شباب التلال.. مخالب الصهيونية الدينية وجيل الاستيطان الجديد
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
الثورة /
«حيثما يمر المحراث، هناك تمر حدودنا»، يمثل هذا الشعار تكثيفاً لما عليه مجموعات ما يسمى»شبيبة التلال» الاستعمارية، التي تعمل ضمن المنظومة الصهيونية المتعددة المؤسسات والتوجهات والأبعاد التكتيكية، لكن تحت هدف واحد هو إبادة الشعب الفلسطيني، أو إزاحته من أرضه، والسيطرة عليها كاملة أو أوسع مساحة ممكنة منها، في حال عدم التحقق الكامل للتهجير والإبادة.
«المحراث يرسم الحدود»
تتبنى «شبيبة التلال» أيدلوجيا تدمج ما بين «الصهيونية الدينية»، التي تستند إلى مفاهيم «توراتية»، تزعم الحق اليهودي في كامل الأرض الفلسطينية، وفكرة الطلائعية التي قامت عليها حركة الاستيطان الصهيوني، في البلاد.
ويستخدم عناصر «شبيبة التلال» مقولة منسوبة ليوسف ترومبلدور، أحد القادة الطلائعيين في الهجرة الصهيونية الثانية، إلى فلسطين، قبل النكبة، يقول فيها: «في المكان الذي يحرث فيه المحراث اليهودي التلم الأخير هناك تمر حدودنا».
وتمثل هذه المقولة توسيعاً للاستيطان الصهيوني، في فلسطين، لا يقف عند حدود واقعية، بل يحمل معه المستوطنين إلى مخيال أوسع، يرى في استباحة الأرض وأصحابها، أبعد من مجرد السرقة، بل طموحاً خلاقاً، يبقيهم على تماس معه، لتأكيد الغاية التي قدم إليها المستوطنون إلى البلاد، وهي الاستيطان وإزاحة الفلسطينيين، عن كل متر من الأرض يقدرون عليه، باستخدام العنف والقوانين ومختلف السياسات العسكرية والاجتماعية وغيرها.
ولذلك فإن ميلشيات «شبيبة التلال» الاستعمارية تؤطر ذاتها بداية، في دور «الطلائعي»، الذي يقول للمجتمع الاستعماري الذي يأتي منه، أنا أتقدمكم نحو أرض جديدة، يجب أن تحملنا أقدامنا إليها، لأن لنا «حقوقاً دينية فيها»، و»قداسة توراتية»، وعبر هذه العملية من استخدام النص الديني، في زيادة حافزية مستوطنين في جيل الشباب، يرون أن المجتمع الصهيوني توقف عن العمل لتحقيق غاية وجوده، وهي الاستيطان في أراض جديدة، وطرد أصحابها منها.
كما أن هذه المجموعات من المستوطنين التي تنتشر، في جبال وتلال الضفة الغربية المحتلة، تحمل خطاباً خاصاً لمجتمع المستوطنين المنتشرين، في فلسطين المحتلة، من زاوية «الغضب الاستعماري» الذي يأخذ وضعية تدفعهم إلى رؤية أنفسهم على أنهم الطلائع الجدد الذين سيجددون المشروع الصهيوني، بعد أن حولته النخبة العلمانية المسيطرة على دولة الاحتلال، منذ تأسيسها على أنقاض الشعب الفلسطيني، من وجهة نظرهم، إلى حالة «قبول بالواقع»، وعدم التقدم نحو الاستيطان على كامل الأرض الفلسطينية، وطرد أصحابها منها.
وهذه النبرة من الخطابية التي ترى في نفسها قدرة على «تجديد» المشروع الاستعماري، بعد أن تراجعت به النخبة القديمة – كما يقول- رغم أن الواقع يخالف هذه النظرة، إذ أن مختلف حكومات الاحتلال حافظت على مستويات من الاستيطان وسرقة الأراضي الفلسطينية، وإن كان بعضها دخل في مفاوضات وحلول سياسية، إلا أنها تحت شعار «تحقيق الأمن للمجتمع الإسرائيلي»، تمنح هذه المجموعات قدرة على الذهاب بعيداً في تأسيس بنية تحتية ووسائل متنوعة الوحشية في العدوان على الفلسطينيين، لأن الأيدلوجيا التي تجعلهم يصلون إلى قناعة «الطلائعية» والمسؤولية عن المجتمع الاستعماري كاملاً تمنحهم القدرة على ارتكاب إرهاب وحشي.
وترى هذه المجموعات الاستعمارية في نفسها تحقيقاً لمشروع سياسي مختلط بمشاريع توراتية – قومية – دينية، من بين أهدافه الرئيسية القضاء على فكرة قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م، وهو الهدف الذي يجمع عليه مختلف مكونات مجتمع المستوطنين على اختلاف الأيدلوجيات، رغم خلافهم على تفاصيل لها علاقة بالأمن والنظرة للمستقبل.
