احتفل الإيرانيون يوم أمس الأربعاء بمرور سبعة وأربعين عاماً على الثورة الإسلامية، التي أطاحت بحكم الشاه، ورفعت شعار «الموت لأمريكا ولإسرائيل»، وتخلل الاحتفال عرض لصاروخ باليستي إيراني، في المقابل أعلنت وزارة الحرب الإسرائيلية عن نجاح تجارب جديدة على صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية. جرت احتفالات طهران في ظل مفاوضات قاسية مع واشنطن، حول برامج التسلّح الإيرانية، التي باتت مواجهة بين إرادات، تُدار تحت ضغط الصورة والهيبة، بقدر ما تُدار بحسابات الأمن القومي.
دونالد ترامب يريد صفقة يُسوّقها كإنجاز تاريخي يتجاوز اتفاق 2015، الذي انسحب منه عام 2018 بحجة أنه ضعيف وغير رادع لإيران، ومنحها تحرير أموال ضخمة، بينما آية الله علي خامنئي والقيادة الإيرانية تريد اتفاقاً لا يُظهر إيران منحنية تحت التهديد. ترامب يريد تجنّب حرب تستنزف الاقتصاد، وترفع أسعار الطاقة وتربك مشهده الانتخابي وإنجازاته التي يتباهى بها من خلال الصفقات – من غير حرب فعلية – إضافة إلى ضغط حلفاء أمريكا في المنطقة، الذين يخشون أن تدفع بلدانهم ثمن هذه الحرب، سواء بقصف إيران لقواعد أمريكية فيها، أو مطالبة ترامب للحلفاء العرب بدفع تكاليف الحرب.
ترامب يريد صفقة تنهي مشروع إيران النووي في الحاضر وفي المستقبل، كي يبدو بطلاً حقق ما لم يستطع من سبقوه فِعله. إسرائيل لا تكتفي وتضغط لإدخال ملف الصواريخ الباليستية في إطار التقييد، أو على الأقل تثبيت تعهدات تمنع تطوير مداها وقدراتها على نحو يبدّل ميزان الردع. هذا يذكّر بتفكيك صواريخ العراق الباليستية في تسعينيات القرن الماضي.
آية الله علي خامنئي يتفاوض على حق إيران في امتلاك قدرات نووية «سلمية»، والتمسّك بالقدرات الصاروخية التقليدية، ويحاول تجنّب الضربة العسكرية، ولا يريد ترك مبرر لترامب لاستخدام ما يملكه من قوة تدميرية هائلة، ما زالت آثارها ماثلة منذ الهجمات الأمريكية في العام الماضي على المنشآت النووية. السلطة في إيران تعرض خفض نسبة التخصيب وتقليص المخزون إلى أدنى ما يمكن، وتوسيع التعاون مع الوكالة الدولية ضمن شروط تحفظ السيادة. تتعرض إيران لضغط اقتصادي هائل نتيجة العقوبات الطويلة التي انعكست على مزاج الشارع، ومنحت المعارضين الكثيرين قوة دفع وحججاً على النظام، الذي يسعى لإظهار أي اتفاق على أنه ثمرة من ثمار الصبر الاستراتيجي، وليس نتيجة رضوخ للتهديدات باستعمال القوة.
مبالغة ترامب في الاستجابة لضغوط نتنياهو، قد تدفع طهران للتصلب والانسحاب، وإذا بالغت إيران في رفع سقفها، قد تدفع أمريكا إلى خيارات عسكرية
في إسرائيل يرون أن الملف النووي من دون الصواريخ الباليستية هو نصف الحل! فما قيمة تقييد اليورانيوم إذا بقيت منظومة الصواريخ في تزايد وتطور؟ ويُنظر إلى الترسانة الصاروخية الإيرانية كتهديد مباشر لا يقل خطورة عن النووي. الصواريخ التي استعملت في المواجهة الأخيرة عام 2025 تضع العمق الإسرائيلي في مرمى قدرة متنامية، من حيث الدقة والمدى والفعالية، لذلك يرتفع ضغط نتنياهو على ترامب لإدخال الصواريخ في صلب أي اتفاق كبند أساسي. من هنا تنطلق المزايدات في الداخل الإسرائيلي، من قبل المعارضة وليس فقط الائتلاف الحكومي.
