لجريدة عمان:
2026-06-03@03:21:58 GMT

معبد تنوف.. مثلث الحياة

تاريخ النشر: 11th, February 2026 GMT

3 أكتوبر 2025م.. انطلقتُ والابن عبدالرحيم بعد أداء صلاة الفجر إلى مناطق الآثار التي نوثقها منذ شتاء 2019/2020م، وهو اليوم الأول لهذا الفصل، والذي مِن المؤمل أنْ يستمر حتى نهاية أبريل 2026م، مع التوقف أثناء شهر رمضان. وكانت النية مواصلة التوثيق في كدم، ولكونه أول يوم؛ ولا تزال أشعة الشمس ثقيلة على الواقف تحتها، رأيت أنْ نذهب إلى وادي تنوف، فهو فج عميق بين شواهق جبال متقاربة؛ مما يجعله محجوبًا عن أشعة الشمس حتى اقتراب استوائها في كبد السماء.

اخترقنا الوادي طولًا.. وبعد أنْ اجتزنا سد وادي تنوف بحوالي كيلومتر؛ توقفنا عند البقعة التي وقفنا عندها في شتاء 2019م، وجدنا حينئذٍ قطيع ماعز يشرب مِن أحواض أعدت لها، توقفنا لنمتع أنظارنا بالمشهد الأنيق؛ في عمق الوادي المجدب مِن الحركة إلا مِن عابر يتهادى بسيارته نزولًا وصعودًا. إنَّها لحظة تصبح فيها هذه الحيوانات اللطيفة بثغائها المتناغم مع صدى الوادي بهجة للنفس؛ لا يمكنك تفويتها.

قلت: عبدالرحيم.. هل ترى ما أرى؟ كان نظره يتجه صوب الصخور بحثًا عن رسمات، فرد: هل مِن رسمات هنا؟ أجبته: أهم مِن ذلك بكثير، وأوضح بكثير. نظر إليَّ مستغربًا. قلت: انظر أمامك، إنَّك بالوادي.. في حضرة معبد ينتظرنا منذ آلاف السنين. ذهل عبدالرحيم مِن المشهد، لم يكن استغرابي أقل منه، لقد جمعنا الفرح الذي طار بنا في سماء الاكتشاف الذي يتحقق على أيدينا أول مرة، فلم نسمع قَبْلنا أنَّ أحدًا اكتشفه أو أشار إليه.

هذه المرة.. رجعنا إلى الوادي بعد زيارات متقطعة خلال السنوات المنصرمة، فمِن طبيعة مناطق الآثار أنَّها لا تفصح عن أسرارها دفعة واحدة، وإنَّما في كل مرة تفشي سرًا، سواءً باطلاعك على مَعْلَم جديد؛ رسمٍ أو طللٍ أو موقع مختبئ وراء حجر أو شجر، أم بإعادة بناء تصورك عن الموقع، وهذا ما حدث هذه المرة أيضًا.

بعد وصولنا بقليل ونحن نتأمل الموقع؛ وصل قطيع الماعز بثغائه الموسيقي، فشرب نهمته وانصرف؛ ليحكي لنا مشهدًا مِن الجمال الأزلي الذي يتمتع به الموقع، منذ أنْ كان العماني القديم يتخذه مسكنًا، فهو في عمق الوادي؛ لا تصل إليه ضواري السباع، ولا غزوات البشر، ولا تقلبات الجو، إلا السيول، وقد رتّب أماكن سكناه وعبادته ثم زراعته؛ بحيث لا تسطو عليه، ولا على ممتلكاته اليسيرة التي لا تزيد عن حاجة تلك الأزمنة البسيطة؛ ذات الراحة النفسية. في ظلال الجبال والجمال أعدنا قراءة المشهد.

في وسط هذه المنطقة.. يواجهك حائط صخري كأنَّما جبله نُصِفَ بسكين؛ حمل الوادي نصفه وبقي الآخر، ومِن خلفه الشمس تدفع بأشعتها إلى قمم الجبال، ومِن خلفك وادي الهجري المنحدر مِن الشمال الغرب، وعلى عينك اليسرى تبصر وادي الفرع الهابط مِن الشمال الشرق، ليجتمعا عند المعبد مُشكّلَين وادي تنوف، الذي ينساب منحدرًا نحو الجنوب. بالضبط؛ عند ملتقى الواديين شيّد الأقدمون معبدهم.

اتجهنا نحو الحائط الجبلي؛ حيث ينتصب تحته النُصُب الذي اكتشفناه قبل خمس سنوات. الحائط.. كأنَّه إنسان عملاق متربع في جلسته؛ ويستوي على حِجْره النُصُب؛ الذي يتوسط مكانًا مرتفعًا؛ بُنيتْ دكته بحيث لا تصل مياه الوادي إلى سطحها، لكي يتيح للمتعبدين أداء شعائرهم دون أنْ يغرق المكان. النُصُب.. على هيئة إنسان واقف؛ يتكون مِن ست طبقات؛ بعمودين متداخلين مِن صخور كبيرة، وعلى قمتها صخرة الرأس التي تشكل الطبقة السابعة. لقد نُزعت حجارتان مِن الخصر الأيمن للنُصُب، ورغم أنَّه قد أصابه بالنقص، بيد أنَّه كشف عن الطبقة التي خلفه، فقد وجدنا «الكتابة الكويبية»، وهي مِن أقدم الكتابات؛ حيث يرجعها بعض الآثاريين إلى الألفية العاشرة قبل الميلاد، رغم أنَّنا لا نعرف حتى الآن أية حقبة تعود إليها هذه الكتابة في وادي تنوف، والتي لها شواهد أخرى فيه، وإنَّما أقدّر بأنْ النُصُب -بالمقاربة الحضارية- قد يعود إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد، أو قبلها.