وتتخيل نفسها على أنها الصيغة «المحببة» من الصهيوني – المتدين، الذي لا يكتفي بأداء الطقوس الدينية، بل يعمل من أجل انتزاع الأرض من الفلسطينيين، وتحقيق الأفكار التوراتية، على الأرض، بالقوة والسلب والسرقة والرعي والزراعة، وهو «النموذج للصهيوني القوي» تذكيراً بالخطاب الذي كانت تبثه الحركة الصهيونية، في بداياتها، وهي تهاجم اليهود الذين بقوا في أوروبا والبلاد الأخرى، ولم يهاجروا إلى فلسطين، أو يلتزموا بمشروعهم السياسي، على أنهم يمثلون «اليهودي الضعيف»، الذي قبل بأن تحرقه النازية ولم يتحرك «للدفاع عن ذاته».
من هم «شبيبة التلال»؟
يعود باحثون بتاريخ ظهور «شبيبة التلال» إلى أواخر التسعينات، على أنها بدأت كحركة رداً من مستوطني الضفة الغربية المحتلة، على توقيع اتفاقية «واي ريفير»، عززت منها دعوة أرئيل شارون حينها لاحتلال التلال والجبال الاستراتيجية في الضفة الغربية.
غالبية أعضاء «شبيبة التلال» الذين تقدرهم أعدادهم بعض المصادر، بأنها تصل إلى 500، أعمارهم لا تتجاوز 20 عاماً، وبينهم نسبة من المستوطنين في (سن المراهقة).
تنقسم الخلفيات الاجتماعية والاستعمارية لأعضاء «شبيبة التلال»، بين المستوطنين القادمين من المستوطنات الأشد تطرفاً من ناحية أيديولوجية، الذين تلقوا تعليمهم الديني في المدارس الدينية التي يطلق عليها اسم «اليشيفاه»، التي تقدم تعليماً توراتياً يتركز على ضرورة الاستيطان في كامل فلسطين، ويشرعن الحرب على الفلسطينيين وارتكاب الجرائم بحقهم، ويمزج بين التعليم الديني – القومي الصهيوني والتدريب العسكري.
وجزء من أعضاء هذه المجموعات هم من الشباب الصهيوني المتدين، المنتمي إلى طبقات وسطى أو هامشية، ويعيش في المدن المحتلة، في الداخل المحتل عام 1948م، ويعيش مشاعر من «الغربة»، ويرى في الاستيطان والانتشار على التلال علاجاً لهذه الأزمات التي يمر بها، أي أن الاستيطان وسرقة الأرض تحول إلى علاج لمشاكل اغتراب في المجتمع الاستعماري.
وتشير دراسة إسرائيلية حول «فتيان التلال»، إلى أنها تضم مستوطنين في أعمار شابة، يعيشون وفق أوامر «دينية بدائية»، حسب وصفها، تستلهمها من مصادر مثل أسفار «يشوع»، و»القضاة»، وغيرها، وتفضل عمليات «الزراعة البدائية»، ولبس القبعات المنسوجة على الرأس، والملابس الأقرب إلى النمط العسكري الذي يساعد على التوغل في الجبال.
وتقول إن غالبية المنتسبين للمجموعة «يتسربون» من التعليم الرسمي، ويتركون عائلاتهم، في سن صغيرة، ثم يتوجهون إلى التلال للمشاركة في الاستيطان، قبل أن ينضموا إلى جيش الاحتلال.
وتكشف الدراسة التي أجرى الباحث الذي قام بها مقابلات، وجولات ميدانية، للتعرف على طبيعة المشاركين في «شبية التلال»، إلى أن غالبية العناصر يعرفون أنفسهم على أنهم أصحاب هوية «دينية – أيدلوجية»، بينما لم ينجح الصهاينة العلمانيون في البقاء فيها، وتركوها بعد فترة قصيرة، وينتمى معظمهم إلى تيارات حسيدية التي تعتبر جزءا من التكوينات الدينية داخل اليهودية، التي تدمج بين الدين والتطلع إلى الاستيطان والتطرف ضد العرب والفلسطينيين، مثل حركة «حباد»، رغم أن عائلاتهم تنتمي غالباً إلى «الصهيونية الدينية»، التي تمثلها تيارات أخرى، ويؤمن غالبية أعضاء المجموعة بأفكار «كاهانا» أحد أبرز المنظرين للعمليات الإرهابية الصهيونية ضد العرب، ويدعو إلى ارتكاب مجازر بحقهم وقتل الأطفال والنساء.
وقال أعضاء «شبيبة التلال» المشاركون في المقابلات إنهم رغم انتقاداتهم لحكومة الاحتلال، والصدام مع الجيش، إذا تعارضت أفعاله من وجهة نظرهم مع «الشريعة اليهودية»، حسب تعبيرهم، إلا أنهم يشعرون أنهم جزء من «دولة إسرائيل» ويرغبون في التجند داخل الوحدات القتالية في الجيش.