أفيغدور ليبرمان وزير الحرب الأسبق قال، إن الحقيقة لم تُكشف كاملة عن الأضرار التي سببتها الصواريخ الإيرانية خلال مواجهة الأيام الاثني عشر العام الماضي. ملمّحا إلى أضرار كبيرة في مواقع لم يُعلن عنها، ومحرّضا على ضربة استباقية، إذا لزم الأمر، ويعتبر أن أي اتفاق لا يشمل الصواريخ فهو فشل كبير وخطر. في هذا السياق تأتي زيارة بنيامين نتنياهو المتوقعة إلى واشنطن اليوم الخميس، كما أُعلن عنها، وسيكون هذا لقاءه السابع مع ترامب منذ كانون الثاني/ يناير 2025. نتنياهو سيحاول إقناع ترامب بأن أي صفقة تقتصر على التخصيب ستكون إعادة إنتاج لـ»خطأ» 2015، وأن إدخال الصواريخ هو ضرورة أمنية وجودية لإسرائيل. سيضغط لتشديد آليات التفتيش، وتمديد القيود الزمنية، وربط أي تخفيف للعقوبات بتغيير ملموس في السلوك الإيراني في التّسلح، الذي يشمل الصواريخ وفي العلاقة مع ما يسميها أذرع إيران في المنطقة. ترامب سيوازن بين رغبته في «صفقة كبرى»، يمكن تسويقها، وتجنب الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
غير أن إدخال الصواريخ إلى طاولة التفاوض يضرب صميم العقيدة الإيرانية، فالصواريخ الباليستية ليست هامشا يمكن التفاوض عليه، بل عمود الردع الأساسي. التنازل فيها يُقرأ داخليا كرضوخ وتفريط بدرع أمان بنته إيران على مدار عقود ومنحها هيبة إقليمية.
ترامب يريد صفقة ويحبذها من غير استخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يريد أن يقتصرها كوسيلة ضغط، أي «افعل كذا وإلا سأضربك»، وخامنئي يريد صفقة تحفظ ماء الوجه، وكلما ارتفع سقف الشروط، ارتفع خطر تعثر التفاوض. العقوبات طويلة الأمد أنهكت الاقتصاد الإيراني، والاحتجاجات والصدامات بين المحتجين وقوى الأمن لم تجف آثارها بعد. النظام بحاجة إلى متنفّس اقتصادي يخفّف الاحتقان، لكنه لا يستطيع شراء هذا المتنفس بثمن يُفهم أنه رضوخ للتهديدات.
نتنياهو يحاول دفع ترامب إلى مواجهة عسكرية مع إيران من خلال وضع شروط تعجيزية، وذلك لقناعته بأن إيران لن تتنازل عن قدراتها الصاروخية بالتفاوض، ولكنه لا يريد أن يظهر كمسبب لهذه الحرب التي سيكون لها تداعيتها في حال نشوبها على المنطقة وعلى إسرائيل كذلك، يريد حربا تكون فيها إسرائيل متفرجاً فقط، وأن تدفع دول المنطقة الثمن.
قد يلتقي الطرفان في صيغة وسط تقوم على خفض مستويات التخصيب الأعلى، وعودة رقابة مشددة، مقابل رفع تدريجي ومدروس للعقوبات المالية والنفطية، وربما تفاهمات غير معلنة حول خفض الاحتكاك الإقليمي، لكن الصواريخ ستظل عقدة مؤجلة، أو مادة تجاذب على مراحل، لأن إدخالها دفعة واحدة قد يفجّر المسار برمته. الخطر في أن اختبار الإرادات قد يدفع كل طرف إلى المبالغة في الضغط والتشدد، مثل توجّه سفن حربية أمريكية إلى المنطقة، يقابله تهديد إيراني بضرب القواعد الأمريكية في المنطقة، واعتبار إسرائيل شريكة في أي هجوم يقع عليها.
