التحرّش ليس فقرا ً ؛؛؛ بل فقر إنساني تربوي
تاريخ النشر: 12th, February 2026 GMT
لو كان التحرّش سببه الفقر؛ فلماذا يتحرّش صاحب الشركة؟
ولو كان سببه تأخر سن الزواج؛ فلماذا يتحرّش أبو العيال؟
ولو كان سببه ملابس المرأة) فلماذا يتحرّشون بالمنقّبة؟
ولو كان سببه شكل الجسد؛ فلماذا تمتد الأيدي إلى الأطفال؟
ولو كان سببه الجهل؛
فلماذا يسقط فيه أستاذ جامعي؟
الحقيقة التي نحاول الهروب منها دائما ً أن كل هذه ليست أسبابا ؛ ً بل تبريرات للتحرّش ، ليس أزمة اقتصاد، ولا أزمة زواج، ولا أزمة ملابس.
التحرّش فقر إنساني تربوي.
هو خلل يبدأ من البيت قبل أن يظهر في الشارع، حين لا يتعلم الطفل معنى الحدود، ولا معنى احترام الجسد، ولا معنى أن الآخر إنسان كامل الكرامة لا مجال لامتهانه.
يبدأ حين تُختزل الرجولة في السيطرة، لا في الحماية.
وفي الاستعراض، لا في المسؤولية.
الدين – كما نردّد – ليس سبحة في اليد، ولا صورة اجتماعية، ولا طقساً موسميا ً، فالدين أخلاق في السلوك، وضبط في الغريزة، ورحمة في التعامل، وسُترة للآخر لا كشفا ً له، ومن ظن أن التدين مظهر بلا جوهر، يسقط سريعا ً في ازدواجية خطيرة؛ قد يؤدي شخصا ً الشعائر، لكنه في سلوكه يزرع الخوف بدل الطمأنينة.
الأسرة هي خط الدفاع الأول،
فالأب الذي يستهين بكرامة المرأة في تعليق عابر، أو يضحك على “مزحة” جارحة، يزرع بذرة خطيرة في عقل ابنه، والأم التي لا تزرع في ابنها معنى الاحترام الحقيقي، تترك فراغا ً قد تملؤه ثقافة الشارع أو مواقع التواصل.
ثم تأتي المدرسة، التي لا يجب مجرد مكان لتلقين العلوم، بل مؤسسة لغرس القيم.
نحتاج إلى مناهج واضحة تتحدث بصراحة عن مفهوم الحدود الشخصية، وعن السلوكيات المقبولة والمرفوضة، وعن خطورة التحرّش ليس فقط كجريمة قانونية، بل كاعتداء على إنسانية المجتمع.
والجامعة مطالبة بميثاق سلوك صارم، وآليات شكوى فعّالة، وحملات توعية مستمرة.
لا يجوز أن تكون مؤسساتنا التعليمية ساحات صمت أو تواطؤ.
أما الإعلام ؛ فإما أن يكون جزءا ً من الحل، أو جزءا ً من المشكلة.
إما أن يعيد ترسيخ صورة المرأة كإنسان كامل الاحترام، أو يساهم – بقصد أو بغير قصد – في إختزالها وتبسيطها أو تبرير الاعتداء عليها.
ويبقى السؤال القانوني:
هل نحتاج إلى تشريعات جديدة؟
القانون يُجرِّم التحرُّش بالفعل، لكن التطبيق الحاسم، وسرعة الإجراءات، ووضوح تعريف الحالات، وكلها عوامل تصنع الفارق بين نص جامد وردع حقيقي.
ربما نحتاج إلى مراجعة تُشدّد العقوبة في الحالات الجسيمة،
وتُوضّح نطاق التطبيق بدقة،
وتضمن حماية الضحية من التعقيد أو الوصم.
فالقانون يعاقب بعد وقوع الجريمة، أما التربية فتمتلك القدرة على منعها قبل أن تحدث.
الأخطر من المتحرّش ؛ هو من يبرّره، لأن التبرير يُطبِّع الجريمة ويحوّلها من سلوك مُدان إلى أمر قابل للنقاش أو التفهّم.
وحين يصبح العذر حاضرا ً دائما ً، يُغِّيب الضمير تدريجيا ً.
إن التحرّش ليس قضية عابرة على مواقع التواصل، بل اختبار حقيقي لإنسانيتنا.
إما أن نواجه جذوره بشجاعة:
في البيت، في المدرسة، في الجامعة، في الإعلام، وفي القانون، أو نظل نبحث عن أعذار، بينما المشكلة الحقيقية واضحة أمامنا:
"فقر إنساني تربوي"
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التحر ش
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.