النُصُب.. يمثّل مركز المعبد، والمنطقة مِن حوله متكاملة معه؛ مشكّلة بقية أماكن النُسُك فيه. فعلى يسار المقطع الجبلي الذي يقبع في منتصفه النُصُب؛ مقطع جبلي آخر؛ يساويه في الشكل والحجم تقريبًا. فإنْ كان حائط النُصُب لا توجد به إلا رسمتان تقريبًا؛ فإنَّ هذا الحائط به العديد مِن الرسمات، التي تحتاج إلى دراسة لمعرفة ما يمثله هذا الموقع في المعبد. وعلى الجانب الأيمن مِن حائط النُصُب دكة أخرى جرفتها مياه الوادي، وبقي بعض آثار البناء ملاصقًا للحائط الصخري.

هذا الموقع للمعبد -كعادة المعابد عمومًا- لم يختره المتعبدون الأوائل جزافًا، ويبدو أنَّهم اختاروه عند ملتقى مساراته الثلاثة؛ بكونه «مثلث الحياة»؛ الذي يجمع بين الماء مصدر الخصب، والشمس مصدر الدفء، والجبال للاحتماء بها مِن عوادي الأيام؛ كالرياح والسيول والسباع وهجوم البشر، ومن السهام الحارقة التي ترسلها الشمس صيفًا. وبهذه الثلاثة مجتمعة أيضًا يحصل الإنسان على غذائه بزراعة سفوح الجبال ورعي الأغنام، والتي تشهدها بعض المناطق الجبلية بعمان حتى اليوم. إنَّ هذه العناصر ضرورية لعيش الإنسان، وهي كافية لتسويغ عيشه في المنطقة، إلا أنَّها لا تكتمل إلا بتحولها إلى معتقدات دينية، فالشمس رمز «للآلهة السماوية»، والمياه رمز «لآلهة الخصب»، والجبال رمز «لآلهة القوة»، وهو ما يمكن أنْ نقرأه في بعض رسمات الحوائط الصخرية في المنطقة. والآلهة هذه.. قد لا تعني تعددها؛ بقدر أنَّها تمثّل صفات الخالق العظيم؛ إنَّه «علم كلام» ما قبل التاريخ.

أما طبيعة الدين ذاته.. فقد اقترحتها عندما وقفنا على حائط صخري؛ ونحن نخرج مِن المنطقة، وهو يقع على الضفة اليسرى مِن الوادي. لقد استكشفناه مِن قَبْل أكثر مِن مرة، فهو يحوي لوحة واسعة مِن الرسمات المتعددة الأحجام ومتنوعة الأشكال، لكن لم نستطع حينها أنْ نقرأها في سياقها للمشهد العام. وفي زيارتنا هذه.. اكتشفنا أنَّ الوادي -فيما يبدو- يشكّل وحدة متكاملة، بجباله وفجاجه وأماكن السكنى فيه. وهذه اللوحة هي أحد مشاهده.

الرسمات.. تتوزع على وجه الحائط الصخري، وبعضها رسم على سطح الصخر؛ بحيث لا يمكن رؤيتها إلا بالصعود إليه، وكان صخر الصعود مائلًا وأملس؛ فتكفل عبدالرحيم بالصعود إليه، والتقط صورًا للرسمات المستوية عليه. لقد قدّرنا المشهد المرتسم على الحائط بأنَّه يمثل جانبًا مِن طقوس التعبد؛ وأهم أمرين استطعنا أنْ نقرأهما في هذه اللوحة:

- طقوس الرقص التعبدي.. حيث يُمثّل بعض الرسمات المتعبدين وهم يرقصون، وإحدى الرسمات تصور امرأة تمسك بيدها اليمنى مزمارًا تعزف عليه، وبيدها اليسرى دفًا.

- تقدمات الأضاحي.. فهناك العديد مِن رسمات البقر؛ إحداها كبيرة رسمت بدقة جميلة، وبعضها متوسط، وآخر صغير، والجامع بينها.. أنَّ جميعها يتجه نحو نُصُب المعبد، في حين لا يلتزم به غيرها؛ فقد يتجه الجمل اتجاهًا معاكسًا.

في مقال «قربان الأضحية في معبد ني صلت»، المنشور في جريدة «عمان» بتاريخ: 27/ 6/ 2023م، تحدثت عن الدين الذي تقدم فيه أضاحي البقر، وقلت: (دين هذا القربان.. ربما كان يعتمد على التقويم القمري؛ لأنَّ تقديس الأبقار مرتبط بالقمر، وقد قسّموا الشهر إلى أربعة أسابيع، فهي سبعة أيام في أربعة أسابيع بثمانية وعشرين يومًا؛ هي منازل القمر). وكذلك هذا المعبد.. هو مِن معابد التقرب إلى الإله المرتبط بالتقويم القمري، ولكن كذلك للشمس وغيرها من الأجرام السماوية حضورًا في التعبد، وهذا هو شأن عموم التعبد القديم في المنطقة العربية، كما ورد في القرآن من محاجة النبي إبراهيم قومه، في «سورة الأنعام:75-80».

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: وادی تنوف الن ص ب

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • وادي دجلة يوجه الشكر لأحمد رمضان مدرب الكرة النسائية بعد موسم ناجح
  • بعد سنوات بين جدران الكرنك.. وفاة حارس أمن المعبد بالأقصر