تتواصل استعدادات محافظة مسندم ممثلة بمكتب المحافظ وبلدية مسندم، وبالتعاون مع المديرية العامة للتعليم بمحافظة مسندم وإدارة الثقافة والرياضة والشباب؛ لتشغيل مركز مسندم للثقافة والابتكار، وذلك في إطار الجهود الوطنية الرامية إلى ترسيخ ثقافة الابتكار وتعزيز الاقتصاد المعرفي، باعتباره أحد المشاريع الاستراتيجية التي ستشكل رافدًا علميًّا وتقنيًّا ومعرفيًّا مهمًّا للمحافظة.

ويعكس إشراف مكتب محافظ مسندم على المركز البعد التنموي الشامل للمشروع، فيما تتولى تعليمية مسندم تشغيل وإدارة محور الابتكار استنادًا إلى خبرتها التربوية والتقنية المتراكمة في تنفيذ برامج الابتكار والأولمبياد العلمي، وما حققته من مؤشرات إيجابية خلال الأعوام الماضية، بينما تتولى إدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة مسندم محاور تعزيز الهوية الثقافية والوطنية وإبراز الموروث الثقافي العُماني وتنمية المواهب الأدبية والفنية لدى مختلف فئات المجتمع.

كما يحتضن المركز موقعًا مخصصًا لبرنامج عُمان للإبحار، الذي سيقدم باقة من البرامج والأنشطة الشبابية المرتبطة بالقوارب الشراعية والرياضات البحرية، إلى جانب فعاليات تدريبية وتوعوية تسهم في صقل مهارات الشباب واستثمار المقومات البحرية التي تزخر بها محافظة مسندم، بما يعزز التكامل بين الثقافة والرياضة والشباب، ويرسّخ حضور المركز بوصفه وجهة ثقافية وتنموية متكاملة.

"عمان" التقت عددًا من أصحاب العلاقة في تشغيل المركز، حيث قال المهندس ناصر بن حميد بن سالم الحوسني، مدير بلدية مسندم: إن مشروع الثقافة والابتكار بولاية خصب يُعد من المشاريع النوعية التي تعنى بالثقافة والتعليم والابتكار، وقد جرى تنفيذه بإشراف مكتب محافظ مسندم وبالتعاون مع شركة أوكيو، في إطار شراكة تهدف إلى دعم التنمية المستدامة وإيجاد بيئة حاضنة للمعرفة والإبداع والابتكار.

تطوير المحافظة

وأضاف: هذا المشروع من المشاريع الثقافية والسياحية البارزة التي تشهدها محافظة مسندم، حيث بلغت تكلفته (2,415,416) ريالًا عُمانيًّا، فيما وصلت نسبة الإنجاز إلى 98 بالمائة، ويُقام على مساحة إجمالية تُقدّر بنحو 10 آلاف و500 متر مربع، وبمساحة بناء تبلغ (2733) مترًا مربعًا.

وأوضح أن المشروع يهدف إلى إنشاء مجمع متكامل للثقافة والعلوم والابتكار لخدمة المجتمع المحلي في مجالات التعليم والتوجيه والثقافة والبيئة وبناء القدرات، إضافة إلى ريادة الأعمال، كما يسعى إلى دعم الجهود الحكومية الهادفة لتنمية السياحة وتعزيز النمو الاقتصادي، إلى جانب إيجاد المزيد من فرص العمل لأبناء المجتمع المحلي في المحافظة.

وبيّن أن هذا المشروع الحيوي يُعد صرحًا ثقافيًّا واجتماعيًّا ومعلمًا من معالم محافظة مسندم الرئيسية ووجهة سياحية من المؤمل أن تسهم في الدفع بالتنمية الاقتصادية من خلال إيجاد فرص للأعمال التجارية والتجزئة والترفيه، فضلًا عن تعزيز التواصل بين المؤسسات والمدارس والمجتمع، ودعم الباحثين والطلبة بتوفير مصادر تشمل مكتبة والمراجع والمصادر الإلكترونية للتعلم، إلى جانب إيجاد بيئة مناسبة للأطفال تمكّنهم من استثمار طاقاتهم لخدمة وطنهم ومجتمعهم.