وتربط دراسات بين توسع «فتيان التلال»، ومجموعات «تدفيع الثمن» بالانسحاب من قطاع غزة ومستوطنات في شمال الضفة الغربية المحتلة، في 2005م، وهو ما جعل تيارات الصهيونية الدينية تقرر أخذ زمام المبادرة نحو تنفيذ عدة خطوات، مثل تكثيف الهجمات على الفلسطينيين، والاستيطان والسيطرة على التلال والجبال، وزيادة الانخراط في الجيش لمنعه مستقبلا من تفكيك مستوطنات، والسيطرة على أهم مفاصل الحكم في دولة الاحتلال لمواجهة التيارات الأخرى، وتحقيق مشروعها الديني – القومي بالسيطرة على كامل فلسطين في سياق أفكارها «المسيانية»، التي تتخيل تحقيق الخلاص ونزول «المخلص» الخاص بها، بالحرب المستمرة على العرب والفلسطينيين.
وتحاول دراسات إسرائيلية عن «فتيان التلال» تحميل الإقصاء من المؤسسات، والتهميش، وغيرها من الإشكاليات الاجتماعية مسؤولية العنف الذي ترتكبه هذه الجماعات، إلا أن الواقع يقول إن الأيدلوجيا الاستيطانية – الصهيونية المعززة بالتعليم الديني في المدارس التوراتية، داخل المستوطنات، هي من خلق هذا التيار ومنحه قدرة الاستمرارية على العدوان وسرقة مزيد من أراضي الفلسطينيين.
ورغم العدد القليل لأعضاء هذه المجموعات، إلا أن دورها ليس هامشياً في المجتمع الاستعماري، بالنظر إلى ارتباطها بالأيدلوجيا الصهيونية – الدينية التي حققت تقدماً في السيطرة على مفاصل هامة في دولة الاحتلال، ولها نشاط واسع في قضايا الاستيطان، واقتحام المسجد الأقصى، ولها حضور متزايد في جيش الاحتلال، خاصة الوحدات القتالية، وهو ما ينعكس على التنسيق في العدوان على الفلسطينيين بين الجنود والضباط المحسوبين على هذا التيار وجماعات «شبيبة التلال» و»تدفيع الثمن» وغيرها من الجماعات الاستيطانية الإرهابية، وهي ظاهرة اعترف بها عدد من قادة الاحتلال أنفسهم، بينهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت، ووزير الجيش السابق، موشيه يعالون.
واستفادت «شبيبة التلال» وغيرها من مجموعات المستوطنين، من صعود «الصهيونية الدينية»، إلى مواقع مهمة في حكومة الاحتلال، مثل وزارة الأمن القومي التي يقودها بن غفير، ووزارة المالية والجيش مع بتسلئيل سموتريتش الذي كان في شبابه يشارك في النشاطات الإرهابية، في الأراضي المحتلة، وتعززت شراستها وعدوانيتها والمساحة التي توسع إليها هجماتها مع حرب الإبادة الجماعية، منذ أكتوبر 2023م.
وفي الواقع فإن هذه الجماعات استفادت من البناء الاستيطاني، في الأراضي المحتلة 1967م، الذي بدأته حكومات حزب العمل، وأكمله «الليكود»، ومختلف التيارات السياسية الصهيونية، لذلك فإن حركتها هي تشبه الانطلاق من المستوطنة الكبرى نحو تخوم الانتشار الفلسطيني وشن عدوان عليها لحصاره ومنعه من الاستمرار في الحياة، ثم إقامة بؤر جديدة على التلال، والعمل على مد مساحة سيطرتها في الفضاء المحيط، وطرد الفلسطينيين من مجالهم الحيوي.
الرعي.. الزراعة.. الإرهاب
تستخدم مجموعات «فتيان التلال» الزراعة، والرعي، في عمليات الهجوم على الأراضي الفلسطينية من أجل سرقتها، في إطار فلسفتها التي تقوم على أن الأرض التي تصل لها أقدام المستوطنين تصبح ملكاً لهم.
ولذلك تنتشر مجموعاتها على شكل أفراد معهم أغنام، وأبقار، في تلال وأراضي تكون قد توسعت إليها، عبر عمليات العدوان المستمر على الفلسطينيين، بحماية من جيش الاحتلال، وتصبح مع الوقت هذه المناطق خاضعة لسيطرتهم وتتوسع بذلك البؤرة الاستيطانية التي تصبح بعد فترة تحظى برعاية حكومة الاحتلال، التي تقدم لها الخدمات المختلفة.
وعبر الهجمات المنظمة على الانتشار الفلسطيني تحقق هذه المجموعات فتحاً للطريق، نحو مزيد من سرقة الأراضي، ثم تنتقل إلى مناطق أكثر، هكذا في مخيالها حتى تحقق السيطرة التامة على الأرض الفلسطينية.
شبكة قدس الاخبارية
المصدر
المصدر: الثورة نت
كلمات دلالية: الصهیونیة الدینیة على الفلسطینیین هذه المجموعات الضفة الغربیة شبیبة التلال على أن إلا أن
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .