما بعد الدكتوراه في مجال الأركيولوجيا بجامعة إكس مارسيليا للجزيرة نت، إن "كل طريقة من هذه الطرق كشفت جانبا مختلفا من القصة، وجاءت تقنية المقاومة الكهربائية لتضيف بعدا ذا أهمية بالغة من وجهة نظري، إذ وفرت معلومات حجمية ثلاثية الأبعاد أكدت أبعاد الممر وامتداده داخل الهرم، مع إبراز تأثير الفواصل والفراغات بين الكتل الحجرية، وهي تفاصيل لم تكن واضحة بنفس الدرجة من قبل".

هذا النهج المبتكر لا يقتصر على الهرم الأكبر فقط، بل يمكن تطبيقه مستقبلاً في مواقع أثرية وحجرية أخرى حول العالم(الفرنسية)استخدام فريد من نوعه

وعن رؤيته للتحديات التي تجعل من استخدام تلك التقنية الكهربائية سابقة تحدث لأول مرة، يوضح العشيبي أنه "من المعروف أن البنية المعمارية الداخلية للهرم الأكبر معقدة للغاية، ولذلك فإن استخدام تقنية التصوير بالمقاومة الكهربائية للكشف عن الأجزاء الداخلية للهرم في هذه الدراسة هي خطوة علمية جريئة في حد ذاتها".

ويضيف أن "الشكل غير المنتظم للواجهة الشمالية، ووجود كتل حجرية ضخمة متراكبة بزوايا حادة، إضافة إلى صعوبة تثبيت الأقطاب الكهربائية على سطح حجري عمودي دون إلحاق أي ضرر بالأثر، يمثل تحديات كبيرة نجحت الدراسة في التغلب عليها".

إعلان

ويثني جمال على الطريقة التي استخدمها الباحثون لتكييف تلك الطريقة مع الأسطح الحجرية غير المستوية بالواجهة الشمالية للهرم الأكبر، وذلك باستخدام الأقطاب الكهربائية الشبكية، والتي كانت عنصرا حاسما في نجاح القياسات، لأنها خفيفة الوزن، وقابلة للتكيف مع الأسطح الحجرية غير المستوية، وتضمن تلامسا جيدا دون حفر أو تخريب".

ويقول إن "هذا النهج المبتكر لا يقتصر على الهرم الأكبر فقط، بل يمكن تطبيقه مستقبلاً في مواقع أثرية وحجرية أخرى حول العالم، مثل المعابد والمقابر الصخرية والقلاع التاريخية، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم التراث الإنساني الخفي، وحمايته، دون المساس بسلامته".

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الهرم الأکبر هذه التقنیة

إقرأ أيضاً:

"أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان

 

 

 

 

 

مسقط- الرؤية

تستحضر أمواج في كل ابتكار تقدمه شيئًا من ملامح سلطنة عُمان؛ من روحها وجوهرها، وتنوّع طبيعتها، وذاكرتها وإرثها العريق. وحتى حينما تمتد مصادر الإلهام إلى أماكن بعيدة، يبقى لعُمان حضورها البارز في لغة الدار وهويتها العطرية. ويظهر ارتباطها بموطنها جليًا في مجموعة الخلطات العطرية، حيث يستلهم كل إبداع موقعًا في عُمان، ربما لا يعرفه الكثيرون، ليكشف عن شخصيته الخاصة من خلال العطر. واليوم، ها هي الدار تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية مع "سويد عبري" و"تونكا مسفاة" كامتداد لرحلة لا تكتفي بالمكان، بل تبحث في إحساسه، وملامحه، وما يتركه في الذاكرة.

وقال رينو سالمون، المدير الإبداعي في أمواج: "لطالما ألهمني استكشاف التنوع الجغرافي في عُمان. وأجد في القيادة بين مدنها ومناطقها وتضاريسها طريقة مثالية للانغماس في هذا التنوع، حيث تتبدل الأشكال والألوان من مكان إلى آخر".

ومن هذا الشغف بالتنقل بين ملامح عُمان المختلفة، جاءت فكرة رحلة تبدأ في عبري وتنتهي في مسفاة العبريين؛ رحلة تستكشف ما يختزنه هذا التنوع من تباين وثراء. وأضاف: "جذبتني فكرة التنقل من عبري إلى مسفاة العبريين في الرحلة نفسها. كنت أعرف أن لكل منهما حضوره، فعبري تستقبل زائرها بسكينة مترسخة في التاريخ، بينما تكشف مسفاة العبريين عن وجه أكثر حيوية، وأردت أن أختبر هذا الاختلاف مباشرة، وأن أرى كيف تتضح ملامحه عند الانتقال من أحدهما إلى الآخر. ورغم أن المسافة بينهما لم تتجاوز نحو 150 كيلومترًا، فإن ما حملته الرحلة كان أوسع بكثير من الطريق نفسه".