مبالغة ترامب في الاستجابة لضغوط نتنياهو، قد تدفع طهران إلى التصلب والانسحاب، وإذا بالغت إيران في رفع سقفها، قد تدفع أمريكا إلى خيارات عسكرية لفرض وقائع جديدة قبل أن تتراكم قدرات يصعب احتواؤها. النظام الإيراني يرفض أن يبدو مهزوما، لأن رضوخه سيكون إشارة إلى ضعفه، ووقودا جديدا للاحتجاجات والتمرّد عليه، وقد تعني نهايته، والشعب الذي تحمل الكثير بذريعة تطوير القدرات العسكرية، ومناطق النفوذ سوف يتساءل، ما الذي جنيتموه من سياستكم؟ إنها معركة صورة وإرادات بقدر ما هي معركة على الأمن. الصفقة ممكنة، لكن ثمنها هو التوازن الدقيق بين كرامة وصورة النظام من جهة، ومنطق القوة والتهديد الذي يتقنه ترامب من جهة، والذي بدوره يحاول أن يبدو أمام حلفائه والعالم مستقلاً برأيه عن ضغوط نتنياهو.
القدس العربي
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه الإيرانيون ترامب الصواريخ إيران الاحتلال الصواريخ ترامب مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ترامب یرید یرید صفقة إیران فی قد تدفع
إقرأ أيضاً:
من بيروت إلى باب المندب…إيران تهدد بفتح جبهة في المياه الإقليمية اليمنية رداً على التصعيد الإسرائيلي
هددت إيران بتفعيل جبهات إقليمية جديدة، من بينها مضيق باب المندب، رداً على التصعيد الإسرائيلي المتواصل في لبنان.
ونقلت وكالة "تسنيم" الإيرانية، الاثنين، عن مصادر مطلعة أن إيران ومحور المقاومة وضعا على جدول أعمالهما خيارات تصعيدية متعددة تشمل تفعيل جبهة باب المندب، بالتزامن مع قرار طهران تعليق تبادل الرسائل غير المباشرة مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء.
وقالت المصادر إن المفاوضين الإيرانيين أبلغوا الوسطاء أن استئناف الاتصالات مع واشنطن مرهون بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان وغزة، مؤكدة أن المحادثات لن تُستأنف قبل تلبية هذه المطالب.
وفي تصعيد إضافي، وجّه قائد مقر خاتم الأنبياء الإيراني تحذيراً لسكان شمال إسرائيل، داعياً إلى إخلاء المناطق الحدودية في حال تعرضت الضاحية الجنوبية لبيروت لهجوم جديد.
من جانبه، علّق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على قرار طهران تعليق تبادل الرسائل، قائلاً إن واشنطن لم تتلقَّ أي إخطار رسمي بالخطوة الإيرانية، مؤكداً أن ذلك لا يعني العودة إلى المواجهة العسكرية، مع استمرار الضغوط والعقوبات المفروضة على إيران.
وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن أي وقف لإطلاق النار يجب أن يشمل جميع جبهات الصراع في المنطقة، بما فيها لبنان، محملاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية تداعيات أي خرق للتفاهمات القائمة.
بدوره، اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي واشنطن وتل أبيب بإفشال الجهود الدبلوماسية، مؤكداً أن مؤسسات صنع القرار في إيران تدرس خيارات الرد على التصعيد الإسرائيلي في لبنان، وأن طهران ستتخذ ما تراه مناسباً للدفاع عن مصالحها وحلفائها في المنطقة.
وتأتي هذه التهديدات في وقت يتصاعد فيه التوتر الإقليمي، عقب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إصدار أوامر باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، وسط تعثر المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن واستمرار الخلافات بشأن الملفات الأمنية والنووية العالقة.