تكامل الأدوار

ولفت إلى أن تشغيل مركز مسندم للثقافة والابتكار يمثل خطوة استراتيجية نحو مستقبل أكثر إشراقًا للمحافظة، يجتمع فيه التعليم المبتكر والتقنية والثقافة في منظومة واحدة تخدم الإنسان وتستثمر في قدراته، ومع تكامل أدوار مكتب محافظ مسندم ووزارة التعليم ووزارة الثقافة والرياضة والشباب وبرنامج عُمان للإبحار، حيث يعد نموذجا وطنيا يُحتذى به في التخطيط والتنفيذ، ويؤسس لمرحلة جديدة من الريادة العلمية والثقافية والتقنية والابتكارية في محافظة مسندم.

إضافة نوعية للمنظومة التعليمية

من جانبها أوضحت نبيلة بنت عبدالله الشحي، المديرة العامة للمديرية العامة للتعليم بمحافظة مسندم، أن مركز مسندم للثقافة والابتكار يُعد مشروعًا استراتيجيًّا يعكس التكامل المؤسسي بين الجهات الحكومية، مشيرة إلى أن تشغيل محور الابتكار يمثل إضافة نوعية للمنظومة التعليمية بالمحافظة.

وقالت: إن المديرية تؤمن بأن الاستثمار في الابتكار هو استثمار في الإنسان، موضحة أن المركز يجسد هذا التوجه من خلال ما سيقدمه من فرص تعليمية وتدريبية متقدمة تستهدف طلبة المدارس والجامعات والمعلمين والكوادر التربوية وأفراد المجتمع والمهتمين بالتقنية والابتكار، إضافة إلى السياح والزوار، بما يعزز مفهوم السياحة العلمية ويجعل من المركز وجهة معرفية متفردة على مستوى المحافظة.

وذكرت أن تعليمية مسندم وبالتعاون مع مكتب محافظ مسندم ستعمل على تفعيل برامج المركز وفق خطط مدروسة تضمن الجودة والتنوع، وتواكب مستهدفات وزارة التعليم في تعزيز الابتكار والتعليم المستقبلي، والإسهام في إعداد جيل واعٍ ومبدع قادر على الإسهام في التنمية المستدامة للمحافظة.

بيئة محفزة للإبداع

ونوّهت المديرة العامة إلى أن مركز مسندم للثقافة والابتكار يضم مجموعة من القاعات والمرافق المتخصصة التي أُعدت وفق أحدث المعايير، من أبرزها مختبر الابتكار الرقمي لتطبيقات البرمجة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء، ومختبر STEM لتجارب العلوم والهندسة والتقنيات التطبيقية، وقاعة الروبوتات والطائرات بلا طيار لتدريب الطلبة على الأنظمة الذكية، بالإضافة إلى قاعة الواقع الافتراضي والواقع المعزز لتقديم تجارب تعليمية تفاعلية متقدمة، ومساحات النمذجة والتصميم لتنمية مهارات الابتكار الهندسي، وقاعات متعددة الأغراض لتنفيذ البرامج والمعسكرات والملتقيات العلمية.

وأكدت أن هذه القاعات تشكل بيئة محفزة على الإبداع ومهيأة لاستقبال برامج نوعية تستهدف مختلف المستفيدين، مبينة أنه من المتوقع أن يُحدث محور الابتكار أثرًا واسعًا على مستوى المحافظة يتمثل في الارتقاء بالمستوى العلمي والتقني للطلبة، وتمكين المعلمين والكوادر التربوية بمهارات تعليم المستقبل، ونشر ثقافة الابتكار في المجتمع، إلى جانب استقطاب السياح والزوار عبر برامج وتجارب علمية تفاعلية، وتعزيز الهوية المعرفية لمحافظة مسندم كمركز للعلم والابتكار.

