طرق الموت.. عندما يصبح المجاز حقيقة في السودان
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
لم تعد "طرق الموت" مجرد تعبير مجازي في الحالة السودانية بل أصبحت واقعا ومسارات يسلكها الفارون من أهوال القتال إلى مصائر لا يعرفونها.
ووفق تقرير أعدته سلام خضر للجزيرة، فقد شهد السودان موجات نزوح هائلة منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع قبل 3 سنوات، لكن الطرق التي يسلكها النازحون باتت أكثر خطرا حتى إن كانت بعيدة عن مناطق الاشتباكات.
ومع اشتداد الحرب، تحولت الطرق إلى كمائن إعدام يسلكها الفارون أملا في النجاة ولا يجدون إلا مزيدا من اليأس، كما تقول منظمة "أطباء بلا حدود".
وهكذا، تحركت كتل بشرية منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، هربا من القتال، ففر الملايين من العاصمة الخرطوم ومحيطها قسرا إلى الشمال والشمال الشرقي، وأحيانا إلى الوسط.
لكن الفرار لم يضمن النجاة لمن اختاروه، حيث لاحقت صنوف القتل الباحثين عن النجاة، وتبدى الرعب والانتهاكات المروعة التي فتكت بالناس في الجنينة بين أبريل/نيسان ويونيو/حزيران 2023.
آنذاك، لجأ الناجون من هجوم الدعم السريع للفرار إلى مدن مجاورة أخرى أو إلى تشاد حاملين ما عايشوه من جرائم في ذاكرتهم، وكشفت الشهور التالية أن السيناريو نفسه سيتكرر في الفاشر والمخيمات المحيطة بها.
وبالفعل، جاء الدور على مخيمات النزوح حول نيالا والفاشر، عاصمة إقليم دارفور، والتي كانت ملاذا للنازحين من حرب 2003، الذين بقوا أحياء ليشهدوا فصلا جديدا من المأساة، فقد حاصرتهم قوات الدعم السريع وبدأت استهداف كل من يفكر في الخروج بحثا عن طعام.
ووصف أحد النازحين الذين يعيشون بالمخيم محاولة تهريب السلع الغذائية بالمخاطرة، قائلا إنه يعرف 10 شبان على الأقل حاولوا القيام بهذا الأمر لكنهم اعتقلوا وقتلوا في حوادث مختلفة.
وكان مخيم زمزم أحد هذه المخيمات التي استهدفتها الدعم السريع في أبريل/نيسان الماضي لتعيد موجهة نزوح جماعي باتجاه طويلة والفاشر، التي وصلها الموت سريعا.
إعلان موت من كل مكانفبعد حصار دام أكثر من 500 يوم، شن الدعم السريع هجوما واسعا من عدة محاور فغرقت المدينة في القتل الجماعي والتنكيل بالسكان الذين لم يكن أمامهم سوى الفرار نحو مدينة طويلة التي تبعد نحو 70 كيلومترا غربا.
وقالت واحدة من الهاربات إن زوجها قتل خلال محاولة الخروج من الفاشر، وإن جثته بقيت في الطريق، بينما واصلت ومن معها السير لـ3 أيام بعدما سرق الدعم السريع منهم كل شيء.
ووثقت الأمم المتحدة شهادات نازحين قطعوا المسافة سيرا على الأقدام في رحلة تستغرق بين 3 و4 أيام، ونقلت منظمات أممية شهادات صادمة لناجين تعرضوا خلال فرارهم للملاحقة والاعتداء والسرقة.
وفي كل مسارات النزوح، كان العنف المروع يلاحقهم أينما ذهبوا حيث اختطف الدعم السريع مئات منهم وطلب فدية لإطلاق سراحهم، وتشتت شمل عائلات أخرى وتاه أطفال عن ذويهم، حسب ما أكده المجلس النرويجي للاجئين.
ولم يكن الموت والخطف وحدهما يلاحقان النازحين، فقد حاصرهم الحرّ أيضا من كل مكان بعدما وصلت درجات الحرارة خلال هجوم الدعم السريع على الفاشر إلى 39 و42 درجة مئوية.
وقالت الأمم المتحدة إن أكثر من 70 ألفا فروا من المدينة بعد سيطرة الدعم السريع عليها لكن بعضهم قضى عطشا أو جوعا ومنهم من بقي مصيره مجهولا.
وتكتفي الأمم المتحدة بوصف ما يجري في السودان بأسوأ كارثة إنسانية في التاريخ الحديث وهي كلمات تعني مجرد حبر على ورق بالنسبة للسودانيين لأنها لا توقف الموت الذي يلاحقهم منذ عقود.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات التقارير الإخبارية الدعم السریع
إقرأ أيضاً:
أميمة بنت علي الراشدية
كنت سأبدأ المقال بطرح الأسئلة، ولكن تراجعت في اللحظة الأخيرة، وآثرت أن أدخل مباشرة نحو الحديث عن قيمة الصحة التي لا يدرك قيمتها إلا المرضى، وتذكرت حديثًا طويلًا قيل لي عن الثمن الباهظ الذي ندفعه عندما نهمل صحتنا، ونعتقد بأننا بخير في كل الأحوال.