 

 

 

سويد عبري

وعلى بُعد 250 كيلومترًا غرب العاصمة مسقط، يحتفظ الموقع الأثري في عبري بسكينة تبدو وكأنها تسري في المكان بأكمله. فعلى مدى أكثر من خمسة آلاف عام، شهدت هذه الأرض تعاقب حضارات، إذ تضم قبور خلايا النحل الأثرية المدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، والتي تُعد من أبرز الشواهد الباقية على حضارة عُمان القديمة. كما كانت عبري مركزًا للتجارة والعلم، ولا تزال قادرة على استحضار ذلك التاريخ أمام الزائر، محتفظةً بحضور يتجاوز الزمن. وقد عرفت عبري عبر تاريخها تنوعًا ثقافيًا غنيًا، اجتمعت فيه جماعات من أصول مختلفة، تقاسمت المكان وأسهمت في تشكيل ملامحه عبر الأجيال.

وللتعبير عن هذا الحضور العريق وما يميّز عبري من طابعٍ متفرّد، استعان سالمون بمبتكر العطور ثيو بيلماس، الذي اختار أن يقرأ شخصية عبري من خلال لقاءٍ بين البنفسج وجلد السويد. وقال سالمون: "يمكن للجلد أن يتخذ وجوهًا متعددة في العطر. وقد أردنا في هذه الخلطة العطرية أن نقترب من جانبه الأكثر نعومة ورهافة، لما يحمله من قدرة على التعبير عن عراقة عبري وما يميزها من انفتاح تاريخي على ثقافات مختلفة".

وفي "سويد عبري"، يجمع بيلماس بين الطابع الزهري للبنفسج ونعومة جلد السويد، ليقدم خلطة عطرية بالغة الأناقة. ومع لمسات الزعفران والعنبر، يتحقق توازن دقيق بين الدفء والعمق، في قراءة معاصرة لأحد أعرق العوالم في صناعة العطور.

 

تونكا مسفاة

وعلى سفوح جبال الحجر، شرق عبري، تبدو مسفاة العبريين من بعيد كامتداد أخضر بين الصخور، قبل أن تتكشّف للزائر قريةً معلّقة على صخر الجبل، بأزقتها المرصوفة بالحجر وأبوابها الخشبية الملوّنة. وفي قلب هذا المشهد، تجري الأفلاج التي يعود تاريخها إلى نحو ألفي عام، ولا تزال تمدّ أهل القرية بالمياه العذبة من أحد الينابيع القريبة، شاهدةً على قدرة الإنسان على العيش بتناغم مع الطبيعة.

في هذا العالم، وجد رينو سالمون ملامح خلطة عطرية تحمل دفء المكان وسخاءه، فاختار أن تتولى سوزي لو هيلي ابتكار "تونكا مسفاة". وفي حبوب التونكا، بطابعها الذهبي الخشبي وما تحمله من دفء يقترب من اللوز والفانيلا، وجدت ما يعكس الكرم الذي يميز هذا المكان. وقال سالمون: "قلّما نجد مادة عطرية تحمل هذا القدر من الألفة مثل التونكا. وقد شعرنا بأنها الأنسب للتعبير عن ذلك الدفء الذي يملأ أجواء مسفاة العبريين".

وفي "تونكا مسفاة"، تجمع سوزي لو هيلي بين حبوب التونكا والزعفران والباتشولي والفانيلا في خلطة عطرية دافئة وغامرة تستحضر المحطة الأخيرة من رحلة سالمون؛ ذكرى نابضة بالحياة من مكانٍ هادئ، يتجلى فيه انسجام الإنسان مع الطبيعة.

مقالات مشابهة

  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • المونديال الأكبر في التاريخ.. مشاركة 1248 لاعباً من 449 فريقاً
  • المركزي يطلق إصداراً جديداً من «شهادات الإيداع» للمصارف
  • أسعار ليب موتور B10 الكهربائية في السعودية
  • 15 يوما جديدا خلف القضبان.. تجديد حبس فتاة تيك توك بشرم الشيخ
  • "أمواج" تكتب فصلًا جديدًا في حكايات مجموعة خلطاتها العطرية عن عُمان
  • ممر تجاري جديد بين تركيا والخليج العربي
  • شاهد.. لكزس ES الكهربائية الجديدة
  • «أمازون» تطلق 29 قمرا صناعيا جديدا للإنترنت