منصة داعمة للشباب

وقال عبدالرحمن بن أحمد الملا، مدير إدارة الثقافة والرياضة والشباب بمحافظة مسندم، إن إنشاء فرع لمركز الشباب ضمن مركز مسندم للثقافة والابتكار يعزز من تمكين الشباب ويواكب التوجهات الوطنية، وذلك في إطار الاهتمام المتواصل بدور الشباب في التنمية.

وأوضح أن الفرع يشكل إضافة نوعية للمنظومة الشبابية بالمحافظة، ومنصة داعمة لطاقات ومواهب الشباب في مختلف المجالات، ويجسد حرص وزارة الثقافة والرياضة والشباب على توسيع نطاق خدماتها والوصول إلى الشباب في مختلف المحافظات، بما يعزز مشاركتهم في مسارات التنمية الوطنية.

وأضاف أنه من المؤمل أن يسهم الفرع في احتضان المبادرات الشبابية وتنمية المهارات القيادية والإبداعية ودعم الابتكار وريادة الأعمال، إلى جانب تنظيم البرامج التدريبية والأنشطة الثقافية والاجتماعية التي تلبي تطلعات الشباب وتنسجم مع احتياجات المحافظة وخصوصيتها الجغرافية والثقافية.

تعزيز الهوية الوطنية والثقافية

وأشار إلى أن مركز مسندم للثقافة والابتكار يمثل بيئة محفزة لاستثمار أوقات الشباب وصقل قدراتهم وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية لديهم، بما ينعكس إيجابًا على استقرار المجتمع ونموه.

وبيّن أن محور الثقافة، الذي تشرف عليه إدارة الثقافة والرياضة والشباب، يُعنى بتعزيز الهوية الثقافية والوطنية وإبراز الموروث الثقافي العُماني وتنمية المواهب الأدبية والفنية لدى مختلف فئات المجتمع، ويسهم في تقديم برامج وفعاليات متنوعة تشمل الفنون والآداب والتراث والأنشطة الشبابية، بما يحقق التكامل بين الثقافة والابتكار ويجعل من المركز منصة تجمع بين الأصالة والمعاصرة وتسهم في خدمة المجتمع والرقي به معرفيًّا وثقافيًّا، وإعداد جيل واعٍ قادر على الإسهام في تحقيق مستهدفات "رؤية عُمان 2040"

تحول نوعي في مسار التعليم والابتكار

وفي هذا السياق أفادت الدكتورة عذاري بنت مسعود الشحي، رئيسة قسم الابتكار والأولمبياد العلمي بالمديرية العامة للتعليم بمحافظة مسندم، أن تشغيل محور الابتكار في المركز يمثل تحولًا نوعيًّا في مسار التعليم والابتكار بالمحافظة.

وقالت: إن المركز بما يضمه من مرافق وتجهيزات متقدمة، سيشكل منصة حقيقية لاكتشاف المواهب وصقل قدرات الطلبة وتمكينهم من أدوات المستقبل في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، موضحة أن تشغيل المحور يأتي امتدادًا لجهود تعليمية مسندم في نشر ثقافة الابتكار وتحويل الأفكار إلى تطبيقات عملية تخدم الفرد والمجتمع.

وأضافت أن المركز سيسهم في توسيع دائرة المستفيدين من البرامج العلمية والتقنية وتحقيق الاستدامة في تنفيذ المبادرات النوعية، بما ينسجم مع توجهات وزارة التعليم ورؤيتها في بناء الإنسان العُماني القادر على المنافسة.

توسيع نطاق البرامج التقنية

وأوضحت أن تشغيل محور الابتكار يعتمد على الخبرات العملية التي اكتسبتها تعليمية مسندم من خلال تنفيذ عشرات البرامج والملتقيات العلمية والتقنية التي استفاد منها آلاف الطلبة وأفراد المجتمع، مثل ملتقيات البرمجة والاستكشاف وبرامج الروبوت ومبادرات سفراء الابتكار وغيرها.