ثم سمعت من أقرب الناس عن قصص الحياة والموت والأنين والوجع الذي لا يحتمل بحكم عمله بين أقسام المستشفى، قال لي: إذا أردتِ أن تعرفي قيمة الصحة، فعليكِ بزيارة أقسام التنويم، ستعلمين كيف يعيش المرضى ساعات يومهم في انتظار الفرج والخروج من الغرف الباردة!
قال بأن الحياة حجمها يصغر كثيرًا عند نوبات الألم القصوى، فلا الترياق، في بعض الحالات، يكتم الألم، ولا الأنين يسمعه من بالخارج، قصص ومشاهد لا يعرفها الكثير من الناس؛ لأنهم لم يدخلوا في هذه الدوامة من الصبر وتحمل أقسى الظروف.
لم أُصب بالصدمة، لكن زادت مخاوفي من المرض وفقدان الصحة، منذ فترة لم أكن منتظمة على أخذ أدوية السكر في الوقت المحدد، أحيانًا أنسى وسط زحمة العمل اليومي، ومسؤوليات الأسرة، ومتطلبات العمل الإداري.
لكن ما إن اتضحت أمامي الصورة، عاهدت نفسي على الانتظام والانضباط على أخذ العلاج بكل ترحاب، بيني وبين نفسي صراع نفسي وخوف من المجهول، قد يكون طبيعيًا، فما نراه من فقد يجعلنا نطرق أبواب النقاش لنؤكد بأن الصحة، كما قيل منذ زمن: "تاج على رؤوس الأصحاء"، لا يشعر بقيمتها الحقيقية إلا من ابتلي بالمرض.
في الإذاعة المدرسية قدمت حكمة الصباح، لم أكن أعرف مغزاها الحقيقي إلا عندما كبرت وتعلمت، فالحكمة تقول: "إذا فقدت المال لم تفقد شيئًا، وإذا فقدت الصحة فقدت بعض الشيء، وإذا فقدت الأخلاق فقدت كل شيء".
غياب الصحة ليس من السهولة استرجاعها، وإن رجعت فأحيانًا لا تعود إلى أصلها الماضي، ضياع الصحة ثمنه باهظ، فكم من مريض أعياه المرض، فعندما تحيط بك العاهات لن تلتفت إلى ما جمعته من مال بقدر ما تتمنى أن يخلصك الله من شكواك.
المرض هو الزائر الذي لا يطرق أبواب الجسد، لكنه يتغلغل بين ثناياه، فيحول الوقت إلى عالم لا محدود من الدقائق والثواني والأيام، المرض مخيف بدرجة لا يمكن الوثوق في موعد خروجه، بعض الأمراض تعيش في أجساد الناس منذ الإصابة وحتى الموت، يُدفن الإنسان في قبره والمرض هو الرفيق الذي لازمه، رحلة طويلة وصراع من أجل البقاء بخير.
لماذا يخاف الإنسان من الإصابة بالمرض؟ من الواقع نستشف كيف يصنع رهاب المرض بالإنسان، خاصة عندما تكون الإصابة قاتلة، ففي أيام "كوفيد-19"، وفي ذروة نشاط الفيروس وسرعة انتشاره، وسقوط المصابين بالداء في الشوارع والممرات وفي كل مكان، كان الخوف يتوحش أكثر، ليس لأنه مجرد حالة عارضة سرعان ما تنتهي، لكنه الفناء الذي من أجله تُحبس الأنفاس، لهذا كان الخوف ليس مجرد فطرة غرائزية عند البشر، ولكن حالة طبيعية من أجل البقاء، فالإصابة قد تكون عنوانًا لبداية الموت!
كل الذين خرجوا من أزمتهم الصحية في زمن كورونا يدركون معنى الصحة، يعرفون معنى أنك معافى من المرض، سبروا خفايا الإحساس بالخوف عن قرب، لذا عليك أن تصغي لما سيقولونه عن المرض، وكيف وجدوا الحياة أثناء الإصابة، والخروج من عنق الزجاجة.
لذا نقول: "اهتموا بصحتكم، وحافظوا على قواكم، ولا تحملوا أنفسكم طاقة لا تحتمل، فالحياة قبل المرض شيء، وأثناء المرض شيء آخر، والمرض يعد أكبر الأزمات التي يمر بها الإنسان في حياته، لذا ضعوا: "الوقاية خير من العلاج" نصب أعينكم.