وبيّنت أن وجود مركز متكامل سيمكن من توسيع نطاق هذه البرامج وزيادة أعداد المستفيدين وتحقيق استدامة أكبر في الأثر التعليمي والتنموي، مشيرة إلى أن المركز صُمم ليكون بيئة تعليمية تفاعلية تجمع بين التعلم التطبيقي والتقنيات الحديثة وتنمية المهارات المستقبلية.

تعزيز ثقافة الابتكار

وفي ختام حديثها ذكرت أن محور الابتكار يُعد القلب النابض للمركز، ويسعى إلى تحقيق أهداف استراتيجية، من أبرزها بناء قدرات وطنية تقنية قادرة على الإسهام في التنمية المستدامة وصناعة المستقبل، وتنمية مهارات الطلبة في مجالات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، ودعم التعلم التطبيقي، وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، وربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل.

ومن المؤمل افتتاح مركز مسندم للثقافة والابتكار في النصف الأول من هذا العام، ليشكل إضافة نوعية للحراك الثقافي في المحافظة، وبيئة جاذبة للإبداع والاستثمار، ويخدم المجتمع في مجالات التعليم والابتكار والثقافة والرياضة والسياحة وريادة الأعمال.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الثقافة والریاضة والشباب التعلیم والابتکار مکتب محافظ مسندم ثقافة الابتکار بمحافظة مسندم محور الابتکار تعلیمیة مسندم محافظة مسندم تعزیز الهویة إضافة نوعیة الابتکار ی فی مجالات أن تشغیل إلى جانب ع مانی إلى أن

إقرأ أيضاً:

ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح

خلصت ورقة علمية جديدة أصدرها مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال السنوات المقبلة ليس امتلاك إيران للسلاح النووي بصورة معلنة، ولا تفكيك برنامجها النووي، وإنما استمرارها في موقع "دولة العتبة النووية" القادرة على إنتاج القنبلة خلال فترة زمنية قصيرة إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك.

الورقة التي أعدها خبير الدراسات المستقبلية الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي تقدم مقاربة استشرافية شاملة لأحد أكثر الملفات الاستراتيجية تعقيداً في الشرق الأوسط، عبر الجمع بين التحليل التاريخي والتقني والسياسي، وبناء سيناريوهات مستقبلية تستشرف مسار البرنامج النووي الإيراني حتى عام 2030.

النووي الإيراني في سياق الانتشار النووي العالمي

تنطلق الدراسة من ملاحظة أساسية تتمثل في أن النظام النووي العالمي شهد استقراراً نسبياً خلال العقود الأخيرة، إذ لم تنضم أي دولة جديدة إلى النادي النووي منذ إعلان كوريا الشمالية امتلاك السلاح النووي عام 2006. وبذلك بقي عدد الدول النووية عند تسع دول فقط هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان وكوريا الشمالية و"إسرائيل".

غير أن هذا الاستقرار لا يعني تراجع المخاطر المرتبطة بالانتشار النووي، إذ تشير الورقة إلى أن التوسع العالمي في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية يفتح المجال أمام احتمالات التحول التدريجي نحو الاستخدامات العسكرية لدى بعض الدول التي تمتلك البنية التقنية المناسبة وتشعر في الوقت نفسه بتهديدات أمنية متزايدة.

وفي هذا السياق تبرز إيران باعتبارها إحدى أكثر الحالات تعبيراً عن هذا التداخل بين الاستخدام السلمي والقدرة الكامنة على التحول العسكري، وهو ما يجعلها محوراً دائماً للتجاذبات الإقليمية والدولية.

من "الذرة من أجل السلام" إلى صراع الإرادات

وتستعرض الدراسة المسار التاريخي للبرنامج النووي الإيراني، موضحة أن بداياته تعود إلى مرحلة الشاه محمد رضا بهلوي، عندما حظي المشروع بدعم أمريكي مباشر في إطار برنامج "الذرة من أجل السلام" الذي أطلقته واشنطن خلال الحرب الباردة.

لكن الثورة الإسلامية عام 1979 أحدثت تحولاً جذرياً في النظرة الأمريكية إلى البرنامج، لينتقل من مشروع يحظى بالدعم الغربي إلى ملف يُنظر إليه بوصفه تهديداً محتملاً للأمن الإقليمي والدولي.

وتتوقف الورقة عند محطات مفصلية عديدة، من بينها الكشف عن منشآت نطنز وأراك مطلع الألفية الحالية، وما تبع ذلك من عقوبات دولية وضغوط سياسية متصاعدة، وصولاً إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015، ثم انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منه عام 2018، وهو القرار الذي فتح الباب أمام تسارع عمليات التخصيب الإيرانية وتراجع القيود المفروضة على البرنامج.

إخفاق نبوءات "القنبلة الوشيكة"

ومن أبرز النقاط التي تتناولها الدراسة نقدها للتقديرات السياسية والإعلامية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، وخاصة تلك التي روّجت باستمرار لفكرة أن طهران أصبحت على بعد أشهر أو أسابيع من إنتاج قنبلة نووية.

وتشير الورقة إلى أن التحذيرات المتكررة التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال العقود الثلاثة الماضية بشأن قرب امتلاك إيران للسلاح النووي لم تتحقق، رغم تكرارها في مناسبات عديدة وعلى امتداد سنوات طويلة.

وترى الدراسة أن هذا السجل من التنبؤات غير المتحققة يدعو إلى التعامل بحذر مع الخطاب السياسي المرتبط بالملف النووي، والتمييز بين التقديرات العلمية المبنية على مؤشرات موضوعية وبين الرسائل الدعائية المرتبطة بالصراعات السياسية والاستراتيجية.

أربعة سيناريوهات لمستقبل البرنامج

اعتمد الباحث في بناء رؤيته المستقبلية على أربعة سيناريوهات رئيسية يمكن أن يتخذها البرنامج النووي الإيراني خلال السنوات القادمة.

السيناريو الأول يتمثل في تفكيك البرنامج النووي أو تقليصه بصورة جوهرية، سواء نتيجة ضغوط خارجية أو تفاهمات سياسية شاملة. إلا أن الدراسة تعتبر هذا الاحتمال الأضعف بين جميع السيناريوهات المطروحة، إذ تقدر فرص تحققه بما يتراوح بين 5 و10 بالمئة فقط.

ويستند هذا التقدير إلى حجم الاستثمارات السياسية والاقتصادية والعلمية التي ضختها إيران في مشروعها النووي على مدى عقود، فضلاً عن ارتباط البرنامج بمفاهيم السيادة الوطنية والاستقلال الاستراتيجي في الخطاب الرسمي الإيراني.

أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحاً، فيتمثل في استمرار إيران كـ"دولة عتبة نووية"، أي دولة تمتلك المعرفة والخبرة والبنية التحتية والمواد الانشطارية اللازمة لإنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة، لكنها تتجنب اتخاذ القرار السياسي النهائي بإعلان امتلاك القنبلة.

وتمنح الدراسة هذا السيناريو احتمالاً يتراوح بين 60 و65 بالمئة، معتبرة أنه يحقق لإيران معادلة دقيقة تجمع بين الردع الاستراتيجي وتجنب التبعات السياسية والقانونية المترتبة على التحول إلى قوة نووية معلنة.

السيناريو الثالث يتمثل في انتقال إيران إلى مرحلة إنتاج السلاح النووي وإعلانه رسمياً، وهو احتمال تقدر الدراسة فرصه بما بين 35 و40 بالمئة.

وتربط الورقة تحقق هذا السيناريو بجملة من المتغيرات، أبرزها تصاعد التهديدات العسكرية الخارجية، أو انهيار كامل لمسارات التفاوض، أو صعود التيارات الأكثر تشدداً داخل النظام الإيراني، إلى جانب تنامي نفوذ الحرس الثوري في عملية صنع القرار الاستراتيجي.

أما السيناريو الرابع فهو ما يعرف في أدبيات الدراسات المستقبلية بـ"البجعة السوداء"، أي وقوع أحداث استثنائية غير متوقعة وعالية التأثير يمكن أن تقلب المعادلات القائمة بصورة جذرية، سواء داخل إيران أو على مستوى البيئة الإقليمية والدولية.

بين الردع والغموض

وتتوقف الدراسة عند أحد النماذج الأمريكية المستخدمة في قياس مستوى التهديد الإيراني، وهو ما يعرف بـ"عداد غايغر للتهديد الإيراني"، الذي يمنح إيران 157 نقطة من أصل 180 نقطة، بما يعادل 87.2 بالمئة من مستوى التهديد الأقصى.

غير أن الباحث يحذر من التعامل مع هذه النماذج بوصفها أدوات قياس دقيقة بصورة مطلقة، مشيراً إلى أن كثيراً من المؤشرات المستخدمة فيها تعتمد على تقديرات سياسية واستخبارية قد تتأثر بالتحيزات المؤسسية أو بالتصورات المسبقة لصانعي القرار.

ومن هنا ترى الورقة أن فهم السلوك النووي الإيراني لا يمكن أن يعتمد على المؤشرات التقنية وحدها، بل يتطلب قراءة أوسع تشمل البيئة الأمنية المحيطة بإيران، وحسابات الردع، وتوازنات القوى الإقليمية والدولية.

العوامل الحاسمة حتى 2030

في محصلتها النهائية، ترجح الدراسة استمرار إيران في انتهاج سياسة الغموض النووي المدروس، بحيث تحتفظ بإمكانية الانتقال السريع نحو إنتاج السلاح النووي دون أن تقدم على هذه الخطوة فعلياً.

وتؤكد أن القرار النهائي لن يتحدد بناء على التطورات التقنية فقط، بل سيتأثر بمجموعة واسعة من المتغيرات السياسية والاستراتيجية، تشمل مستقبل النظام الإيراني نفسه، وطبيعة الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، ومواقف القوى الكبرى، ومستوى التصعيد مع "إسرائيل" والقوى الإقليمية المنافسة.

وبناء على ذلك، يبدو أن المشهد الأكثر احتمالاً حتى عام 2030 ليس ظهور قوة نووية جديدة بصورة رسمية، ولا تراجع إيران عن مشروعها النووي، وإنما استمرارها في المنطقة الرمادية بين السلمية والعسكرية؛ أي عند "العتبة النووية"، حيث يتحول الغموض ذاته إلى أداة ردع استراتيجية، وربما إلى أحد أهم عناصر القوة الإيرانية في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • برلمانية: إحياء قلب القاهرة نقلة حضارية تعيد لمصر مكانتها السياحية والتاريخية
  • "إعلام بئر العبد" يناقش دور الشباب في مواجهة الشائعات
  • ورقة علمية: إيران تقترب من القدرة النووية الكاملة دون إعلان امتلاك السلاح
  • الإمارات ترسخ نموذج الاقتصاد الدائري عبر شراكات ومبادرات نوعية
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • شراكة مصرية فرنسية جديدة لدعم الابتكار وريادة الأعمال بجامعة الإسكندرية
  • برلماني: توجيهات الرئيس السيسي لتطوير التعليم العالي تعزز مكانة مصر في المعرفة والابتكار
  • شراكة بحثية دولية تُثري الابتكار في التحليل الدوائي في الجامعة الألمانية بالقاهرة
  • الصين تسعى للتحول إلى "قوة طاقة عالمية" عبر الابتكار الأخضر وأمن الإمدادات
  • صلة الأرحام ونبذ الخلافات الأسرية.. الأوقاف تعقد 27 ندوة علمية بالمحافظات